حكايات مزارعات من جنوب لبنان بين النزوح والحقل

بين الحقول والمزارعات علاقة تتجاوز كونها مجرّد مهنة يعشن منها، فما إن يُسألن عن معنى الأرض والزراعة بالنسبة إليهنّ يأتي الجواب واحد: “الزراعة والأرض هنّي حياتي”. ينتظرن المواسم كي يغرسن البذور في تراب حقولهنّ، وينتظرن بفارغ الصبر أن تثمر ما زرعته أيديهنّ لينبت ثمر يحصلّن منه اكتفاءهنّ الذاتيّ ومونتهنّ. لكنّ الحرب أرخت بثقلها على كواهلهنّ وأجبرتهنّ على الابتعاد من التراب المعتادة أناملهنّ عليه، وبين ثقل النزوح وأعبائه وخسارة الأرض انتظار.
بعد قسرّي من الأرض
منذ العام 2017 تعمل ريما الحسين التي تتحدّر من بلدة العامريّة قرب صور في الزراعة. ومنذ ذلك الوقت كانت موظّفة في مشتل زراعيّ كبير، يضمّ مختلف أنواع الزراعات من خضار وورود وأشجار، تقول ريما إنّ المشروع وُلد على يديها وكانت المشرفة عليه.
عشر عائلات كانت تعتمد في عيشها على المشروع أضحت اليوم بلا عمل. تروي ريما عن خسارتها فتقول: “لم نكد نخرج من الحرب الماضية، ونعاود البدء من الصفر، حتّى اندلعت الحرب مجدّدًا”.
في المشتل الأساس الذي يقع في منطقة المنصوري جنوب صور عملت ريما، وفي الأيّام الأولى للحرب واظبت على تفقّد المشروع، إلى أن بات ممنوعًا بالتهديد الإسرائيليّ الوصول إلى تلك البقعة.

أدّى تدهور الأوضاع بريما إلى النزوح نحو صور، حيث انصبّ جهدها على إنقاذ الفرع الثاني للمشروع وهو عبارة عن مشتل زراعيّ يقع عند مفرق بلدة معركة، لكنّ محاولتها أيضًا باءت بالفشل إثر تهديدات الإنذار التي وُجّهت إلى صور، ما دفعها للنزوح إلى صيدا. وعلى رغم ذلك واظبت ريما على زيارة المشتل يومًا بعد يوم، حيث كانت تروي المزروعات وتعمل قدر المستطاع على إنقاذها من اليباس، لكنّ اشتداد الغارات والقصف، كانا يرغمانها على العودة أدراجها إلى صيدا.
ضياع المواسم
تروي ريما أنّ ما زرعته من موسم كان قد أينع وحان قطافه، إلّا أنّ الحرب حالت دون ذلك. ليس لدى ريما أدنى معلومات عن مشروع المنصوري. تقول لـ”مناطق نت”: “بحسب آخر ما وصلني، فإنّ حريقًا اندلع في الحقل، وكانت النيران شديدة جدًّا بسبب الفوسفور، لكن على رغم ذلك لا أملك معلومات مؤكّدة حول ما جرى، لأنّ أحدًا لم يستطع الوصول إلى المكان. حاولت التواصل مع عناصر من الدفاع المدنيّ كي يتفقّدوا الأرض، لكنهم لم يتمكنّوا من الوصول بسبب التهديدات الإسرائيليّة”.
تضيف ريما: “كلّ ما زرعته واعتنيتُ به، وخاطرتُ بحياتي من أجل الوصول إليه لم أستطع قطافه وتصريفه، إذ لم يكن هناك من يشتري المحصول”. تُشير ريما إلى أنّ “تجّارًا كانوا قد طلبوا كمّيّات كبيرة من منتجات زراعيّة لم نستطع تلبيتهم. كان مطلوبًا منّي خمسون ألف شتلة صعتر، كنت قد زرعتها، وما زالت موجودة في المشتل، ولم يأتِ أصحابها لاستلامها”.
