غابة أرز الربّ بشرّي ستة حرّاس ومئات المنتهكين

أرزة عاشت ألف عام، ربّما تقضي عليها عجلة سيّارة في ثوانٍ. في أعالي بشري، لم يعد التغيّر المناخيّ العدو الوحيد للأرز، بل تحوّلت سياحة الثلج إلى خطر داهم يدهس مستقبل الغابة بحجّة الترفيه.
يتسلّل تحت رداء الثلج واقع بيئيّ يهدّد واحدة من أقدم وأهمّ المحميّات الطبيعيّة في لبنان. المشهد يوحي بالسكينة والجمال، غير أنّه يخفي نزاعًا بين رغبة الزوّار في المغامرة وبين ضرورة الحفاظ على نظام بيئيّ شديد الحساسيّة. لم تعد “محميّة أرز الربّ” اليوم تواجه تحدّيات التغيّر المناخيّ وحسب، بل باتت عرضة لتعدّيات بشريّة مباشرة ناتجة عن غياب التنظيم وضعف الإمكانات الرقابيّة.
في كلّ موسم شتاء، تتحوّل مساحات واسعة من المحميّة إلى مقصد لهواة التزلّج بالعربات الثلجيّة والسيّارات رباعيّة الدفع، تخترق من دون إدراك أو اكتراث بحساسيّة المكان الطرقات والمساحات المحميّة. قد تبدو هذه الأنشطة للوهلة الأولى ترفيهيّة وبريئة، لكنّها تترك آثارًا مدمّرة لا سيّما على شتول الأرز الفتيّة، التي تشكّل الأمل الوحيد لتجديد الغابة وتوسيع رقعتها الطبيعيّة حول غابة أرز الربّ.
الأرز الفتيّ يموت دهسًا
تعتمد غابة الأرز التاريخيّة، التي تضمّ 2162 شجرة معمّرة، في استمراريّتها على شتول فتيّة، يتخطّى عددها 172 ألفًا، جهد متطوّعون ولجنة أصدقاء غابة الأرز ولجان حماية البيئة في زرعها والاهتمام بها. وهم يغرسون لهذه الغاية سنويًّا نحو 3500 أرزة.
لكن تتحوّل مغامرات الثلج الموسميّة إلى اعتداء مباشر على مستقبل الغابة، وتقضي على سنوات من العمل البيئيّ الدؤوب. لإدراك حجم المأساة، لا بدّ أن نعلم أنّ هذه الأشجار الفتيّة تحتاج إلى سنوات طويلة من الرعاية والهدوء كي تنمو وتشتدّ، وتعيد بناء الغطاء الأخضر الذي تآكل بفعل الحرائق والتغيّرات المناخيّة والتعدّيات البشريّة. وتكمن المشكلة الحقيقيّة في تحوّل المحميّة خلال فصل الشتاء، إلى مقصد لهواة التزلّج الغوغائي بالعربات الجليديّة والسيّارات رباعيّة الدفع. يخترق هؤلاء المساحات المحميّة بعيدًا من الطرق المخصّصة، ويجهلون أنّهم يمروّن فوق مستقبل الغابة، فأيّ ضرر يلحق بها اليوم من دهس متكرّر أو ضغط عجلات يضعف قدرتها على تجديد نفسها بشكل طبيعيّ.

ستّة حراس لجيش الزوّار
باتت المحميّة التي تبلغ مساحتها 102 ألف متر مربّع، والغابة الرديفة التي تبلغ مساحتها 600 ألف متر مربّع، مساحتين مهدّدتين بسبب محدوديّة الرقابة، وقلّة الإمكانات، وفائض الاستهتار من الوافدين إلى المنطقة. هكذا يلخّص الوضع نائب رئيس بلديّة بشرّي غابي طوق، ويرى أنّ “الجهود المحلّيّة عاجزة عن ضبط هذه المساحات الواسعة، فالمعركة غير متكافئة بوجود ستّة حراس فقط في مواجهة مئات المنتهكين، خصوصًا خلال عطلات نهاية الأسبوع والأعياد”.
ويتابع طوق لـ “مناطق نت”: “أمام محدوديّة قدرات وزارة الزراعة، قامت وزارة الداخليّة بمساندة البلديّة من خلال إرسال دوريّات لقوى الأمن الداخليّ، لمراقبة المحميّة وتوقيف المخالفين، وتسطير محاضر بحقّهم مع إمكانيّة حجز السيّارات”. ولفت طوق إلى أنّ “البلديّة، وفي محاولة للتخفيف من التعدّيات ودفع السيّاح إلى احترام المكان، سطّرت خلال عطلة الأسبوع الفائت نحو 20 محضرًا لمخالفات سيّارات الدفع الرباعيّ. كذلك تعمل على وضع حواجز على الطرقات لتنبيه الزوّار بالبقاء ضمن المسارات المسموحة بعيدًا من أماكن التحريج”.
وكان قد صدر عن وزير الداخليّة والبلديّات قرار يمنع سير السيّارات المجهّزة بعدم الانحياز عن مسارات الطرقات، حفاظًا على السلامة العامّة وحماية المواقع الطبيعيّة، وبخاصّة الأماكن التي تضمّ أشجار أرز”.
طوق: في محاولة للتخفيف من التعدّيات سطّرت البلدية خلال عطلة الأسبوع الفائت نحو 20 محضرًا لمخالفات سيّارات الدفع الرباعيّ
البلدية وتفاؤل بتساقط الثلج
تتابع البلديّة بنشاط يوميّ ما يجري على الأرض، وتتمنّى على السيّاح والوافدين الالتزام بالقوانين وبالمسارات المحدّدة، كذلك تناشد أهالي المنطقة التبليغ عن أيّ تجاوز أو تعدٍّ.
ويتفاءل طوق باستمرار تساقط الثلج، شارحًا كيف أنّه “متى أصبح فوق المترين يقلّ الخطر على الغرسات الصغيرات وتصبح الطبيعة قادرة إلى حدّ ما على حماية نفسها”. ويؤكد أنّ “البلديّة لا تريد قطع أرزاق المستثمرين بالعربات الثلجيّة وسيّارات الدفع الربّاعي في بشرّي، فهي تسعى إلى الحفاظ على السياحة الشتويّة وعلى البيئة في آن واحد”.
تقنين الوجود البشريّ بالمحميّة
مع غياب الرقابة الصارمة، يبقى الرهان الوحيد على وعي الزائر، رهان يبدو خاسرًا حتّى الآن مع القادمين من خارج المنطقة الذين لا يربطهم بالأرض سوى حبّ المغامرة.
لكن، وعلى الرغم من مخاطر النشاطات الشتائيّة، لا تسعى لجنة أصدقاء غابة الأرز إلى منعها أو إغلاق المحميّة، بل تعمل على “تقنين” الوجود البشريّ وتنظيمه.
وفي محاولة لإيجاد توازن بين متطلّبات الترفيه وحماية البيئة، وضعت اللجنة خارطة طريق للإنقاذ تتمثّل في تجهيز دراسة لمسارات محدّدة بعيدة من مناطق نموّ الشتول، لتكون مخصّصة لهواة التزلّج، بما يضمن لجم العشوائيّة وممارسة الرياضة دون إيقاع ضرر بالطبيعة.
لجنة أصدقاء الأرز
ويوضح أمين عام لجنة أصدقاء الأرز بسّام جعجع أنّ “أسلوبنا الحوار لا الردع، لكنّ المشكلة الأساسة تكمن في غياب التنظيم الواضح للأنشطة الشتويّة داخل نطاق المحميّة”. ويشير إلى أنّ “التزلّج بالعربات بات نشاطًا عشوائيًّا تحكمه الفوضى، ويمارسه كثيرون من دون أيّ معرفة بطبيعة الأرض أو بقواعد السلامة البيئيّة”.
يتابع جعجع لـ “مناطق نت” أنّ “معظم الوافدين يأتون من خارج المنطقة، وبعضهم يفتقر إلى الخبرة ويسعى إلى المغامرة والإثارة، بينما يبقى أبناء بشرّي هم الأكثر حرصًا على حماية الغابة، لكونها جزءًا من هويّتهم وحياتهم اليوميّة”.
ويشدّد جعجع على أنّ “الحفاظ على محميّة أرز بشرّي ليس ترفًا بيئيًّا، بل ضرورة وجوديّة، لأنّ هذه الغابة تؤمّن توازنًا حيويًّا للتربة والمياه والحياة البرّيّة، وحتّى للإنسان الذي يعيش في محيطها. وتحرص اللجنة على التصدّي لهذه المخالفات، وستبذل جهودًا مضاعفة في الأيّام المقبلة”.
جعجع: الحفاظ على محميّة أرز بشرّي ليس ترفًا بيئيًّا، بل ضرورة وجوديّة، لأنّ هذه الغابة تؤمّن توازنًا حيويًّا للتربة والمياه والحياة البرّيّة
بين الاستغلال والحماية
في سياق متّصل، كانت هيئة الحفاظ على البيئة في بشري، قد طالبت البلديّة ونائبيّ المنطقة بالتعاون مع جميع الأجهزة الأمنيّة، وضع حدّ للانتهاكات المتكرّرة بشكلٍ متزايد وغوغائيّ وإنزال أشدّ العقوبات من حجز الآليّة ودفع غرامة ماليّة كبيرة بحقّ المخالفين بدلًا من إلهاء الأجهزة الأمنيّة والدّفاع المدنيّ والجيش بسحب الآليّات المحاصرة بالثلوج.
تختزل قضيّة أرز بشرّي مشهدًا متكرّرًا للصراع اللبنانيّ بين الاستثمار السياحيّ العشوائيّ والحماية البيئيّة المترنّحة. فالحلّ لا يبدأ من دفاتر الغرامات ولا ينتهي عند حواجز البلديّة، بل في تبنّي ثقافة المسؤوليّة تجاه الطبيعة.
وحتّى يستوعب الزائر أنّ متعة القيادة فوق الثلج قد تقتل إرثًا عمره آلاف السنين، ستظلّ القوانين عاجزة أمام عجلات لا ترحم. من هنا أهمّيّة إطلاق حملات توعية جدّيّة تشرح للزوّار قسوة الهواية وخطورة التعدّيات الصغيرة وأثرها التراكميّ على مستقبل غابة الأرز، فكلّ دورة عجلة طائشة قد تنهي حياة شجرة كان مقدّرًا لها أن تعيش ألف عام أو أكثر
الرسالة واضحة: استمتعوا بالثلج، لكن لا تقتلوا الغابة.



