الدرّاجات الناريّة ألعاب المراهقين خطرٌ يتربّص بالطرقات

في بلدٍ كلبنان، تشهد طرقاته ارتفاعاً في نسبة حوادث السير، نتيجة الفوضى المروريّة والسرعة الزائدة، وغياب الضوابط الصارمة، تنتشر ظاهرة قيادة الدرّاجات الناريّة من قبل أطفال ومراهقين في ظلّ تساهل أولياء أمورهم، والجهات المختصّة لتتحوّل الدرّاجة الناريّة من وسيلة نقل إلى لعبة في يد طفل، قد تكون نتيجتها حياة تزهق في لحظة.
تطبيع قيادة الأطفال
يعود انتشار هذه الظاهرة بشكل رئيس إلى تساهل أولياء الأمور وغياب الرقابة الأسريّة والقانونيّة، إذ يقدّم بعض الآباء الدرّاجات الناريّة هدايا لأبنائهم في سنّ مبكّرة، من دون إدراك حقيقيّ لحجم المخاطر. كذلك أصبح المجتمع في بعض المناطق ينظر إلى قيادة الصغار الدرّاجات الناريّة على اعتبار أنّها أمر عاديّ ومقبول، فيما يلجأ بعض المراهقين إلى تقليد أصدقائهم الأكبر سنّاً سعياً إلى الاندماج وإثبات الذات.
إلى جانب الأسباب الاجتماعيّة والأسريّة، تبرز أسباب أمنيّة وقانونيّة، في ظلّ غياب الرقابة الكافية للدوريّات المروريّة على الشوارع الفرعيّة والأحياء السكنيّة، ما يحدّ من قدرة بعض الجهات على ردع أولياء الأمور ممّن يسمحون لأطفالهم في القيادة من دون رخصة.
أمّا الدوافع النفسيّة، فتنطلق من حبّ المغامرة والبحث عن الإثارة وتجربة السرعة وإثبات الذات، إذ يحاول بعض المراهقين إظهار استقلاليّتهم وقوّتهم أمام أقرانهم وأقربائهم، لتتحوّل أحياناً حركات الاستعراض والتهوّر فوق الدرّاجة إلى جزء من سلوك المراهقة.
الدرّاجة الناريّة كوسيلة نقل
وفي ظلّ الظروف الاقتصاديّة الصعبة، ازداد الاعتماد على الدرّاجات الناريّة كوسيلة نقل منخفضة الكلفة، أو للعمل في توصيل طلبات ومستلزمات، بفعل غلاء الوقود، وأزمة السير، وتراجع القدرة الشرائيّة، فضلاً عن الظروف الأمنيّة وغلاء المعيشة. كذلك أصبحت الدرّاجة في بعض الأسر وسيلة ضروريّة للتنقّل ونقل أفراد العائلة.
مخاطر القيادة باكراً
يقول خبير السلامة المروريّة كامل إبراهيم لـ”مناطق نت”: “إنّ انتشار استخدام الدرّاجات الناريّة بين الأطفال والمراهقين، ولا سيّما في المناطق الشعبيّة والقرى، أصبح ظاهرة مقلقة، إذ بات من المألوف رؤية أطفال بعمر 10 و12 عاماً يقودون الدرّاجات الناريّة، ما يعوّدهم منذ سنّ مبكرة على التنقّل بها، على رغم أنّهم في هذه المرحلة العمريّة ليسوا بحاجة إلى وسيلة نقل خاصّة”.

ويشير إبراهيم إلى أنّ “هذه الظاهرة ازدادت بشكل كبير بعد الأزمات الماليّة، وأسهمت في خلق حال من الفوضى المروريّة، بخاصّة وأنّ كثيراً من القاصرين لا يمتلكون المهارات اللازمة لقيادة الدرّاجة، ولا يدركون حجم المخاطر التي قد يواجهونها، كذلك يفتقرون إلى المعرفة الكافية بقواعد السير والقوانين المروريّة”.
ويضيف أنّ “أبرز المخالفات التي يرتكبها بعض سائقي الدرّاجات الناريّة تتمثل في القيادة بعكس السير، وتجاوز الإشارات الضوئيّة، والتجاوز عن اليمين، والسرعة الزائدة، إضافة إلى القيام بحركات بهلوانيّة وعدم استخدام خوذة الرأس، وهي سلوكيّات ربّما تؤدّي إلى حوادث وإصابات مميتة”.