تضيف “لا أستطيع أن أعبّر عن حجم الخسارة التي تكبدناها”، تعبّر ريما بحرقة عمّا وصلت إليه “الأرض والزراعة هما حياتي كلّها. مهما كان هناك ما يزعجني، بمجرّد أن أدخل إلى الأرض وأنشغل بالزراعة حتى أنسى كلّ ما هو خارجها. فالزراعة هي شغفي”.
ما زالت ريما تحاول الوصول إلى المشتل في صور، تتنقّل من مكان إلى آخر “أتنقل وأعلم أن هناك خطرًا، وأقول دائمًا: إنّني ربّما أموت في أيّ لحظة، لكنّ الإحساس بالمسؤوليّة والتعلّق بالمشروع كأحد أبنائي، يجعلني لا أستطيع أن أترك كلّ شيء وأدير ظهري، هذا مستحيل بالنسبة لي”.
تداعيات نفسيّة ورعائيّة
ثقل النزوح والبعد القسريّ عن أرضها أثّرا بطبيعة الحال في صحتّها النفسيّة. تقول ريما: “حالتي النفسيّة منهارة، تعبي وجهدي وكلّ شبر كبُر أمام عيني وانهار”. وتردف “أعتبر نفسي امرأة قوية جدًا، لكنّني بدأت أشعر بثقل الهمّ والتعب، ّ الأمور أصبحت أكبر من قدرتي وعزيمتي. ومع ذلك، لن أستسلم. سأبقى صامدة، وسأواصل السير والعمل حتّى أعيد كلّ شيء إلى ما كان عليه، إن شاء الله”.
تعمل كارينا جمعة في الزراعة منذ 15 سنة. بينها وبين الأرض علاقة قويّة ومميّزة، تدفعها لزيارتها كلّما سنحت لها فرصة. نزحت كارينا من الهبّاريّة (حاصبيّا) لكنّها على رغم كلّ شيء ما زالت تزور أرضها بين حين وآخر. تقول لـ “مناطق نت”: “عندما حان أوان موسم البازلّاء والفول، ذهبت إلى الهبّاريّة وقطفت الثمر”.
في حرب العام 2023 ترك كارينا الهبّاريّة، وبسبب غياب الرعاية عن الأرض خسرت الموسم كلّه. تشير كارينا إلى أنه بسبب خوفها من المواد الناتجة عن القصف، خصوصًا الفوسفور، ولصعوبة الجزم إذا ما كان قد لوّث الأرض أم لا، توخّت الحذر في الزراعة بعد عودتها إلى الهبّاريّة، ولم تستفد من الموسم على رغم أنّها تكبّدت كلفة شراء البذور والسماد، إضافة إلى كلفة عامل لحراثة الأرض.
وحول ما إذا تلقّت أيّ دعم من وزارة الزراعة تقول كارينا: “وزارة الزراعة قدّمت دعمًا للمزراعين أكثر من مرّة عبر البلديّات، لكنّ اسمي لم يكن ضمن المستفيدين، ولا أعرف السبب. ربّما لأنّني كنت منبوذة، كوني أُعتبر ‘المرأة الحديديّة‘ أو لسبب آخر ما”.
الزراعة إرث عائلي سرقته الحرب
عاشت فاطمة محمود من حولا (مرجعيون) حالات عدة من النزوح. فهي نزحت من بلدتها إلى القصيبة (النبطية) خلال حرب “إسناد غزّة” التي اندلعت في الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) العام 2023، ثمّ نزحت من القصيبة إلى البيساريّة، وبعدها إلى الغازية (صيدا- الزهراني).
خسرت فاطمة أرضها ومنزلها الذي جرفه الإسرائيليّون، وهي اليوم نازحة على الطريق. تقول فاطمة لـ”مناطق نت”: “نقيم في الشارع ولا نملك منزلًا يأوينا. لم نتمكّن من استئجار منزل بسبب عدم قدرتنا المادّيّة، وقد مضى علينا عامان، وهذا العام الثالث من دون عمل. نحن نعمل في الزراعة؛ وقد تركنا في حولا زرعنا ومحاصيلنا، ثمّ حاولنا البدء من جديد في القصيبة، وكنّا نستعدّ للموسم الزراعيّ الجديد، لكنّنا وجدنا أنفسنا مجدّدًا بلا شيء”.
ورثت فاطمة الزراعة من أهلها وهي طفلة. وبعد زواجها استمرّت وزوجها يعملان في الزراعة. ومن خير الأرض ربّيا عائلتهما. “حياتنا مرتبطة بالأرض. كنت إذا لم أخرج يوميًّا إلى الحقل والبرّيّة أشعر بالتعب. نحن لا نستطيع البقاء في المنزل فترات طويلة، فلذلك يرهقنا النزوح”. تشبّه فاطمة علاقتها بالأرض “بعلاقة الأمّ بطفلها الصغير”.
“أثّرت الحرب كثيرًا في حالتي النفسيّة، حتّى فقدت رغبتي في الحياة وأصبحت لا أرغب بها. رائحة الأرض بالنسبة إليّ لها معنى خاصّ. نحن نعشق الأرض ونحبّها ونضحّي من أجلها”. تصف فاطمة علاقتها بالأرض وأثر خسارتها على وضعها النفسيّ.
زراعة في وجه الحرب
على رغم النزوح، تبحث المزارعات عن أيّ مساحة تساعدهنّ في العودة إلى لزراعة. وهو حال زينب مهدي النازحة من الناقورة إلى صور منذ حرب الإسناد في العام 2023. لم تنزح زينب مباشرة بعد بدء العدوان الإسرائيليّ، بل بقيت تتابع عملها الزراعيّ. تنكش الأرض بيدها إن لم يكن في البلدة من يساعدها على الحراثة، وتزرع غرسها وحيدة، بينما كانت المسيّرة تحوم فوق رأسها طوال النهار.
تضحك زينب وتخبرنا كيف كانت تحادث المسيّرة في أثناء عملها، تقول: “يعرفونني. كانت تبقى فوق رأسي تُخيفني وتُصوّرني، ومع ذلك كنت أواصل العمل في الأرض وأتحدّث معها وأقول لها: باقية باقية، لن أرحل”. اليوم باتت أرض زينب مجروفة بالكامل.
في نيسان العام 2024 اضطرّت زينب للنزوح إلى صور، حيث باشرت العمل في الزراعة مع مشروع “بذور صور” المنسّق مع اتّحاد بلديّات صور.

الزراعة والأرض حياتي
تقول: “أنا لا أعرف العيش من دون الأرض والزراعة، هما حياتي”. تركت زينب سكنها في حيّ “الثكنة” في صور، لتسكن في مبنى قريب من الأرض التي تعمل فيها كي تبقى بجوار زرعها، حتّى إنّها تقضي أيّام عطلتها تنكش التراب وتسقي الغرس.
تقول زينب لـ”مناطق نت”: “يتملّكني الغضب والقهر والحزن الشديد لأنّني تركت أرضي في الناقورة (صور) وغادرت، لكن ما زال لديّ أمل كبير بأن أعود وأزرع، وأن تعود أفضل ممّا كانت عليه”.
قرابة سنوات ثلاث من العمل في مشروع “بذور صور” أمضت زينب، تقول عن المساحة التي بثّت فيها الأمل: “مبادرة الاتّحاد ودعم الحركة الزراعيّة جعلاني أشعر بالدعم. أرتاح نفسيًّا في الأرض، اليوم أعتبرها أرضي بعد أن أمضيت فيها نحو ثلاث سنوات”.
الزراعة شبكة أمان اجتماعيّ
إنّ معظم من تحدّثنا إليهنّ من المزراعات أجمعن على أنهنّ لم يحصلن على دعم من الجهات المعنيّة، فقد اقتصر الأمر على تسجيل أسمائهنّ للحصول على المساعدات ولكن لم يتلقّين أيّ شيء.
