الزواج في لبنان حلم الشباب صار كابوساً

لو كنتَ شابّاً في العشرينيّات من عمرك، وتتمنّى الزواج من فتاة تحبّها، أو فتاة لم تتعرّف عليها بعد، فإنَّ بضع دقائق تقضيها على حسابك في إنستغرام كافية لتُصيبك بالإحباط. المكان هناك، مع كلّ هذا الكمّ من حفلات الخطوبة والأعراس، بات يشبه قاعة احتفالات لا تتوقّف عن العمل، كذلك لا تتوقّف عن تذكيرك بأنَّ الشباب الآخرين فعلوها، بينما أنت ما زلت تتمنّاها فقط.
على أيّ حال، أنت حتماً تعرف ذاك الدرس عن مواقع التواصل، وكيف أنّها مخادعة إلى حدٍّ بعيد، حيث يحرص الناس هناك على إظهار الجانب الإيجابيّ من حياتهم وإخفاء الجانب الآخر. وفي هذا الجانب تبرز مسألة الزواج، وإذا أردنا عدم التعميم، إلّا أنّها لا تخلو من المشاكل والصعوبات، وهذا ما لا نراه على مواقع التواصل، ولكنّه موجود، ويتشاركه الشباب، بمن فيهم أولئك الذين استطاعوا النجاة “نوعاً ما” والزواج، أو الذين اتّخذوا خطوة الخطوبة.
أساس الأزمة
تبدأ أزمة الإقدام على الزواج في لبنان من المكان نفسه الذي تبدأ فيه معظم أزمات البلد، وهو الوضع الاقتصاديّ الذي يصحّ وصفه بالـ”تعيس”، فلا شيء اليوم يبدو كافياً لشرح السوء الذي وصلت إليه أحوال الشباب المعيشيّة في لبنان، ولعلَّ أكثره تعبيراً عن هذا الواقع هو مشروع الزواج، لشدّة ما يحمله من صعوبات وتعقيدات ماليّة، كافية لهدم هذا المشروع قبل أن يبدأ حتّى.
الحديث هنا عن سوء الأحوال المعيشيّة للشباب لا يعني فقط أنّهم غير مرتاحين مادّيّاً، وإنّما المشكلة أعمق من ذلك بكثير، فشريحة كبيرة من هؤلاء الشباب لا يعملون أصلاً، ويحاربون شبح البطالة يوميّاً، دون أيّ حلول عمليّة تنقذهم من هذا الواقع، سوى القبول أحياناً بوظائف لا يتجاوز راتبها 500 دولار، فقط لأنّها “أحسن من ولا شي”.
في هذا السياق، يشير الباحث والكاتب الاقتصاديّ محمّد شمس الدين إلى أنَّ ما يقارب 35 في المئة من الشباب اللبناني بين عمر 20 و35 يعانون من البطالة، وهي نسبة كانت لتكون أكبر بكثير لولا خيار الهجرة الذي بات هدفاً يسعى إليه الشباب.
هذا المشهد بأكمله، يجعل من الزواج في لبنان أقرب إلى نكتة حزينة يضحك عليها الشباب، ويفسّر لماذا بات متوسّط أعمار من يقبلون على الزواج يصل إلى 35 سنة، وفقاً لشمس الدين.
الباحث محمد شمس الدين: ما يقارب 35 في المئة من الشباب اللبناني بين عمر 20 و35 يعانون من البطالة.
بالأرقام والحسابات
الآن لو افترضنا أنَّ أحداً من بين هؤلاء الشباب تمكّن من مراوغة فخّ البطالة، واستطاع العثور على وظيفة براتبٍ مقبول بعد تخرّجه، فهذا السيناريو المثاليّ على رغم روعته، لا يمهِّد لنهاية مختلفة كثيراً، بل لا يمهِّد إلى نهاية مختلفة أبداً، وهذا ما يشرحه الدكتور علي كمّون، رئيس المجلس العالي والاقتصاديّ للدراسات.
