احتلال الجسد: كيف تحوّل جهازنا العصبي إلى ساحة حرب؟

ثمّة إهانات لا تأتي على شكل شتيمة، بل على شكل إنذارات إخلاء تتلاعب بمصيرنا وأعصابنا.
أيقظني والدي في الصباح الباكر. كان قد وصل إنذار بإخلاء ضيعتنا، أنصار (النبطية)، في جنوب لبنان. لم يكن عليّ أن أفكر كثيرًا. في لحظات كهذه، التفكير رفاهيّة! قفزت من السرير، ارتديت ملابسي، بحثت عن أوراقي الثبوتيّة، شهاداتي الجامعيّة، أدويتي، وما ظننت أنّه لا يمكن تركه. ثمّ تكتشف أنّ معظم حياتك لا يمكن حملها أصلًا.
غادرت وحدي. عائلتي مهجّرة أصلًا. وهذا ما جعل المشهد أثقل، فالنزوح لم يعد حدثًا يحصل ثمّ ينتهي، بل حالة تتكرّر بأشكال مختلفة. تارة تغادر العائلة وأبقى أنا، وتارةً ألحق بهم، وطورًا تعود الحرب لتذكّرنا بأنّه لم يعد هناك شيء مضمون.
الذي رافقني ليس الإنذار نفسه، بل تلك اللحظة المهينة التي تجد فيها مصيرك معلقًا بمنشور على موقع “إكس”. بلدة بأكملها، بيوت، صور على الجدران، كتب وذاكرة ناس كاملة، تصبح فجأة تحت رحمة تغريدة.
حياة على عجل
كمّ مرّة علينا أن نخضع لهذا؟ كمّ مرّة علينا أن نوضّب حياتنا على عجل؟ أضحى مشهد هروبنا مثيرًا للشفقة. أصبحنا نعرف طرق الفرار أكثر من أيّ طرق أخرى في الحياة. ليست شفقة نابعة من ضعف، بل شفقة على بشر يُطلب إليهم أن يسمّوا هذا صمودًا، بينما هو شعور متخم بالعار: أن تكون مكشوفًا، صغيرًا، ومبتور القرار.
عن أيّ كرامة نتحدّث حين يصبح الإنسان قابلًا للطرد من أرضه وبيته في أيّ لحظة؟ وعن أيّ قضيّة نتحدّث حين تجعل الإنسان غريبًا عن نفسه؟ أيّ معنى يبقى لأيّ قضيّة حين يصبح الإنسان وقودها الأساس؟
لم تكن تلك الحادثة استثناءً. كانت الشكل الأكثر وضوحًا لما تفعله الحرب حين تتحوّل من حدث عسكريّ إلى نظام يوميّ لإدارة الخوف.
أفيخاي: زرّ إنذار جماعيّ
حين يصبح اسم شخص ما كافيًا وحده لرفع مستوى التوتّر في أجساد ملايين الناس، فهذا يعني أنّ الحرب تجاوزت حدود الجغرافيا، ودخلت حيّز الجهاز العصبيّ نفسه.
في مكان ما، صار اسم أفيخاي أدرعي، المتحدّث باسم جيش الاحتلال الإسرائيليّ باللغة العربيّة، لدى كثيرين أشبه بزرّ إنذار جماعيّ أو بما يمكن تسميته محفّزًا صدميًّا جماعيًّا (Collective Trigger)، إشارة قادرة على استدعاء الخوف والترقّب، وعلى إيقاظ الاستعداد النفسيّ لاحتمال التهجير مرّة أخرى.
هكذا تعمل الحرب. لا تكتفي بتهديد حياتنا مباشرةً، بل تخلق مع الوقت شبكة كاملة من المحفّزات التي تُبقي الجسد في حال استجابة دائمة للخطر. نصبح منزوعي القرار، ليس لأنّنا ضعفاء، بل لأنّ أجسادنا تُدفع يوميًّا إلى النجاة بدل العيش.
فكلّ إنذار بإخلاء بلدتنا لا يطلب إلينا مغادرة بيوتنا فقط، بل ينتزع جزءًا من سيادتنا على مصيرنا، وعلى أجسادنا، وعلى إيقاعنا الداخليّ. هكذا لا يحتلّنا العدوّ عبر الأرض وحدها، بل عبر الجهاز العصبيّ أيضًا.
بعد كلّ مرّة أوضّب فيها أغراضي داخل الحقيبة، تصبح الأشياء جزءًا من سؤال قاسٍ: ماذا يمكن أن أحمل من حياتي إذا ضاق الوقت؟
خرائط الجسد المقتلع
أضع حقيبة ملابس جاهزة في ممرّ البيت، إلى جانب أوراقي الثبوتيّة، شهاداتي الجامعيّة، أدويتي، وبعض كتبي التي أختار منها ما يمكن حمله إذا اضطررت إلى المغادرة. ليست هذه الحقيبة تفصيلًا عابرًا، بل امتدادًا لتاريخ طويل يحمله الجسد اللبنانيّ، والجسد الجنوبيّ تحديدًا. تاريخ من الإنذارات، والإخلاءات، والفقد، والتهجير، والعيش المكشوف أمام قوّة مستشرسة. قوّة لا تكتفي بأن تهدّده، بل تسلبه شيئًا من قدرته على التخطيط، والاختيار، والإحساس بأنّ الغد قابل للتوقّع.
والحقيبة الجاهزة ليست مجرّد “شنطة احتياط”، بل شكلّ من أشكال العيش المؤجّل، كأنّه لا يحقّ لنا أن نحيا حياة كاملة. وبعد كلّ مرّة أوضّب فيها أغراضي داخل الحقيبة، تصبح الأشياء فجأة جزءًا من سؤال قاسٍ: ماذا يمكن أن أحمل من حياتي إذا ضاق الوقت؟
لكن ما أعيشه داخل البيت على شكل ترقّب واستعداد دائم، يعيشه آخرون على نحو أكثر قسوة في الخارج، فالمدرسة التي تؤوي الناس لن تحلّ يومًا مكان البيت، لأنّها لا تعيد للإنسان خصوصيّته، ولا روتينه، ولا قدرته على الانطفاء بعد كلّ يوم مرهق وعبثيّ. إنّها تمنح سقفًا موقّتًا، لكنّها لا تعيد ذلك الشعور العميق بأنّ الإنسان يستطيع أن يغلق بابه، أن ينام بأمان، وأن يترك جسده يهبط من حال الإنذار.
الأمان المفقود
أمّا في مدينتيّ صيدا وبيروت، فقد رأيت مشاهد أقسى: عائلات تنام على الأرصفة في خيم من النايلون، أو داخل سيّاراتها. أجساد متعبة تفترش الطريق، ووجوه تحاول أن تبدو متماسكة في مكان لا يمنحها شيئًا من شروط الطمأنينة. عندها يصبح الرصيف أكثر من مساحة إسمنتيّة، يصبح صورة قاسية عن الإنسان حين يترك بلا باب، بلا خصوصيّة، وبلا قدرة على الإختباء من العالم.
فالعيش على الرصيف ليس فقدانًا للمكان الآمن وحسب، بل إنّه انكشاف عصبيّ كامل وخادش أمام العالم. وحين ينام الناس على الأرصفة أو في المدارس، لا تكون الحرب قد احتلت الأرض وحدها، بل تكون قد دفعت بالجسد إلى أقصى درجات الإنكشاف: لا بابَ يغلق، لا روتين يحمي، لا مساحة شخصيّة أو خصوصيّة. في هذه اللحظة يجرّدنا الاحتلال من أدنى مقوّمات الحياة والخصوصيّة والأمان، ويترك أجسادنا مكشوفة، كما لو أنّ النزوح لا يقتلعنا من الأرض وحدها، بل يقتلع الشعور بالأمان داخل أجسادنا أيضًا.
الرعب الذي يداهم أجسادنا، والقلق الذي ينشهنا، ليست انفعالات بريئة من تاريخ لبنان العنيف، بل آثار متراكمة لحروب، وتهجير، وانهيارات، ووعود حماية لم تأتِ.
جعلوا أعصابنا ساحة حرب
هنا تفرض علينا العدسة التفكيكيّة للحرب أن نغيّر السؤال. يجب ألّا نسأل فقط عن مصدر المشاعر غير المريحة، مثل: “لماذا نخاف؟ لماذا لا يستطيع جسدي أن يسترخي؟ بل نسأل بدلًا من ذلك: “من جعل جهازي العصبيّ يعيش تحت تهديد دائم؟ من حوّل بيوتنا، صوت إشعارات الهاتف، وخبر الإخلاء، واسم أفيخاي أدرعي إلى محفّزات قادرة على استدعاء الهلع ومشاعر الخوف والرعب في لحظة؟
في كتابها Decolonizing Therapy: Oppression, Historical Trauma, and Politicizing Your Practice_،_ تدعو جنيفر مولان إلى تسييس فهمنا للعلاج النفسيّ والصدمة. أيّ إلى عدم التعامل مع الألم النفسيّ كحدث فرديّ معزول عن القهر، والاستعمار، والعنف المتراكم عبر التاريخ. من هذه العدسة، لا يعود السؤال: ما الذي يحدث داخل الإنسان فقط؟ بل: “أيّ نظام، وأيّ سلطة، وأيّ تاريخ جعل هذا الفرد مضطّرًا إلى العيش في حال تهديد مستمرّة؟”.
هذا التحوّل في السؤال ضروريّ كي لا نُحوَّل إلى حالات سريريّة معزولة عن الوحشيّة التي تمارس علينا. فالخوف الذي نعيشه، والرعب الذي يداهم أجسادنا، والقلق الذي ينشهنا، ليست انفعالات بريئة من تاريخ لبنان العنيف، بل آثار متراكمة لحروب، وتهجير، وانهيارات، ووعود حماية لم تأتِ.
القلق نتيجة سياسيّة تسكن الجهاز العصبي
لا يمكن فهم الجهاز العصبيّ للمواطن اللبنانيّ، والجنوبيّ تحديدًا، خارج هذا العنف المزدوج: عنف خارجيّ إسرائيليّ وحشيّ. وعنف داخليّ لبنانيّ يتمثّل في الانهيار على جميع المستويات، والإهمال، وغياب الحماية، وترك الناس وحدهم أمام الكارثة. بين الخارج الذي يهدّد الأرض والبيت والحياة، والداخل الذي يعجز أو يتخلّى أو يترك الناس بلا ضمانات، يصبح الجسد هو المكان الذي تتراكم فيه كل هذه القوى. لا يعود الخوف عرضًا نفسيًّا فقط، بل نتيجة سياسيّة تستوطن الجهاز العصبيّ.
في هذا السياق، يصبح القلق نفسه جزءًا من طريقة الاحتلال في إدارة أجسادنا بالخوف، طريقة لإغراق الإنسان بالعجز، ودفعه إلى الشعور بأنّه مكشوف دائمًا أمام قوّة متوحّشة، بلا قدرة كاملة على القرار أو التوقّع أو التخطيط.
وهذا ما يظهر في شهادات كثيرة للنازحين. لم يكن الناس يبكون بيوتهم وأرزاقهم وحسب، بل يبكون الأرض التي حفظت خطواتهم، والشوراع والأحياء التي ألفوا رؤيتها والعيش فيها، والغرف التي حملت ذكرياتهم، والعتبات التي كانت تمنح أجسادهم شعورًا بديهيًّا بالراحة والأمان. من يبكِ بيته لا يبكي مكانًا فحسب، يبكِ نظامًا كاملًا من الطمأنينة، والذاكرة، والخصوصيّة، والإنتماء الجسديّ إلى مكان كان يسمح له بأن ينام دون أن يكون النوم نفسه فعل مقاومة.
لا تهملني.. لا تنساني
ربّما لا تعود أغنية فيروز “لا تهملني لا تنساني” مجرّد أغنية، إنّما تتحوّل إلى نداءٍ صادر عن بشر أنهكتهم الحروب والأزمات. نداء إنسانٍ يناجي: لا تتركني خارج الذاكرة، لا تسقطني من الحسبان، لا تجعلني وحيدًا أمام هذا العنف المتوحّش. وكأنّ عبارة “بلدي صارت منفى، طرقاتي غطّاها الشوك” تختصر ما تفعله الحرب بالإنسان: فهي لا تسلبه أرضه أو بيته فقط، لكنها ربّما تسلبه الشعور بالأمان، وذلك أقسى منفى يمكن أن يختبره إنسان.