في المقابل هناك مشروع “بذور صور” الذي حاول تقديم العون للمزارعات منذ حرب العام 2023. هي مبادرة بدأت بتعاون بين “اتّحاد بلديّات صور” ومنظمة ـUN Women و”الحركة الزراعيّة في لبنان”. في حرب العام 2023، بدأ المشروع بتحويل أرض مهملة إلى أرض تعمل فيها المزارعات النازحات.
قدّمت الحركة الزراعيّة التي تضّم خبراء زراعيّين تدريبات للمزارعات على تقنيّات الزراعة العضويّة. وبالتوازي مع الزراعة، تمّ افتتاح مطبخ مجتمعيّ يقوم بتأمين وجبات جاهزة من منتوجات الأرض إلى النازحين في مراكز الإيواء.
“بذور صور”
يوضح مدير وحدة إدارة الكوارث في قضاء صور مرتضى مهنّا لـ “مناطق نت” أّنه “حتّى اليوم بلغ عدد المستفيدات من المشروع نحو 400 امرأة يعملن في هذه الأرض، ويتقاضين مدخولًا يوميًّا قدره 15 دولارًا. تعمل كلّ امرأة مدة 30 يومًا، ثم نقوم بتبديل الفئة المستفيدة لتأتي 20 امرأة غيرهنّ. ويساعد المشروع المزارعات في إعالة عائلاتهنّ، كذلك يخفّف من المشكلات والتوتّر لدى النساء، ويشكّل مساحة للتفريغ النفسيّ لهنّ”.

لم يتوّقّف المشروع عند فكرة تأمين الحصص الغذائيّة، بل تطوّر ليبدأ بتأصيل الشتول، إذ أصبحت المزارعات ينتجن البذور بأنفسهنّ، ويحتفظن بالبذور الأصليّة، التي يُعاد استخدامها لإنتاج الشتول وتأصيلها وزراعتها والاستفادة منها من جديد.
يقول مهنّا: “أسهم هذا المشروع في الحفاظ على الأمن الغذائيّ في صور، إذ مررنا بفترات كنّا نشتهي فيها تناول الخضار خلال الحرب”.
وبالتوازي، انطلقت مبادرة مع السيّدات العاملات في الأرض، وهنّ من المزارعات اللواتي كنّ يعملن في مجال التأطير. فبدأن بزراعة النباتات العطريّة، وأطلقن مشروعًا بعنوان “عطريّات صور” ضمن مشروع “بذور صور”، كي ينتجن موادّ مثل ماء الزهر، والعطريّات، واللاڤندر، والحبق، فتُعبّأ في قوارير زجاجيّة. ووفق مهنّا، “تمّ توفير كشكًا لهنّ لبيع المنتجات، كذلك يشاركن في المعارض بالتعاون مع الجمعيّات لبيع هذه المنتجات. ويُعاد استخدام هذا المدخول لتطوير مشروع ‘عطريات صور‘”.
نساء وسط الأمن الغذائيّ
تعمل الحركة الزراعيّة في لبنان على دعم صغار المزارعين والمزارعات. وتؤكّد رئيسة الحركة الزراعيّة في لبنان سارة سلّوم أنّ: “أطر الدعم والعمل في الحركة التي تتألّف غالبيّتها من نساء مزارعات تشمل النساء أوّلًا ولأنهنّ تاريخيًّا هنّ حافظات البذور، ودائما نردّد بأنّ النساء عبر التاريخ هنّ اللواتي أنقذن نظامنا الغذائيّ”.
تتابع الحركة الزراعيّة المزارعات الصامدات “باعتماد مقاربة متكاملة تبدأ بالتدخّلات الطارئة، من خلال توفير البذور والمستلزمات والدعم النقديّ للمزارعين المتضرّرين، بهدف ضمان استمراريّة الإنتاج. إذ يتلقّى المزارعين/ات المحتاجين/ات لدعم مخصّص للمدخلات الزراعيّة من مساعدات عينيّة: شتول وبذور ومحاليل أو إعارة آلات زراعيّة، كذلك يتلقّون دعمًا مادّيًّا للعمالة الزراعيّة أوّل الموسم”، وفق سلّوم.



