“لولّا” المفعمة بالحياة اغتالتها الحرب في بعلبك وبدّدت أحلامها

لم تكن عليا البواري من منطقة بعلبك مجرّد ضحيّة في خبرٍ عابر، بل كانت قبل قنبلة الموت الغادرة حياةً مكتملة، امرأةً تنبض بالمحبّة، وتفيض حضورًا في كلّ زاوية من بيتها. في لحظةٍ واحدة، سقط الصاروخ، فاختفى كلّ شيء، وبقيت الذاكرة وحدها تحمل حكاية امرأةٍ كانت هنا… ثمّ غابت، تاركةً خلفها وجعًا لا يُحتمل.
يروي شقيقها أحمد مستعيدًا صورتها كما عرفها قائلًا: “أختي علياء كانت صغيرة البيت، وحيدة بين أربعة شبّان. كنّا ندلّلها باسم “لولّا”، وكان الجميع يعرفها بهذا الاسم؛ كانت إنسانة محبّة وحنونًا إلى حدّ كبير، قلبها مليء بالعطف، وفي الوقت نفسه كانت قويّة وطموحة”. يتابع لـ “مناطق نت”: “كانت تهتمّ بتفاصيل حياتها، منظّمة، تحب النظافة والترتيب، وتحرص على أن يكون أولادها في أفضل حال. كانت تعمل مع جمعيّة الدراسات في بعلبك، تشرف على الطلّاب اللاجئين، وتشعر بمسؤوليّة كبيرة تجاههم. وعلى رغم قوّتها، كانت تخاف من الحرب، فأيّ صوت قويّ أو قصف كان يرعبها، وكانت تحاول دائمًا الابتعاد من هذه الأجواء”.
يضيف أحمد، مستحضرًا دفء حياتها العائليّة “كان بيتها بيت حبّ بكلّ ما للكلمة من معنى. زوجها مهدي حسن الحاج حسين إنسان طيّب وحنون، يحبّه الجميع. وهو صاحب مقهى صغير، يعمل بجهد كبير ليؤمّن حياة كريمة لعائلته. كان بسيطًا ومتواضعًا، محبًّا للناس ولمساعدتهم”. عن علاقتها بأهلها يقول أحمد: “كانت مميّزة جدًّا، فهي الابنة الوحيدة لوالدتها، وكانت قريبة منها للغاية، تزورها باستمرار، وتحبّ أخوتها وتراهم سندًا لها، وكانت دائمًا تردّد: ‘أنتم سندي‘. وكان لديها ولدان: غَدي، عمره ثلاث سنوات، وكان روح البيت، وكريم، تسع سنوات، وهو الناجي الوحيد اليوم”.
لحظة قلبت كلّ شيء
يختلط الذهول بالألم عندما يتحدّث أحمد عن تفاصيل اللحظة التي انقلبت فيها الحياة رأسًا على عقب فيقول: “يوم الحادثة، كانت لولّا تعيش يوميّاتها العاديّة. كانت تتناول الفطور مع عائلتها، وترتشف قهوتها مع جارتها وابنتها غيتا نبيل شمص التي استشهدت معهم، ووالدتها منتهى التي ما زالت بين الحياة والموت”.
يُكمل أحمد “في لحظة واحدة، حصلت غارة من طائرة حربيّة فبدّلت كلّ شيء. كنت في منزلي وهو لا يبعد كثيرًا عن بيت لولّا عندما سمعت دويّ الصاروخ بقوّة، كان صوتًا مرعبًا لا يوصف، في تلك اللحظة أصبح لون وجوه أولادي وزوجتي شاحبًا جرّاء الخوف، خرجت إلى الشرفة لأتبيّن مكان الغارة، فإذ بها قريبة من منزل أختي. حاولت إقناع نفسي بأنّ ما رأته عيناي ليس صحيحًا”.
يتذكّر أحمد بالتفصيل تلك اللحظات “على الرغم من الارتباك الكبير الذي أصابني، إلّا أنّني بدأت أركض باتجاه منزل أختي مكان الغارة، لكنّني لم أعد قادرًا على الوصول، فقد نال مني الرعب وجسدي كان يرتجف بالكامل. عندما وصلت، كانت رائحة البارود والدخان خانقة، والصراخ يملأ المكان. لحظات وانقشع كلّ شيء، المبنى مدمّر بالكامل، ويتألف من ستّ شقق، كانت أختي تسكن إحداها في الطابق الأرضيّ”.

أين أختي؟ أين غدي؟ أين مهدي؟
يتابع أحمد “أصابني الانهيار وبدأت بالصراخ “أين أختي؟ أين غدي؟ أين مهدي؟ دخلت فلم أجد شيئًا، وكأنّ كلّ شيء قد تبخّر. لم أجد أحدًا سوى منتهى، وكانت بحال صعبة جدًّا، وكريم الذي خرج من بين الركام مغطى بالغبار والدم. أخذه أحد المسعفين إلى المستشفى، أمّا الباقون فلم يكن لهم أيّ أثر. في تلك اللحظة سقطت على الأرض وفقدت وعيي”.
لا يستطيع أحمد وصف ما حصل، يغالبه الدمع “الخسارة أكبر من أيّ وصف، فهي ليست مجرّد فقدان أشخاص، بل إنّ حلمًا كاملًا اختفى. حلم الطفولة، وحلم بناء عائلة. كلّ ما حلمت به لولّا ذهب في لحظة. قبل يوم واحد فقط، كنا نتناول العشاء معًا، كانت تضحك وتمزح، كانت تحبّ الحياة.”
بصوتٍ مثقل بالحنين والحزن معًا يُعبّر أحمد عن شوقه لـ “لولّا”: “أشتاق إليها في كلّ تفاصيلها، أشتاق إلى ضحكتها، إلى صوتها، إلى كلامها، إلى وجودها، وأشتاق إلى كلمتها ‘أنتم سندي‘”.
عائلة تعيش على وقع الفاجعة
“العائلة كلّها مكسورة، أمّي وأبي مفجوعان”، يقول أحمد ويردف “كان غدي فرحة أبي وأمّي وروحهما، وقد رحل. أصبح أولادي يخافون النوم في المنزل، ويرتعبون من أيّ صوت”.
عن حال الطفل الناجي يشير أحمد إلى أنّ “كريمًا مصدومًا، أصبح ينام إلى جانب أولادي، ويذهب مسرعًا إلى أمّي وأبي اللذين ربّياه، يصرخ باكيًّا “أريد أبي، أريد أمّي، أريد غدي”. كلماته تكسر القلب، وهي من أصعب ما يمكن أن تراه، طفل يبحث عن عائلته ولا يجدها”.
رسالة إلى العالم
يُطلق أحمد رسالة إلى العالم قائلًا: “ما حصل ليس خبرًا عابرًا، هذه عائلة كاملة كانت تعيش حياتها الطبيعيّة، ولديها أحلام وحبّ وتفاصيل يوميّة، وقد مُسحت في لحظة. لم يكن لديهم أدنى علاقة بأيّ عمل عسكريّ أو سياسيّ، بل كانوا أناسًا عاديّين يعيشون حياتهم بسلام”.
ويتابع أحمد مناجيًا شقيقته لولّا قائلًا: “اشتقت إليك كثيرًا، سامحيني لأنّني لم أستطع حمايتك، ستبقين في قلبي وذاكرتي في كلّ لحظة، وسأبقى أتحدّث عنك، عن طيبتك، وعن حبّك للحياة”.
تمنّى أحمد أن يتذكّر الناس شقيقته الراحلة “لولّا” كما كانت: إنسانة طيّبة، محبّة، قويّة، لا كضحيّة، تحبّ الحياة، وتحبّ مساعدة الآخرين، إنسانة كان لها أثر جميل في حياة كلّ من عرفها.
ليست “لولّا” التي كانت رمزًا للحياة وسُلبت منها بغير ذنب وحيدة في مصيرها المأسويّ. هناك كثير من الأرواح زُهقت، وكثير من الأطفال والنساء والرجال فقدوا أعمارهم وأحلامهم في لحظات لم يعرفوا فيها ذنبًا سوى أنّهم عاشوا بسلام وأحبّوا الحياة.