يقول كمّون في حديثه لـ”مناطق نت”: “إنّ الزواج في لبنان بات أمراً صعباً بالنسبة إلى معظم الشباب، فحتّى لو كان أحدهم يعمل في شركة مرموقة، ويتقاضى مبلغاً بحدود 1200 دولار شهريّاً، فهو لا يزال غير قادرٍ على الزواج، والصعوبات هنا تتعلّق تحديداً بمرحلة ما بعد العرس، حيث تبدأ عندها الكلف اليوميّة والشهريّة، ويصبح الشاب مسؤولاً عن نفسه وعن زوجته، هذا إذا افترضنا أنّهما لن ينجبا طفلاً”.
يشرح كمّون الأزمة هنا بتحليله مصاريف البيت الواحد لشخصين: “إنَّ أسعار إيجارات المنازل في مناطق محدّدة في بيروت وضواحيها أو المحيطة بها مثلاً تتراوح بين 400 دولار و500، وهنا نتحدّث عن شقّة متواضعة.
هذا المبلغ يبتلع وحده ربع المعاش. أمّا إذا أردت أن تضيف عليه كلفة اشتراك مولّد كهرباء مثلاً، والتي تبدأ مع ارتفاع أسعار المحروقات بـ 175 دولاراً لخمسة “أمبير” وقد تصل إلى مبلغ يتراوح بين 300 و400 دولار، للـ10 أو 15 أمبير، وهذا يعادل أكثر من نصف إجماليّ المعاش، وذلك دون احتساب أيّ من المصاريف الإضافيّة، مثل الطعام، والمياه، والاتّصالات والإنترنت، والنقل، وغيرها من الكلفات اليوميّة”.
يضيف كمّون “المشكلة الكبرى هنا لا تتعلّق بحجم الرواتب أو انخفاضها وحسب، بل تكمن في تآكل قيمتها الفعليّة وقدرتها الشرائيّة، حتّى باتت قيمة الـ 100 دولار قبل بداية الأزمة تساوي قيمة 50 دولاراً اليوم، وهي قيمة ستنخفض أكثر مع مرور الوقت”.
شهادات حيّة
تنعكس هذه الحسابات مباشرة على حياة الشباب، إذ يقول حسين حيدر (23 سنة) لـ”مناطق نت”: “أفكّر دائماً بالزواج من الفتاة الَّتي أحبّها، ولكنّني كلّما بدأت بحساب ما أحتاجه لآخذ هذه الخطوة، أغلق الآلة الحاسبة واستسلم إلى الحقيقة المرّة”.
يتابع حيدر لـ”مناطق نت”: “أنا أعمل حاليّاً كمبرمج في إحدى الشركات، وراتبي لا يتجاوز 800 دولار، وهو مبلغ أدفع جزءاً كبيراً منه لأهلي مشاركة في تغطية مصاريف منزليّة، وبالكاد أتمكّن من ادّخار الباقي، فكيف لي أن أتمكّن من الزواج بمثل هذه الظروف؟”.
أمّا أحمد (اسم مستعار)، وهو شاب في الثلاثين من عمره، فيقول: “لا يتوقّف الناس عن سؤالي لماذا لم أتزوّج بعد؟ وهو أمر مزعج بالنسبة إليّ، وكأنّني أملك المال الكافي لكي أخطو هكذا خطوة ولم أفعل”.
يتابع أحمد لـ”مناطق نت”: “الزواج في مثل ظروف البلد بمثابة انتحار، والمشكلة أنَّ الأمور تزداد سوءاً كلّ يوم، ولا يبدو أنَّ هذا الوضع سيتغيّر أبداً”.
قدرة الأهل على الدعم
بقدر ما يبدو تجاوز كابوس كلف الزواج أمراً مستحيلاً حسابيّاً، بقدر ما يمكن للأمور أن تصبح أسهل نوعاً ما في حال لم يكن هذا الشاب مضطرّاً إلى أن يواجه هذا الكابوس وحده، أيّ إذا شاركه في هذه المهمّة طرفٌ إضافيّ، والحديث هنا تحديداً عن الأهل، وقدرتهم على دعم أولادهم مادّيّاً.
بحسب كمون، فإنّ “الوضع الاقتصاديّ الجيّد للأهل اليوم بات عاملاً أساساً في حلّ معضلة الزواج، حيث بات من الصعب جدّاً على الشباب الزواج دون الاستعانة بمساعدة أهاليهم، إن كان عبر تحمّل جزء من ثمن شراء منزل، أو تأمين بدل إيجاره بشكل شهريّ، أو تجهيزه، أو حتّى تحمّل مصاريف العرس والعلامة (المجوهرات)”.

يلتقي كلام كمّون هنا مع جمال قاسم، وهو شاب تمكّن من الزواج قبل عام، ولكنّه يؤكّد أنّه لم يكن ليفعلها لولا مساعدة والده، الذي تحمّل وحده كلفات عرسه كلّها. يقول قاسم لـ”مناطق نت”: “كانت مسألة كلف العرس هي أكثر ما يشغل بالي عندما تزوّجت، حتّى إنني بدأت أفكر بإقامة حفل عشاء صغير بدلاً من ذلك، ولكنّ والدي تدخّل وأخبرني أنّه جاهز لتحمّل الكلفة من مدّخراته، وقد أزاح اقتراحه ذاك جبلاً من على صدري”.
يواصل قاسم “إنَّ كلفة العرس في ذلك الوقت كانت بحدود 8000 دولار، وهو مبلغ كنت متردّداً في دفعه، خصوصاً وأنّني لم أكن قد تمكّنت بعد من شراء كلّ أثاث منزلي الجديد، لذا تخلّصي من ذلك المبلغ سهّل عليّ كثيراً”.
هل الحياة بهذه المثاليّة؟
لكن ما حصل مع قاسم قد لا يتوافر لغالبيّة من الشباب، لجهة ظروف أهلهم الاقتصاديّة الجيّدة نوعاً ما، لكن على الرغم من ذلك، فإنّ المشكلة ستتفاقم وترتدّ على الشاب، الذي سيجد نفسه في معظم الحالات مضطرّاً لإعالة أهله وليس العكس، وهذه نقطة جوهريّة تغيّر كلّ شيء.
فبحسب كمّون، آخر الإحصائيّات تشير إلى أنَّ “62 في المئة من الشباب اللبنانيّين يعيلون أهلهم، فكيف لهم أن يتحمّلوا كلفة منزل جديد؟”.
في هذا السياق، يتحدّث الشاب علي عبدو (27 سنة) لـ”مناطق نت” فيقول: “إنَّ الزواج هو آخر شيء أُفكّر فيه حاليّاً، فقد باتت أولويّتي إعالة أهلي بحكم احتياجهم لي، بخاصة وأنَّ والدي الذي يعمل كسائق تاكسي باتَ في عمر سيفرض عليه عاجلاً أم أجلاً التوقّف عن العمل، وستزداد عندها مسؤوليّاتي تجاه البيت”.
يضيف عبدو: “أنا لا أعارض فكرة الزواج، لا بل أرغب بها، ولكنّ الظروف تحتّم عليّ تحديد أولويّاتي، لا سيّما وأنَّ راتبي لا يكفيني لأغطّي احتياجاتي واحتياجات أهلي، فكيف أفكّر في الوقت نفسه بالإقدام على مشروع الزواج، وأنا لا أملك رفاهيّة الاختيار”.
شروط أهل العروس
في خضمّ الحديث عن دور الأهل والصلة الوثيقة بين ظروفهم المادّيّة وفرص أولادهم في الزواج حاليّاً، لا يمكن إغفال قضية أُخرى تدور في هذا الفلك، وهي مسألة الضغوط التي يفرضها ذوو الفتيات على الشباب حين يتقدّمون للزواج من بناتهم، وهي جزئيّة يعتبرها عددٌ كبيرٌ من الشباب كابوساً بحدّ ذاته.
يبدأ الأمر برمّته من اللحظة التي يقرّر فيها الشاب أن يدخل إلى منزل الفتاة التي يريدها كي يقابل أهلها، وهي خطوة ضخمة، وجريئة، وتحتاج إلى عددٍ كافٍ من الإجابات التي يجب أن تكون بحوزة هذا العريس، سواء حول طبيعة عمله، أو حالته المادّيّة، أو السيّارة التي يملكها، أو حتّى بخصوص البيت الذي سيعيش فيه مع زوجته المستقبليّة.
رامي خليل (30 سنة): أصرّ أهل العروس على أن تكون العلامة (المجوهرات) كاملة، وقد كلّفني ذلك مبلغاً بحدود أربعة آلاف دولار.
ولعلَّ تجربة الشاب مهدي (اسم مستعار – 26 سنة) هي خير دليل على هذه المسألة. يروي الشاب المقبل على الزواج لـ”مناطق نت” أنَّ أهل خطيبته كانوا واضحين معه منذ اليوم الأوّل، إذ أخبروه بشكل صريح أنّهم يفضّلون أن تعيش ابنتهم في بيت يملكه، لا في منزل مستأجر.
هذا الشرط دفع مهدي إلى البحث عن أكثر من مصدر دخل، كما يوضح، فعلى الرغم من أنَّه يعمل في وظيفة تؤمّن له مدخولاً جيّداً، إلا أنَّ راتبه لا يكفيه بطبيعة الحال لشراء منزل. “لولا مسألة البيت، ربّما كنت تزوّجت بالفعل”، يقول مهدي مختتماً حديثه.
4000 للشبكة
وتتقاطع معاناة مهدي مع تجربة رامي خليل (30 سنة)، الذي يحكي لـ”مناطق نت”: “عندما حان وقت خطبتي، أصرّ أهل العروس على أن تكون العلامة (المجوهرات) كاملة، أيّ أن تشمل محبساً وخاتماً وسواراً وسلسالاً، وقد كلّفني ذلك مبلغاً بحدود أربعة آلاف دولار”.
يضيف خليل: “لقد انعكس هذا الطلب على قدرتي في تغطية بقيّة الكلف، فقد كنت أستطيع صرف هذا المبلغ على أمور أُخرى مثل حجز صالة، أو حتّى ادّخاره إلى مرحلة تجهيز المنزل”.
الهجرة كطوق للنجاة
في دراسة أعدّها الوزير السابق والباحث الاقتصاديّ شربل نحّاس، استناداً إلى بيانات حركة الدخول والخروج الصادرة عن الأمن العام اللبنانيّ، بلغ صافي عدد اللبنانيّين ممّن غادروا البلاد ولم تُسجّل عودتهم 729,062 شخصاً بين كانون الثاني (يناير) 2020 ونيسان (أبريل) 2026. وعلى رغم ضخامة هذا الرقم، إلّا أنّه يصبح أكثر دلالة عند وضعه في سياق الفئة العمريّة للمهاجرين؛ فبحسب الباحث محمّد شمس الدين، تصل نسبة الشباب بين هؤلاء المهاجرين إلى 70 في المئة، والحديث هنا تحديداً عن الفئة التي تتراوح أعمارها بين 25 و35 عاماً.
أمّا وفقاً لكمّون، فإنَّ معظم هؤلاء الشباب يغادرون بحثاً عن فرص عمل برواتب أفضل بكثير من تلك الموجودة في لبنان، تحديداً في أفريقيا أو الخليج، على اعتبار أنَّ خطوة كهذه ستمكّنهم من تأمين أنفسهم بالشكل اللازم. وبالنسبة إلى بعض هؤلاء الشباب، لا تتوقّف الهجرة عند حدود تحسين الدخل أو تأمين مستقبل أفضل، بل تصبح وسيلتهم لتحقيق حلم الزواج نفسه.
لا تدع “إنستغرام” يخدعك
في بلدٍ تزداد فيه الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة سوءاً كلّ يوم، ويبتعد فيه الناس عن أحلامهم بفعل الظروف والانهيارات المستمرّة لكلّ شيء من حولهم، بات الزواج أمراً بعيد المنال عن معظم الشباب، وغاية لن يتمكّن من إدراكها سوى قلّة من الناس تمكّنوا من إيجاد ثغرة تقرّبهم منها، سواء عبر دعم أهاليهم، أو عبر هجرة تغيّر أحوالهم.
في المرّة القادمة التي تشعر فيها خلال تصفّحك “إنستغرام” أنَّ الجميع قد فعلها وتزوّج، بينما أنت لا زلت وحيداً، تذكّر أنك لست وحيداً، وأنَّ إنستغرام مخادع، وأنَّ هذا البلد مع الأسف الشديد، ليس مكاناً صالحاً للزواج، وربّما للعيش حتّى.



