وجباتنا الجاهزة تلتهم بيئتنا والناس تدفع الثمن أو تصنع الحلّ؟

طلبٌ بسيطٌ من أحد المطاعم اللبنانيّة تحوّل أمام أعيننا إلى صدمةٍ بيئيّة، أربع وجبات أنتجت كمّيّة هائلة من النفايات البلاستيكيّة ذات الاستخدام الواحد والتي تضمّنت أغلفة شفّافة، أكياس داخليّة للحفظ، عبوات سوداء صلبة، أدوات مائدة بلاستيكيّة (سكّين، شوكة وقفازات)، مناديل ورقيّة ومعطّرة، كيس صغير لكلّ وجبة، وكيس كبير يجمع الكلّ، ناهيك بعبوات المياه والمشروبات الغازيّة… ما بدا كوجبة عائليّة بسيطة انتهى بكيسٍ مليء بالبلاستيك نرميه بلا اكتراث في مكبٍّ عشوائيّ إلى جانب الطريق، دون أن نسأل: أين سيكون مصيره؟ وإلى أين سيصل في نهاية المطاف؟
كم تدفع بيئتنا ثمن وجباتنا؟
يقول الخبير البيئيّ بّول أبي راشد، رئيس جمعيّة “أرض لبنان” إنّ “الدراسات والتقارير الرسميّة التي تحدّد حجم كمّيّات النفايات البلاستيكيّة تغيب، لكنّ المعلومات الصادرة عن شركات جمع النفايات تظهر أنّ الفرد الواحد في لبنان ينتج ما معدّله 1.2 كيلوغرام من النفايات يوميًّا، بخاصّة في المدن الكبرى مثل بيروت وطرابلس وصيدا”.
يتابع أبي راشد لـ “مناطق نت”: “لكنّ هذه الأرقام لا تستند إلى دراسات علميّة، فالشركات الخاصّة قدّرت الإنتاج بكيلو غرام واحد للفرد، وجمعتها على حسب عدد السكّان، لاحتساب كلفة جمع النفايات، والتي تنتهي في المكبّات من دون رقيب أو حسيب، وما فعلناه في العام 2014 من إقفال لمكبّ الناعمة، جاء نتيجة ضغط على شركة سوكلين يومها، والتي لم تلتزم بالعقد الذي يلزمها بطمر 10 في المئة فقط من النفايات، والباقي يتحوّل إلى كمبوست ويعاد تدويره”.
البلاستيك يخنقنا بآثار لا تحتمل التأجيل
يؤدّي الحرق العشوائيّ للنفايات والتي تضمّ أنواعًا عديدة من المخلّفات ومنها البلاستيك، إلى انبعاث غازات سامّة من الديوكسينات، وموادّ مسرطنة أخرى من المكبّات المشتعلة صيفًا وشتاءً، في الوديان وعلى ضفاف الأنهر وجوانب الطرقات، ونتيجة ذلك يشكو سكّان المناطق المحيطة بالمكبّات مثل الكوستابراڤا وبرج حمّود والمكبّات الأخرى في كلّ المناطق اللبنانيّة، من معدّلات مرتفعة من أمراض الربو والحساسيّة المزمنة، خصوصًا بين الأطفال وكبار السنّ، نتيجة استنشاق الجزيئات السامّة الناتجة عن احتراق البلاستيك والتي تنشرها الرياح في أنحاء المناطق المحيطة.

وحذّرت دراسة نُشرت في العام 2024 في مجلة “Lancet” المختصّة بالصحّة والبيئة، من أن الميكروبلاستيك بات يشكّل خطرًا غير مرئيّ ومتصاعد على صحّة الإنسان، من الطفولة إلى الشيخوخة؛ هذه الجسيمات تخترق أجسامنا عبر الغذاء والماء والهواء، ويسبّب اضطرابات بالغدد الصمّاء، وفي أمراض القلب، وحتّى بارتفاع حالات السرطان. وخلصت إلى أنّ تقليل إنتاج البلاستيك يُعدّ أهمّ إجراء للتقليل من أضرار الصحّة العامّة الناتجة عن الميكروبلاستيك .
مطاعم وزبائن بلا اكتراث
لا يكترث أصحاب المطاعم الجاهزة لهذا الوضع، ولا يعتبرون أنفسهم جزءًا من هذه الأزمة مقارنة مع الملوّثات الأخرى التي تنتجها المؤسّسات الصناعيّة والتجاريّة الكبيرة، وفيما رفض بعضهم نقاش هذه المشكلة، وافق محمّد (اسم مستعار) وهو صاحب محلّ لبيع الحلويّات ويعتمد على خدمة الدلفيري في بيع إنتاجه الحديث على القول “إنّنا نعرف تأثيرات البلاستيك الضارّة على البيئة، ولكنّنا نعتمد نوعيّة بلاستيك صحّيّة للاستخدام مع المنتجات، والتي يمكن وضعها في المايكرويف”.
يتابع لـ “مناطق نت”: “اتّخذنا قرارًا هذا العام يقضي بالاعتماد على المنتجات الكرتونيّة والورقيّة، لأنّ سعر كلفتها لا يفرق كثيرًا عن البلاستيك، ونأمل أن يُصار إلى وضع براميل فرز تسمح للزبائن برمي المخلّفات القابلة لإعادة التدوير بوضعها في مكانها المناسب”. لا يجد محمّد بين زبائنه مَن يطلب إليه عدم وضع أدوات كالسكّين والشوك أو العلب الإضافيّة، لأنّهم سوف يأكلونها في بيوتهم، قلّة قليلة جدًّا، والسبب بحسب رأيه “عدم وجود وعي بيئيّ لدى المواطن”.
بلدياتنا أمام ضرائب أم حوافز؟
على المستوى البلديّ والوطنيّ، ثمّة أدوات عمليّة تساعد في الحدّ من هذه المشكلة: فرض ضرائب على المطاعم التي تنتج كمّيّات كبيرة من البلاستيك، أو تقديم حوافز لاعتماد تغليف قابل للتحلّل وتحويل الإيرادات لدعم مراكز فرز النفايات ومشاريع بيئيّة محلّيّة. وفي هذا الإطار يشدّد أبي راشد، على ضرورة تطبيق “قانون الملوّث يدفع” الذي لم يُطبّق حتّى الآن، ويشير إلى أنّ “البيانات الدقيقة عن معدّلات النفايات ما بعد العام 2018 ما تزال غائبة”.
عن الحلول الممكنة يشرح أبي راشد: “الاقتصاد الدائريّ ممكن، استعادة العبوات ونظام “شربها، ردّها” وإعادة استخدامها ليست فكرة صعبة؛ هناك تجارب دوليّة ناجحة في خفض التغليف الأحاديّ الاستخدام، ويمكن للقطاع الخاصّ والبلديّات والجمعيّات البيئيّة تنسيق الجهود لإعادة إحياء نظام الإرجاع الذي يخفّف العبء عن المكبّات ويولّد مدخولًا لإعادة الاستثمار في البنية التحتيّة لإدارة النفايات”.
كيف تتحول النفايات إلى فرصة؟
قدّمت جمعيّة “أحلى فوضى” نموذجًا عمليًّا عبر صفحاتها على مواقع التواصل، تشجّع المستهلكين على فرز وتجميع نفاياتهم البلاستيكيّة في المنازل، لتعيد تدويرها، ومن ثمّ تستخدمها في صناعة زينة وأشغال يدويّة تُعرض للبيع خلال الأعياد والمناسبات، أو كقطع ديكور منزليّ مصنوعة يدويًّا، ما يخلق قيمة اقتصاديّة وبيئيّة في آنٍ واحد.
تقول رئيسة الجمعيّة إيمان عسّاف إنّ “الفكرة بدأت في العام 2013 بجمع المال من مهرجانات كنّا نقوم بها في شارع الحمرا لتحويل مكبّ النفايات في نزلة البيكاديللّي إلى حديقة، وسُمّيت الجمعيّة ‘أحلى فوضى‘ لأنّنا حوّلنا الفوضى إلى شيء جميل. تابعت عسّاف لـ “مناطق نت”: “توسّعت جهودنا منذ العام 2014 بمشاريع جماليّة مثل رسم عشرين جداريّة في شارع الحمرا وتنظيف وتحسين الأرصفة في بعض أحياء مدينة بيروت لتناسب ذوي الاحتياجات الخاصّة”.
عسّاف: أطلقنا مبادرات لتقديم المساعدة للمحتاجين مقابل جمعهم للبلاستيك والمعادن، وفي العام 2023 افتتحننا “ECO Hub” في الحمرا لاستقبال المخلّفات القابلة لإعادة التدوير.
تضيف عسّاف “بعد انفجار الرابع من آب 2020 شاركت الجمعيّة في جمع الردم وترميم منازل مدمّرة، وأطلقنا مبادرات لتقديم المساعدة للمحتاجين مقابل جمعهم للبلاستيك والمعادن، وفي العام 2023 افتتحننا “ECO Hub” في الحمرا لاستقبال المخلّفات القابلة لإعادة التدوير، واستقبال الأدوات المنزليّة والإلكترونيّة التي لم يعد أصحابها بحاجة إليها، حيث قمنا بإعطاء أصحاب تلك الأغراض مقابلها نقاط تُستبدل بمستلزمات من الدكّان أو محلّ الملابس أو المكتبة الخاصّة بالجمعيّة”.
تردف عساف “في أيلول (سبتمبر) 2025 وسّعنا المشروع ليشمل مدرسة بيئيّة لتعليم الطلّاب عن المواد القابلة لإعادة التدوير وكيفيّة معالجتها، وتخصيص مكانّ للنفايات العضويّة لإعادة تدويرها”.
ماذا بعد؟
تُعدّ تجربة الإمارات نموذجًا عمليًّا ناجحًا، فقد نفّذت المرحلة الثانية من حظر استيراد وتداول المنتجات البلاستيكيّة ذات الاستخدام الواحد، ما ساهم في تجنّب استهلاك 364 مليون كيس بلاستيكيّ منذ تاريخ حزيران (يونيو) 2022 (نحو 2,400 طنّ بلاستيك) وخفض 547,000 طنّ من الغازات الدفيئة، وجمعت مبادرات استرداد القناني 130 مليون قنّينة حتّى نهاية 2024. بالإضافة إلى التنسيق مع المنتجين لتحديد معايير فنّيّة للأكياس المتعدّدة الاستخدام، جعل التحوّل إلى بدائل قابلة لإعادة الاستخدام عمليًّا ومؤثّرًا.
في ظلّ فشل عديد من الحكومات في إدارة ملفّ النفايات، وغياب الوعي البيئيّ لدى شريحة من المواطنين، يتحوّل الاختيار بين الاستمرار في نمط استهلاكيّ مدمّر أو تبنّي سلوكيّات مسؤولة إلى قرار فرديّ وجماعيّ. يمكن للمواطنين طلب وجبات دون أدوات بلاستيكيّة، حمل حقائب مصنوعة من قماش، إحضار أوعيتهم عند طلب وجبات ساخنة، والمشاركة في مبادرات فرز النفايات. على البلديّات فرض سياسات رادعة ومحفّزة في آنٍ واحد، ودعم مبادرات المجتمع المدنيّ التي تثبت على رغم قلّتها في لبنان أنّ الحلول المحلّيّة قادرة على تحويل الأزمة إلى فرصة اقتصاديّة وبيئيّة.



