الوشوم… حكاياتٌ ترويها الأجساد

كانت كلمة “أمّي” المحاطة بقلب رقيق وقد وُشمت باتقان ملحوظ في الجهة اليمنى من رقبة الشاب الذي يجلس قبالتي في المقهى، أقرب إلى تعويذة مقدّسة تشدّ رأس هذا الشاب إلى بقيّة جسده. وفي الجهة الأخرى من المقهى كانت كلمة “علي” المشدودة بانضباط مدروس فوق زند مشدود العضلات تراها وقد حشدتْ الشاب الذي وشم الكلمة فوق زنده، تراها وقد حشدته في ألفة اجتماعيّة وذوبان كلّيّ في بيئته المستنفرة.

غادرتُ المقهى فإذا بثلاث فراشات رقيقات تجهد برقّة لمغادرة كتف الفتاة التي كانت تسير أمامي فوق الرصيف بخفّة، بينما عند أحد التقاطعات المروريّة كانت الخطوط الممتدّة من كاحل قدم سائق الدرّاجة الناريّة وصولًا إلى ركبته تشي برونق يأبى الانحياز إلّا إلى فوضى منظّمة.

الجسد مسوَّدة

إنه عالم الوشوم الذي يبدو الجسد البشريّ إزاءه مجرّد مسوَدّة يجب تصحيحها عبر هذا الحفر الدقيق فوق الجلد. على الرغم من بداهته وقد شاع بما يفوق التصوّرات، يبقى الوشم ذلك الغريب الذي يدفع بالجسد الموشوم إلى البحث عن دلالات تعمل على تعزيز وجود هذا الجسد في محيطه الاجتماعيّ وبما يتجاوز هذا المحيط.

إن استثمار المرء في جسده بما يتلاءم مع تصوّراته الخاصّة عن العالم يجعل “الأوشام” محلّ رغبة بل حاجة لا يمكن تجنّبها. قد يكون الوشم في بعض مآربه بمثابة استحضار لذكرى يأبى صاحب هذا الوشم إلّا أن تلازمه طيلة الوقت، وقد يكون محاولة انقلابيّة لنسف تصوّرات اجتماعيّة، والوشم في هذه الحال الأخيرة هو أقرب إلى حال تمرّد أو انقلاب أو فرار من قوننة تاريخيّة لعلاقة الذات مع العالم.

وفي كل هذه الحالات ترى الوشم يسوق الجلد لأن يكون أقرب إلى السجلّ العدليّ الذي يكون الختم فوقه رهن إرادة صاحب أو صاحبة هذا الوشم أو ذاك، ولا علاقة للمؤسّسات الأخرى بهذا السجلّ من قريب أو من بعيد… محكوم أو لا حكم عليه، الأمر عندئذ سيّان.

الوشم وبناء الهوية

قيل في الوِشام كثير، ولعلّ أبرز ما قيل هو أنّ الوشم في جلّ تعيّناته هو وسيلة لبناء هويّة شخصيّة أو محاولة لاستعادة الذات أو ترميمها أو توسعتها بما يتجاوز المساحة الجغرافيّة للجلد.

ترى الجسد في بعض تلويناته اليوميّة لا يستسيغ تلك التلاوة التي تحصره في أفق بعينه، فإذا بالوشم فوق جلد الموشوم وفوق جلد الموشومة بمثابة شكل خاصّ من البيان الصاخب أو الكلام المستحيل النطق عبر اللسان، أو ربّما ومضة خاطر أُريد لها أن تكون جزءًا لا يتجزّأ من الكاراكتير العام لهذا الموشوم أو لتلك الموشومة.

إن الوشم في هذا السياق تحديدًا هو قصّة أو حكاية، وربّما قصيدة أو ملحمة جسديّة، يعمد الموشومون عبرها إلى توليد صيغة أخرى لشكل حضورهم في الشارع وفي البيت وفي أماكن العمل، وفي كلّ الأمكنة.

فأن نروّض نظرة الآخرين بما يتلاءم مع تصوّراتنا عبر زحمة الوشوم فوق الأجساد فإنّ لها عندئذ تلك القدرة الفائقة على تعيين حدود صارمة أو مربكة، واضحة أو ضبابيّة، هادئة أو صاخبة، لكنّها في جميع الأحوال هي حدود ترى الموشوم يحبّذ حضورها، بل ويعايشها في كلّ لحظات يوميّاته وفي جلّ علاقاته الاجتماعيّة مع الآخرين ومع الذات بالدرجة الأولى.

