المغتربون في زمن الحرب: أرواح معلّقة على خطوط الهاتف

مع أولى الغارات التي شملت معظم قرى وبلدات جنوب لبنان، خلال الثاني من آذار (مارس) الماضي، تناولت نهى توبة المتحدّرة من دير الزهراني (النبطية) ومغتربة في ألمانيا، هاتفها واتصلت بشقيقتها الصغرى المقيمة في جنوب لبنان، لتسمع صراخها ورعبها ممزوجَين بصوت الطيران الحربيّ والمسيّرات. وبينما كانت والدة توبة تُحضّر حقيبة النزوح كان صوت أطفال العائلة المرعوبين من الموت الذي بات رصيده يرتفع أقرب من أيّ وقتٍ مضى، وشقيقة توبة تصرخ على الهاتف: “الطائرة تحلّق فوقنا، ستقتلنا”.

“خرج أهلي من المنزل وبقيت طوال الطريق على اتّصالٍ معهم، أسمع أصوات الضجيج جرّاء زحمة النزوح والطيران وصوت الرعب، حتّى تأكّدت أنّ أهلي وصلوا أخيرًا إلى مكانٍ آمن. بعد ذلك، تواصلت مع جميع من أعرفهم في لبنان كي أتأكّد أنّهم بخير”، تقول توبة لـ”مناطق نت”. وتتابع عن وضعها كلبنانيّة تعيش في الغربة “أكثر ما كان موجعًا هو عدم استطاعتي أن أفعل شيئًا، لست على الأرض كي أُساعد”.

تضيف توبة “التوتّر يلازمني طوال الوقت، يمنعني من القيام بمهامي اليوميّة والاعتناء بأولادي. الأخبار تصلني تباعًا، أحزن على الضحايا ممّن أعرفهم والذين لا أعرفهم، وأفكّر في عائلتي النازحة إن كانت مرتاحة في مكانها الجديد، وأفكّر في أُمّي التي تركت منزلها وقريتها، أفكّر في القرية ومنزل طفولتي وأتساءل إن كنت سأُحرم من العودة إليهما. اسودّت الدنيا في وجهي بكلّ ما في الكلمة من معنى”.

أمان جغرافيّ وعجز نفسيّ

كثيرون يعتبرون أنّ على المغتربين اللبنانيّين كمّ أفواههم في حالة الحرب، لأنّهم ببساطة يمتلكون رفاهيّة العيش بأمانٍ في بلدٍ بعيد من وطنهم الذي يطفح دماءً. لكن، هل العيش بعيدًا من الخطر يكفي كي يكون المغترب على ما يرام؟

بالنسبة إلى كثيرين من المغتربين، يبدأ النهار وينتهي بتفقّد الأخبار. تتحوّل المسافة التي كانت يومًا مصدر أمان إلى عبء نفسيّ ثقيل. المغترب الذي غادر بحثًا عن فرصة عمل أو حياة أكثر استقرارًا يجد نفسه فجأة عاجزًا عن حماية أهله أو الاطمئنان عليهم. تتكرّر الاتّصالات والرسائل القصيرة عشرات المرّات يوميًّا، وكلّ انقطاع في الشبكة أو تأخّر في الردّ يتحوّل إلى مصدر قلق ربّما يستمرّ ساعات طويلة.

تقول ماريا صبّاح من النبطيّة، المقيمة حاليًّا في بلجيكا، إنّ “الأخبار العاجلة ترافقني عبر الهاتف طوال الوقت، في المنزل وفي السيّارة وأينما أذهب”. تتابع لـ”مناطق نت”: “الألم والقلق والقهر والغضب وشعور العجز والمسؤوليّة هي المشاعر التي تتملّكني طوال الوقت. أتمنّى لو أنّني موجودة مع أهلي وإخوتي كي أشاركهم إحساس الخطر. أحاول المشاركة في الوقفات الاحتجاجيّة التي تُقام هنا كي أخفّف من شعوري بالعجز، لكنّ المعاناة قاسية”.

ماريا صبّاح من النبطيّة، مقيمة في بلجيكا: “أتمنّى لو أنّني موجودة مع أهلي وإخوتي كي أشاركهم إحساس الخطر

أجساد هناك وقلوب هنا

يضطرّ المغتربون إلى ممارسة حياتهم اليوميّة في بلاد الاستقرار والأمان، فيما تبقى عقولهم معلّقة في القرى والمدن التي تركوها خلفهم، في منازل طفولتهم التي قد يُحرمون من العودة إليها، وفي العائلة والأصدقاء الذين ما زالوا يعيشون تحت التهديد اليوميّ.

هكذا تصبح الحياة اليوميّة للمغتربين منقسمة بين واقعين: واقع يجبرهم على الاستمرار في حياةٍ بعيدة من الخطر، في مجتمع ليس على دراية بالإجرام الذي يلحق ببلدٍ صغير يُسمّى لبنان، وواقع الحرب التي يتابعون تفاصيلها باستمرار، واقع الخوف والقلق والشعور بالذنب والعجز.

حرب تهدّد الهويّة والانتماء

الحرب لا تثير الخوف وحده، بل تعيد أيضًا طرح أسئلة الهويّة والانتماء. يقول أحد المغتربين المتحدّرين من بلدة ميس الجبل (مرجعيون) والمغتربين في بريطانيا (رفض الإفصاح عن اسمه)، وهو أب لثلاثة أطفال: “لم يبقَ شيءٌ من قريتي ميس الجبل، ولا حتّى ذكرى صغيرة. هُدم منزل والديّ ولم يبقَ منزلٌ قائم في البلدة. أولادي ليس لهم أحدٌ في الغربة سوى والدتهم وأنا، ماذا نقول لهم عن لبنان؟ كيف نشرح لهم قلقنا وحزننا؟ أولادي لم يزوروا لبنان منذ ثلاث سنوات بسبب الحرب، كيف أغذّي انتماءهم إلى وطنهم الأمّ إن لم تبقَ لنا أرضٌ نزورها؟ أنا الذي كنت أحلم أن أعود يومًا إلى لبنان كي أستقرّ فيه مع أولادي”.

يتابع لـ”مناطق نت”: “إنّ من عاش الاحتلال والتهجير في الثمانينيّات يرافقه شعور بعدم الأمان طوال حياته أينما حلّ أو استقرّ”.

لا يختلف ما قالته زوجة المغترب عمّا قاله هو، ردّدت لـ”مناطق نت” السؤال نفسه: “هل سنعود إلى لبنان ونجد منازلنا وأحبابنا؟ هذا السؤال يرافقنا دومًا مع شعور بالذنب، لأنّنا لا نشارك الخطر مع أهلنا في لبنان، ونحاول التخلّص من هذا الشعور عبر متابعة أخبار الحرب بشكل مستمرّ ولحظة بلحظة. فقدنا المنازل وفقدنا كثيرًا من الأعزّاء، ولكنّ الأهمّ من ذلك هو شعورنا بأنّنا فقدنا الوطن الذي نعود إليه”.

تتابع “معاناتنا في الاغتراب تتلخّص بالفقدان والعجز والشعور بالذنب والخوف، لكنّ أصعب ما نعانيه هو اضطرارنا للعيش في عالمين: بين عالم تقيم فيه أجسادنا، عالم الأمان، حيث الناس لا تعرف شيئًا عن الحرب التي تدور في لبنان، وبين عالم وطننا الأمّ الذي يحتضر. نضطرّ إلى ممارسة حياتنا اليوميّة بشكل طبيعيّ خارج المنزل، وحين نعود إلى المنزل نرتمي في أحضان القلق والخوف والأخبار العاجلة والأسئلة التي لا أجوبة لها”.

تمثال المغترب عند مرفأ بيروت شاهد على حروب لبنان وعبثيتها

حرب عابرة للحدود

يبدو أنّ تبعات الحرب النفسيّة عابرة للجغرافيا، وهذا ما تشير إليه الإختصاصيّة في علم النفس شارلوت الخليل فتقول: “من الناحية النفسيّة، لا يُقاس التأثّر بالأزمات فقط بمدى القرب الجغرافيّ من الحدث. الحرب لا تطال الأرض والبيوت والأرواح وحسب، بل تمتدّ أيضًا إلى الروابط العاطفيّة والإحساس بالانتماء والهويّة والشعور بالأمان. قد يكون المغترب بعيدًا من الخطر المباشر، لكنّه ليس بالضرورة خارج الأثر النفسيّ للحرب، بخاصّة عندما يكون أهله وناسه وذاكرته ووطنه في قلب الأزمة”.