مسؤوليّة الأهل وتطبيق القانون
ويلفت خبير السلامة المروريّة إلى أنّ “للأهل دوراً أساساً في الحدّ من هذه الظاهرة”، داعياً إلى منع الأطفال من قيادة الدرّاجات الناريّة، نظراً إلى المخاطر الكبيرة التي قد يتعرّضون لها، وضرورة تعزيز وعي الأهالي بخطورة السماح لأبنائهم في القيادة بسنّ صغيرة.
ويشير إلى أنّ “التعميم الصادر عن وزير الداخليّة والبلديّات (أحمد الحجّار) ساهم في الحدّ من إمكانيّة حصول القاصرين على درّاجات ناريّة جديدة، إذ إنّ تسجيل الدرّاجة أصبح مرتبطاً بإجراءات قانونيّة ورخصة قيادة، ما يجعل حصول الطفل على درّاجة جديدة أكثر صعوبة. إلّا أنّ إمكانيّة شراء الدرّاجات القديمة من السوق ما زالت قائمة، الأمر الذي يجعل الرقابة على القيادة وتطبيق القانون أمراً ضروريّاً”.
ويؤكّد إبراهيم أنّ القوانين الموجودة كافية، من حيث المبدأ، للحدّ من قيادة القاصرين الدرّاجات الناريّة، لكنّ التحدّي يكمن في تطبيقها والرقابة على الالتزام بها.
ويحذّر من أنّ “إصابات الرأس تُعدّ من أخطر الإصابات التي قد يتعرّض لها سائقو الدرّاجات الناريّة، وخصوصاً إذا لم يستخدموا الخوذة، وقد تؤدّي إلى إعاقات دائمة أو إلى الوفاة”. مشيراً إلى أنّ هذه المخاطر لا تقتصر على فئة عمريّة محدّدة.
ويختم إبراهيم رسالته إلى الأهل بالتشديد على أنّ “قيادة الدرّاجة الناريّة تصبح شديدة الخطورة عندما تتمّ خارج الشروط القانونيّة، أو من دون معرفة قواعد السلامة والمخاطر المرتبطة بها”، داعياً إلى “منع الأطفال من القيادة في سنّ مبكرة، لأنّ تعويدهم على القيادة غير الآمنة والتهوّر ربّما يقود إلى نتائج قاتلة”.
أرقام تكشف حجم الخطر
تشكّل الدرّاجات الناريّة نحو 36 في المئة من ضحايا حوادث السير في لبنان، في ظلّ ارتفاع معدّلات الحوادث التي تطال بشكل خاص فئة الأطفال والشباب.
تشكّل الدرّاجات الناريّة نحو 36 في المئة من ضحايا حوادث السير في لبنان
وخلال العام 2025، سُجّل نحو 2680 حادث سير، أسفرت عن وفاة 451 شخصاً وإصابة 3177 آخرين، وفق إحصاءات قوى الأمن الداخليّ، فيما قدّرت منظمة الصحّة العالميّة عدد الوفيّات الناجمة من حوادث السير في لبنان بنحو 544 وفاة.
أمّا في العام 2026، فقد سُجّل خلال الأشهر الأربعة الأولى وحدها 962 حادث سير، أسفرت عن 142 وفاة و1052 إصابة، فيما تجاوز عدد الوفيات الناجمة من حوادث السير 400 شخص مع انتهاء النصف الأول من العام الحالي.
آثارها مدى الحياة
تعكس هذه الأرقام حجم الخطر الذي تشكّله حوادث السير، ولاسيّما حوادث الدرّاجات الناريّة، التي تحصد أرواح أطفال وشباب، وتترك خلفها عائلات تواجه آثاراً نفسيّة واجتماعيّة قاسية.
بين درّاجة تتحوّل في يد طفل إلى وسيلة للعب والمغامرة، وطرقات لا ترحم الخطأ، يبقى السؤال الأهمّ: من يتحمّل مسؤوليّة طفل يقود درّاجة ناريّة قبل أن يكون قادراً على إدراك عواقب السرعة والتهوّر؟ فالحادث ربّما لا يستغرق سوى ثوانٍ، لكنّ آثاره قد تمتدّ إلى عائلة كاملة مدى الحياة.