الجلد بمثابة الشاشة العملاقة التي نعرض عبرها الغموض من خلال بعض الوشوم.

من المقدّس إلى الجلد

بين سيف “ذو الفقار” الموشوم بروعة فوق يد أحد الشبّان من جهة، وصليب أزرق احتلّ كتف شاب آخر من جهة أخرى، لم تكن هذه المراوحة للنظرات بين كلّ من هذين الوشمين محلّ تحيّز إلّا إلى التاريخ السحيق للأوشام.

فتاريخ الشعوب البدائيّة يخبرنا بأنّ الوشم في بعده الأعمق هو آداة الجسد في الالتصاق بالمقدّس، وسيلة الارتباط بالغيب، لكنّه أيضًا بحسب هؤلاء القدماء جدًّا هو آداة عيانيّة لاستحضار هذا المقدّس وقوّة شكيمته عبر تركيزه فوق الجسد بإمعان. وربّما الوشم في هذا المعطى تحديدًا هو المقدّس بعينه وقد تحوّل إلى جلد.

إنّ ارتباط الوشام بالذكريات الواعية أو المنسيّة، الصريحة أو المكبوتة، تسوق متتبّعها إلى الوقوف مليًّا عندها باعتبارها ذكريات لا يمكن بثّها إلّا عبر الجلد. فمن النافل أنّ الجلد هو خطّ دفاعنا الأوّل في رحلة اشتباكنا مع العالم، ولا مفرّ من جلدنا إلّا بالموت. ولعلّ هذا ما يعزّز من سَوْق هذا الجلد لأن يكون بمثابة الشاشة العملاقة التي نعرض عبرها كلّ سبل التصدّي والتفرّد، وصولًا إلى عرض الغموض من خلال بعض الوشوم.

هو غموض تراه يشي بكلّ ضروب التخمينات، ولا أرى بأسًا في هذا الصدد من اعتبار الوشوم في بعض تمظهراتها بمثابة سرديّات ضخمة تتوسّل تارة الكلمات الضاجّة وفي الغالب هي تتوسّل الهيئات الصامتة بكلمات ينطقها الجلد بصمت.

فضاء احتياطيّ للجسد

إنّ الوشام، وفي ما يتجاوز قبح بعض أشكالها أو جماليّة هذه الأشكال، هي بالأصل أقرب إلى فضاء احتياطيّ للجسد، فضاء تراه وقد تشكّل عطفًا على رغبات الموشومين والموشومات. إنّه فضاء خاصّ لا يحقّ لأحد في هذا العالم اختراق أجوائه إلّا بما يتناسب مع شروط أصحابه ووفقًا لنظرتهم إلى العالم.

لم يكن ذلك الذئب المتوثّب للانقضاض، والذي يمتدّ من كتف الفتاة إلى منتصف يدها في إحدى حانات الجمّيزة إلّا امتدادًا لرقصها الصاخب. رحت أراقب ذلك الرقص وذلك الذئب بنظراته العابسة وقد احتلّ كلّ المشهد في المكان المحتشد بالناس.

كان يتمايل في كلّ الاتّجاهات بينما عبوس نظراته الناريّة لا يلغي على الإطلاق ألفة تلك الفتاة العشرينيّة مع جسدها. فذاك الذئب في تلك الحانة، فضلًا عن كلّ الوشوم التي كنت أعاينها في كلّ الأمكنة، ساقني إلى قناعة حول علاقة الأجساد بالوشوم مفادها: أنّ رغبة أصحاب الوشوم بالتعرّف على أجسادهم من خلالها لا تتجاوزها أيّة رغبة أخرى.

لا الصورة الشخصيّة على إخراج القيد أو الهويّة أو الباسبور، ولا تصوّرات الآخرين عنهم قبل حفرهم هذه الوشوم تعني لهم شيئًا… حتى تلك الهيئات التي زوّدتنا بها أمّهاتنا لحظة الولادة، ليست محلّ اعتبار عند أصحاب الهوس بالوشوم… فهم شأن فتاة الذئب تلك، تراهم يعرّفون عن أنفسهم بالقول: نحن الوشوم المحفورة فوق جلودنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى