بيتي وحيدًا بين آثار المجنزرات أبكيه كشاهدٍ صامت

أراقب منزلي من صورةٍ جوّيّة، لا أعرف لماذا تحديدًا تشبه هذه اللحظة الحزن الهادئ الذي لا يبكي، ذلك الحزن الذي يجلس في الصدر كحجرٍ بارد، ويرفض المغادرة.
هناك، عند منعطف الطريق الترابيّ، يقف بيتي وحيدًا بين آثار المجنزرات التي مرّت ولم تسأل عمّن يسكن خلف تلك الجدران، يقف ككهل أنهكه العمر ونجا من المذبحة، ليس لأنّه أقوى منها، بل لأنّ الموت، في عجلته، نسيَ أن يُنهي عمله فيه.
أتأمّله من أعلى وأتساءل: “كم يبدو صغيرًا؟ وكم كان شاهدًا على أحلامٍ كبيرة؟”.
حينما يغدو البيت “إحداثيّة”
ثمّة لحظةٌ يدرك فيها الإنسان أنّه تحوّل إلى رقم، ليست لحظةً دراميّة بالضرورة، ولا رصاصة ولا انفجار، أحيانًا تأتي هادئةً كصورة جوّيّة تُظهر منزلك نقطةً على خريطة، ومنطقتك “محورًا”، وعمرك كلّه هامشًا باردًا في تقريرٍ عسكريّ لا يعرف رائحة الخبز الذي كان يخرج من ذاك المطبخ كلّ صباح.
هذا البيت الذي أراه من أعلى لم يكن يومًا موقعًا استراتيجيًّا. لم يكن مخزنًا للسلاح ولا نقطةَ اشتباك. كان مثلما تكون عليه البيوت في الحال الطبيعيّة، كان مكانًا تعود إليه، وتشعر فيه أنّ العالم الخارجيّ بكلّ ضجيجه لا يستطيع الدخول دون إذن. كان محاولةً متواضعة للحياة. تلك المحاولة التي تُشبه الصلاة.
أرواحٌ لا تُحسب، وانتصاراتٌ تُعلَن
دعوني أصارحكم بما لا يُقال عادةً في الخطب، نحن لم نكن يومًا شركاء في هذه الحروب. كنّا وقودها. بيوتنا كانت أوراق ضغط على طاولات التفاوض. وأرواحنا كانت عملةَ مساومة تُدفع حين تحتاج الأطراف الكبرى إلى رفع سعر المطلب أو تخفيض ثمن التنازل. وتعب العمر كلّه وتلك السنوات التي بنينا فيها جدارًا أو زرعنا فيها زيتونًا، لم يكن بندًا في أيّ حساب.
ثمّ يأتي البيانُ: “لقد ألحقنا بالعدوّ خسائر فادحة”.
يُقرأ البيان بصوتٍ واثق، ويُبثّ على الشاشات، ويُعلَّق عليه بالتعليقات المعتادة. لكن لا أحدَ في ذلك البيان يذكر كم بيتًا احترق؟ ولا كم طفلًا نام تلك الليلة على صوت الانفجارات دون أن يسأل ماذا يحدث، لأن الخوف علّمه ألّا يسأل؟
بربّكم، ما هو مقياس حساباتكم؟
إن كان مقتل واحدٍ من الاسرائيليّين يستدعي أن تُحصد من أرواحنا المدنيّة ما يفوقه أضعافًا، فأيّ منطق هذا؟ وأيّ انتصارٍ ذاك الذي يُحتفل به فوق ركام من لم يُسألوا إن كانوا يريدون المشاركة في هذه المعركة أصلًا؟ الإجابة التي لا يجرؤ أحدٌ على تضمينها في أيّ بيان: أرواح المدنيّين لم تدخل يومًا في حساباتهم. نحن النفس الرخيصة في معادلة من نصّبوا أنفسهم أولياء الدم.
الورقة التي لا يراها أحد
يتحدّثون عن المظلوميّة. وهم بكل مفارقة مؤلمة من صنعوها وأداروها وسوّقوها. يدّعون الإيمان ولا يستشيرون النفس المدنيّة التي لا ناقة لها ولا جمل حين يحرّكون بنادقهم. لا نُسأل حين تقرّر الأطراف الكبرى توقيت التصعيد وتوقيت التهدئة. ولا يُخبَرنا أحد حين يستخدمون أرضنا وسماءنا وأطفالنا ورقةً للضغط في مفاوضاتٍ لا تعرف تفاصيلها.
نحن من ندفع، ندفع من بيوتنا ومن ذاكرتنا، ومن سنواتٍ بنيناها بأيدينا لن تعود. ويُطلب منّا بعد ذلك أن نهتف.
أمّا أنا… أمام هذا الخراب، لا أزال أومن، ولن أختم بالمرارة وحدها. ليس لأنّها غير مستحقّة، بل لأنّ الاكتفاء بها هو النصر الأخير الذي يمنحونه لأنفسهم حين يُفقدوننا القدرة على تخيّل ما هو أفضل.
ومع ذلك، وأنا أنظر إلى منزلي الواقف بصعوبة وسط الخراب، كأنّه يتّكئ على ذاكرته كي لا يسقط، أشعر بشيءٍ لا أستطيع تسميته إلّا إيمانًا. إيمانٌ بالدولة، بالدولة الممكنة، بالدولة التي يجب ان تكون حاضرة في الجنوب. تلك الدولة التي يُكتب عقدها بجملةٍ واحدة: روح المواطن ليست ورقة تفاوض.
نحن من ندفع، ندفع من بيوتنا ومن ذاكرتنا، ومن سنواتٍ بنيناها بأيدينا لن تعود. ويُطلب منّا بعد ذلك أن نهتف.
سأبكيه كشاهدٍ صامت
نحن الذين آمنّا بالدولة وسط كلّ هذا الجنون، كنّا دائمًا أقلّيّةً تبدو ساذجة في عيون من يؤمنون بالبنادق وحدها. قلنا إنّ القانون هو السبيل الأوحد، وإنّ المؤسّسات أكثر استدامةً من الشعارات، وإنّ المواطن يستحقّ أن يُعامَل كإنسانٍ لا كوقود. أصواتنا ضاعت كثيرًا تحت ضجيج الطبول، لكنّها لم تمت.
فالجنوب لا تحميه الشعارات، ولا تُنقذه المحاور، ولا تُعيده الخطب الحماسيّة إلى أهله. الجنوب يصان عندما تدركون معنى المواطن قبل معنى المحاور ومعنى الحياة قبل معنى الانتصار.
إن سقط هذا البيت يومًا، فلن أبكيه كخسارةٍ شخصيّة فقط، سأبكيه كشاهدٍ صامت على حقيقةٍ يجب أن يسمعها هذا العالم: أنّنا كنّا هنا، وأنّنا كنّا بشرًا، وأن لا أحد سألنا إن كنا نريد أن نكون ساحةً لحروبٍ لم نكتبها، وانتصاراتٍ لم نحتفل بها، وهزائم دفعنا ثمنها وحدنا.
وأنّ البيوت التي تشبه أصحابها، تتعب، وتُخذل، وتُحاصَر، لكنّها تُصرّ على البقاء واقفة ما استطاعت. ليس لأنّها قويّة، بل لأنّ السقوط يعني أن لا شيء يستحقّ أن يُحكى بعد الآن.




