محمّد الروّاس.. بين بيروت الكلاسيكيّة وقلق المشهد المعاصر

في بيروت التي أنجبت تجارب تأسيسيّة كبرى في الفنّ التشكيليّ، من مصطفى فرّوخ إلى عمر الأنسي، يطلّ محمّد الروّاس بوصفه واحدًا من أكثر الفنّانين اللبنانيّين قدرة على تحويل اللوحة إلى مساحة تفكير بصريّ معقّد، تتجاور داخلها الفلسفة مع السخرية، والحرب مع اللعب، والذاكرة مع الثقافة الشعبيّة، والتاريخ الفنّيّ مع فوضى الصورة المعاصرة.
معرضه الجديد في غاليري صالح بركات، المفتتح منذ الـ21 من أيّار (مايو) الحالي، يحمل عنوانًا لافتًا: “دع المنطق جانبًا”. عبارة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى استفزاز ذهنيّ، فيما تتحوّل خلال تجربة الروّاس إلى مدخل جماليّ كامل لفهم مشروعه الفنّيّ. فالمنطق هنا ليس خصمًا للعقل، إنّما قيد على الحواس، وعلى الحرّيّة البصريّة، وعلى احتمالات الصورة حين تنفجر خارج القراءة التقليديّة.
الطريف أنّ العبارة نفسها مرتبطة بألبوم فرقةTalking Heads وبالفيلم الشهير الذي يحمل العنوان ذاته، وهو تقاطع يكشف كثيرًا عن عالم الروّاس؛ عالم يجاور الموسيقى والسينما والمسرح والفنّ المفاهيميّ داخل بناء تشكيليّ واحد.
اللوحة هاوية مضاءة
أمام أعمال الروّاس، يشعر المتلقّي أنّه يدخل إلى مختبر بصريّ كثيف، أكثر من دخوله إلى معرض تقليديّ. اللوحة عنده ليست نافذة على مشهد، بل بنية معقّدة من الطبقات والإشارات والاقتباسات والاستدعاءات الثقافيّة. هنا تصبح الصورة سؤالًا عن الرؤية نفسها، وعن معنى النظر في عصر يعيش داخل طوفان بصريّ هائل.
أنتَ أمام أعمال تحتشد فيها خامات متنوّعة، وتقنيّات دقيقة، ولقطات فوتوغرافيّة قديمة، واقتباسات تشكيليّة عالميّة، ورسوم شعبيّة، وشخصيّات “أنمي”، ودمى بلاستيكيّة، وأجزاء من لوحات كلاسيكيّة، جميعها تتجاور داخل تكوين هندسيّ صارم، يشي بوعي أكّاديميّ عميق وبقدرة عالية في السيطرة على الفوضى البصريّة.
لهذا تبدو لوحات الروّاس وكأنها “هاوية مضاءة”، أو جرح مفتوح على تاريخ العين البشريّة منذ رسوم الكهوف الأولى حتّى الشاشات الرقميّة الحديثة. فالرجل يعبر المدارس الفنّيّة كلّها تقريبًا من دون أن يستقرّ داخل واحدة. يأخذ من الباروك توتّره الدراميّ، ومن الحداثة قلقها، ومن الفنّ المفاهيمي شراسته الذهنيّة، ثمّ يعيد صهر ذلك كلّه في داخل مختبر شخصيّ شديد الخصوصيّة.
الفنّ إذا واجه التاريخ
يقترب محمّد الروّاس من تاريخ الرسم العالميّ كفنّان يدخل إلى أرشيف بصريّ هائل بثقة كاملة، ثمّ يعيد ترتيبه وفق منطقه التشكيليّ الخاصّ. في داخل أعماله تتحرّك ظلال المدارس الكلاسيكيّة والحديثة، وتظهر اللوحات الشهيرة، الوجوه القديمة، التكوينات الملكيّة، الأجساد المسرحيّة، والانفعالات الدراميّة، كموادّ حيّة قابلة لإعادة الصياغة والبناء.
في تجربته، يتحوّل التراث الفنّيّ العالميّ إلى مساحة اشتباك إبداعيّ مفتوحة، حيث تتجاور التقاليد الأكّاديميّة مع رسوم “المانغا” وثقافة “البوب” والصور الفوتوغرافيّة والملصقات المعاصرة. كلّ عنصر يدخل إلى اللوحة يخرج من معناه الأصليّ نحو معنى آخر أكثر تركيبًا وقلقًا. هنا تبدو اللوحة كأنّها ورشة تفكيك مستمرّة لذاكرة الفنّ نفسها، إذ يمتزج الماضي بالحاضر ضمن بنية بصريّة كثيفة، مليئة بالإشارات، والتفاصيل، والمفاجآت التقنيّة.
الروّاس يمتلك معرفة عميقة بتاريخ الرسم وتقنيّاته، وهذه المعرفة تظهر في طريقة تعامله مع اللون والخامة والبناء والتكوين، وفي قدرته على تحويل المرجعيّات العالميّة إلى جزء عضويّ من لغته الشخصيّة، من دون أن تفقد اللوحة هويّتها المعاصرة أو حسّها التجريبيّ الحادّ.
الحرب حالة شعوريّة
في هذه السلسلة الجديدة، يقترب الفنّان اللبنانيّ من الحرب بطريقة مختلفة. الحرب هنا ليست حدثًا سياسيًا مباشرًا، إنّما حالة تسكن الوعي اليوميّ، وتعيد تشكيل علاقة الإنسان بالإحساس والمعنى.
وينطلق النصّ المرافق للمعرض من بيروت تحت القصف، من مطبخ عاديّ، من صباحات تتجاور فيها الكتابة مع أصوات الانفجارات، ليطرح سؤالًا جوهريًّا: كيف يبدأ الفنّان عمله وسط الخراب؟

بين الميثولوجيا والثقافة الشعبيّة
تتحرّك أعمال الروّاس داخل جدليّة معقّدة بين الميثولوجيا والثقافة الجماهيريّة. ففي اللوحة الواحدة قد يظهر أثر الفنّ الإغريقيّ والرومانيّ إلى جانب شخصيّات الأنمي اليابانيّ ودمى الأطفال ورسوم الإعلانات التجاريّة.
هذا الخليط يبدو للوهلة الأولى عبثيًّا، فيما يكشف عند التأمّل عن وعي شديد الدقّة بطبيعة العصر الحديث؛ عصر تتحوّل فيه الصور إلى أرشيف هائل متشظٍّ، تختلط في داخله المآسي بالحروب والإعلانات والألعاب الإلكترونيّة والرموز الدينيّة والثقافة الرقميّة.
في أعمال مثل “سيزيف في هيئة صائد أشباح” أو “أرتميس جنتيلسكي في مرسمها”، يظهر اللعب التاريخيّ بوصفه أداة فكريّة لفهم الحاضر. فالروّاس يبحث عن الأسطورة داخل الحياة اليوميّة، وعن العبث داخل البنية العميقة للثقافة المعاصرة.
تشريح الثقافة اللبنانيّة
جزء كبير من هذه السلسلة يشكّل تعليقًا مباشرًا على الثقافة اللبنانيّة وثقافة المشرق عمومًا. تحضر آثار الحروب، وانفجار مرفأ بيروت العام 2020، وتحوّلات العمران اللبنانيّ، وتمدّد البيوت الفاخرة داخل الريف، إضافة إلى حضور الإعلام والثقافة الجماهيريّة والعنف البصريّ الحديث.
يرسم الروّاس لبنان بوصفه فضاءً نفسيًّا مضطربًا، تعيش في داخله الذاكرة الجماعيّة بين الحنين والخراب. ولهذا تبدو لوحاته أقرب إلى يوميّات مزاجيّة عن مدينة فقدت استقرارها، فيما تحاول باستمرار إعادة اختراع صورتها.
وعلى رغم الكثافة المفاهيميّة داخل الأعمال، يحتفظ الفنّان بمسافة شخصيّة حميمة، تظهر عبر نوع من الفكاهة السوداء التي تعبّر عن عبثيّة الشرط الإنسانيّ، وعن محاولة الإنسان فهم تشوّهاته الداخليّة داخل عالم متصدّع.الروّاس يتعامل مع الرسم كعمليّة تفكيك مستمرّة. الشكل يفقد استقراره المعتاد، والخطوط تدخل في ارتباكات محسوبة، فيما تتحوّل التشوّهات والانقطاعات والتصدّعات إلى جزء من اللغة نفسها. داخل هذا العالم، يصبح الاضطراب وسيلة إدراك، ويغدو الزمن عنصرًا حيًّا داخل اللوحة، حاضرًا عبر الطبقات، والقصاصات، وآثار المحو، والتراكمات التي تمنح العمل إحساسًا بأنّه يتشكّل ويتآكل في اللحظة نفسها.
يرسم الروّاس لبنان بوصفه فضاءً نفسيًّا مضطربًا، تعيش في داخله الذاكرة الجماعيّة بين الحنين والخراب. ولهذا تبدو لوحاته أقرب إلى يوميّات مزاجيّة عن مدينة فقدت استقرارها
مساحات اشتباك فكري وبصري
داخل تجربة محمّد الروّاس، تبدو اللوحة أشبه بعقل يعمل أمام المتلقّي مباشرة. كلّ عمل يفتح سؤالًا حادًّا حول مصير الصورة في زمن الامتلاء البصريّ الهائل، حيث تتدفّق الشاشات والإعلانات واللقطات والأرشيف بسرعة تفوق قدرة العين على الالتقاط. من هنا تأتي أعماله كمساحات اشتباك فكري وبصري، تعيد ترتيب الفوضى المعاصرة ضمن بناء تشكيليّ شديد التعقيد.
الروّاس يتعامل مع الرسم كعمليّة تفكيك مستمرّة. الشكل يفقد استقراره المعتاد، والخطوط تدخل في ارتباكات محسوبة، فيما تتحوّل التشوّهات والانقطاعات والتصدّعات إلى جزء من اللغة نفسها. داخل هذا العالم، يصبح الاضطراب وسيلة إدراك، ويغدو الزمن عنصرًا حيًّا داخل اللوحة، حاضرًا عبر الطبقات، والقصاصات، وآثار المحو، والتراكمات التي تمنح العمل إحساسًا بأنّه يتشكّل ويتآكل في اللحظة نفسها.
هنا تبرز خصوصيّة الروّاس ضمن تاريخ التشكيل اللبنانيّ. فهو يحمل من الروّاد الأوائل ذلك الإيمان العميق بقيمة اللوحة، وبالصرامة التقنيّة، وبالمعرفة البصريّة الدقيقة، ثمّ يدفع هذا الإرث نحو مناطق أكثر توتّرًا وحداثة، حيث تدخل الصورة في مواجهة مباشرة مع العالم المعاصر بكلّ عنفه وتشظّيه وسرعته.
في أعماله، يتحوّل الرسم إلى ساحة مواجهة مع فائض الصور اليوميّة، ومع الذاكرة البصريّة العالميّة، ومع الإنسان المعاصر الذي يعيش ضمن تدفّق دائم من الإشارات والمشاهد. لهذا تبدو لوحاته أبعد من فعل المشاهدة التقليديّ؛ إنّها تجربة حسّيّة وفكريّة تدفع المتلقّي إلى إعادة التفكير في معنى الرؤية نفسها، وفي قدرة العين على الاحتفاظ بالدهشة وسط هذا الضجيج الكونيّ المتراكم من الصور.
فنّان صنع سيرته الخاصّة
وُلد محمّد الروّاس في بيروت العام 1951، ودرس الرسم في معهد الفنّون الجميلة في الجامعة اللبنانيّة، متخرّجًا العام 1975 بدرجة امتياز. نال منحة لمتابعة دراسته في الخارج، غير أنّ اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة دفعه إلى مغادرة البلاد نحو المغرب، حيث أقام في الرباط وعمل أستاذًا للفنون.
عاد إلى بيروت العام 1979 ليقيم معرضه الفرديّ الأوّل، ثمّ انتقل إلى لندن للدراسة في Slade School of Fine Art، حيث نال درجة الماجستير في فنّ الحفر والطباعة العام 1981.
بعد عودته إلى لبنان، بدأ مسيرة أكّاديميّة طويلة امتدّت 27 عامًا بين الجامعة اللبنانيّة والجامعة الأميركيّة في بيروت، بالتوازي مع مسيرة فنّيّة واسعة جعلته واحدًا من أبرز التشكيليّين العرب المعاصرين.
شهدت تجربته عشرات المعارض الفرديّة والجماعيّة في بيروت وبّاريس ولندن ودبيّ وواشنطن وطوكيو والقاهرة وأوسلو وتونس والبرازيل، كذلك دخلت أعماله إلى مؤسّسات عالميّة مرموقة مثل المتحف البريطانيّ ومتحف سرسق والمتحف العربيّ للفنّ الحديث.