تتابع الخليل لـ”مناطق نت”: “كثير من المغتربين يعيشون خلال الحرب حالة مركّبة من القلق والحزن والعجز. فهم يتابعون الأخبار باستمرار، وينتظرون أخبارًا من أحبّائهم كي يطمئنّوا، ويخافون على أهلهم وأصدقائهم، ويشعرون أحيانًا بأنّهم معلّقون بين مكانين: جسديًا في الخارج، ونفسيًّا وعاطفيًّا في لبنان. ربّما يترافق ذلك مع شعور بالذنب، لأنّهم في مكان أكثر أمانًا بينما من يحبّون يواجهون الخطر والنزوح وفقدان البيوت أو انقطاع مقوّمات الحياة اليوميّة”.

الإختصاصيّة في علم النفس شارلوت الخليل: “كثير من المغتربين يعيشون خلال الحرب حالة مركّبة من القلق والحزن والعجز”

وتؤكّد الخليل: “في علم النفس، لا يُشترط أن يكون الإنسان شاهدًا مباشرًا على الحدث الصادم كي يتأثّر به. فالتعرّض المستمرّ لأخبار الحرب، ومشاهدة صور الدمار، والقلق المتكرّر على أشخاص نرتبط بهم عاطفيًّا، كلّها عوامل قد تُنتج ضغطًا نفسيًّا حقيقيًّا. كذلك فإنّ الحروب تعيد تنشيط أسئلة عميقة لدى المغترب حول الانتماء والمسافة والواجب والعجز ومعنى أن يكون الإنسان بعيدًا من وطنه في أكثر لحظاته ألمًا”.

وجوه مختلفة للألم نفسه

وتشدّد الخليل على أنّ “الأمر ليس بمثابة مقارنة بين الداخل والخارج؛ من الضروريّ الاعتراف بأنّ تجربة المغترب لا تطابق أبدًا تجربة من يعيش الحرب على الأرض. فهناك فرق كبير بين الخوف على الوطن ومن نحبّ، وبين العيش اليوميّ تحت التهديد والقصف أو التهجير أو فقدان الأمان الجسديّ أو خسارة البيت والموارد الأساسيّة. لذلك، لا ينبغي التعامل مع الأمر وكأنّه مقارنة بين معانتين أو منافسة على من يتألّم أكثر، بل كفهمٍ لأنّ الأزمة الواحدة ربّما تصيب الناس بطرق مختلفة، وبحسب موقعهم وظروفهم ودرجة قربهم العاطفي من الحدث”.

وتتابع لـ”مناطق نت”: “يمكن القول إنّ المغترب معنيّ بالأزمة، ليس لأنّه يعيشها بالشكل نفسه الذي يعيشها من بقي في لبنان، بل لأنّه يحمل جزءًا من هذا الوطن في علاقاته وذاكرته وهويّته. البعد الجغرافيّ قد يخفّف من الخطر المباشر، لكنّه لا يلغي الرابط النفسيّ والوجدانيّ مع الأرض والناس”.

بينما نعيش في لبنان الخوف على أجسادنا ومنازلنا ومصائرنا، يعيش كثير من المغتربين خوفًا من نوعٍ آخر: خوف الفقدان البطيء لوطنٍ يحملونه في ذاكرتهم وهويّتهم وعلاقاتهم. معاناة الاغتراب في زمن الحرب ليست منافسةً لمعاناة من بقوا في الداخل، بل وجهًا آخر من وجوه الألم نفسه، الألم الذي يذكّر اللبنانيّين، أينما كانوا، بأنّ الوطن ليس بقعة جغرافيّة وحسب، بل رابطة عاطفيّة لا تنقطع حتّى في أقصى المنافي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى