ليلة خوف في بيروت رحلة قصيرة بين الأحياء وصوت “أم كامل”

لم يكن الليل هادئًا فوق بيروت وضواحيها. أصوات الغارات وهدير الطائرات، وطنين المسيّرات “الزنانة”، ملأت السماء وجعلت المدينة تعيش ساعات من الترقّب والقلق. بين الأحياء المتلاصقة، من الشيّاح إلى عين الرمّانة وصولًا إلى فرن الشبّاك، تحرّكت العائلات بحثًا عن ملاذ أكثر أمانًا، حتّى لو كان الأمان نفسه نسبيًّا وغير مضمون فيها.
في تلك الليلة، وصلت عمّتي إلى بيتي في فرن الشبّاك برفقة ولديها، شابّ وفتاة، ومعهما جارتهما المقيمة في عين الرمّانة والمنحدرة أصلًا من بلدة بسكنتا. كانت الزيارة غير مخطّط لها. قبل ساعات قليلة فقط، كانوا في منزلهم في الشيّاح، حين بدأت التحذيرات تنتشر عن احتمال استهداف المنطقة فنزحوا إلى بيت أحد أفراد العائلة في عين الرمّانة قبل أن تتّسع رقعة الإنذار فتشملها للمرّة الأولى، كما كان ظاهرًا في خريطة الاستهداف.
قرار المغادرة جاء سريعًا. حملوا ما تيسّر من أغراضهم وغادروا المنزل. ظنّوا أنّ وجهتهم الأولى في عين الرمّانة، قد يكون الوضع فيها أكثر هدوءًا على الرغم من أنّ أصوات الطائرات لم تسمح للقلق أن يهدأ، فمع كلّ ضربة في مناطق الضاحية، ومع كلّ صوت اعتداء آتٍ من بعيد، كان الشعور بالخطر ينهض من جديد.
في مواجهة السماء
في الأحياء المكتظّة، تنتقل الأخبار بسرعة. الناس يتواترون التحذيرات، وتتحوّل الشوارع في بعض اللحظات إلى حركة غير اعتياديّة، (سيّارات تغادر، وأشخاص يحملون حقائب صغيرة)، وكأنّ المدينة كلّها تتحرّك خطوة إلى الخلف في مواجهة السماء.
أكثر ما كان يثير القلق ويضاعف التوتّر في تلك الليلة كما في كلّ يوم، هو صوت المحلّقة المعروفة شعبيًّا باسم “أمّ كامل”، هكذا يسمّي اللبنانيّون الطائرة المسيّرة التي يشار إليها اختصارًا بـ MK، وغالبًا ما تكون من طراز Hermes 450.
هذه الطائرة مخصّصة للاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتيّة، ويمكنها التحليق ساعات طويلة في السماء. صوتها المتواصل والحادّ جعلها جزءًا من الذاكرة الصوتيّة للحروب في لبنان. ومع مرور الوقت، وجد اللبنانيّون وسيلة ساخرة بتسمية هذا الصوت المخيف وصاحبته “أمّ كامل”، لسبب تقارب لفظ MK مع هذا الاسم الشعبيّ. لكنّ السخرية لا تلغي القلق. فمجرّد سماع الطنين المتواصل للطائرة يكفي كي يجعل كثيرين يشعرون بأنّ السماء تراقبهم.
ساعات من التوتّر
بعد ساعات من التوّتر في عين الرمّانة، قرّرت العائلة الانتقال مرّة أخرى. الوجهة هذه المرّة كانت فرن الشبّاك حيث إقامتي. المسافة بين الأحياء ليست بعيدة، لكنّها في مثل تلك الليالي تبدو أطول بكثير.
عندما وصلوا، كانت أمّ كامل لا تزال تمارس الرعب والقلق، بخاصّة بعد التهديدات الأخيرة. في الداخل، حاول الجميع أن يستعيد بعض الهدوء. جلسوا في غرفة بعيدة من النوافذ، وتبادلوا الأحاديث الخفيفة في محاولة لكسر الصمت الذي يقطعه أحيانًا، بل غالبًا، صوت الطائرات، قبل أن أستلم دفّة الحديث مع الجارة “البسكنتاويّة” بعد أن اكتشفنا أنّني أعرف كثيرين من أقاربها وأبناء بلدتها، وكان الآخرون ينصتون ويبتسمون أحيانًا لعلّهم يتناسون التوتّر الذي لم يكن ليتوقّف، خصوصًا بعد أن مرّ وقت كبير في هدوء مخيف قبل الشروع بالقصف وتنفيذ التهديدات المعادية.
في مثل هذه اللحظات، يصبح الخوف تجربة مشتركة. الأصغر سنًّا ينظرون إلى الكبار بحثًا عن طمأنينة، والكبار يحاولون إخفاء قلقهم قدر الإمكان. الإنذارات الواسعة من هذا النوع غالبًا ما تخلق موجات نزوح قصيرة بين الأحياء. الناس لا يعرفون دائمًا إن كان الخطر قريبًا فعلًا، لكنّهم يؤثرون المغادرة موقّتًا على المخاطرة بالبقاء.
في مثل هذه اللحظات، يصبح الخوف تجربة مشتركة. الأصغر سنًّا ينظرون إلى الكبار بحثًا عن طمأنينة، والكبار يحاولون إخفاء قلقهم قدر الإمكان
رحلة نزوح
ومع ذلك، تبقى البيوت المفتوحة بين الأقارب والأصدقاء جزءً أساسًا من شبكة الأمان غير الرسميّة التي يعتمد عليها الناس في بيروت وضواحيها، وإن كانت تشمل فئة قليلة من النازحين ممّن ينتشرون بين مراكز الإيواء غير الكافية، وبين البيوت المستأجرة وبين الطرقات والساحات.
الليل يمرّ ببطء، والمدينة تبقى يقظة. “أمّ كامل” لا تتوقّف أبدًا، لكنّها تترك خلفها مدينة تحاول أن تتشبّث بحياتها اليوميّة، حتّى في أكثر اللحظات قلقًا.
عند انتصاف الليل، قرّروا العودة إلى عين الرمّانة، فعمّتي التي كانت في صباها في كفر حمام (حاصبيا) تشاكس المحتلّ الإسرائيليّ بعفويّة أبناء الأرض، وتقف منتصبة كالرمح حين يقتربون من منزلها، وترفض إعطاءهم حتّى شربة ماء حين طلبوا. عاشت مرارة النزوح مثل أبناء جيلها كثيرًا، فنزحت من كفر حمام إلى الخيام (مرجعيون) بُعيد “اتفاقيّة القاهرة” العام 1969، قبل أن تنزح إلى بيروت وتقيم في الشيّاح في بيتها، وكانت تنزح عنه لتعود إليه مرارًا وتكرارًا، على الرغم من كلّ ما سبق، شقّ عليها أن تنزح في يوم واحد مرّتين.
بين حرمون وصنّين
ليلة الخوف تلك، جمعت فرن الشبّاك وكفر حمام “العرقوبيّة” (منطقة العرقوب- حاصبيّا) وبسكتنا المتنيّة القريبة من كسروان في لقاء تخاله بين حرمون وصنّين، النازحين والمقيمين، في أحياء متقاربة، كذلك جمعت أحد أكثر الثنائيّات صراعًا في التاريخ اللبنانيّ الحديث الشيّاح وعين الرمّانة (التي هي للمفارقة المضحكة المبكية بغالبيّتها عقاريًّا ضمن بلديّة الشيّاح)… وعلى الرغم من كلّ قسوة هذه الليلة، إلّا أنّ سورياليّة الصراعات الطائفيّة والمناطقيّة اللبنانيّة سقطت سقوطًا مدوّيًا في حكايتي فيها لتشبه روح هذا اللبنان المكلوم.
في بيروت، قد يكون الصوت في السماء أحيانًا أقوى من أيّ شيء آخر. لكنّه، على رغم ذلك، لا يمنع الناس من أن يفتحوا قلوبهم وأبوابهم بعضهم لبعض… وأن ينتظروا الصباح.
ملاحظة: كُتِبت هذه الكلمات في مكان الحادثة بغياب الضيوف وحضور كامل لـ “أمّ كامل” وحدها بزعيقها ونعيقها.



