كرة القدم في بيتنا: أكثر من مجرد لعبة

“أنا أو الماتش؟”…

لعلّها أشهر النكات حول المعادلة التي تضعها بعض النساء، كمنافسة منهنّ لمباريات كرة القدم التي تعني لكثيرين شيئًا خاصًّا، فيما تختلف علاقة الفتيات بها بين من يتابعها بشغف ومن لا تجد نفسها فيها.

تتسلّل كرة القدم إلى البيوت، وتكتسح شاشات التلفزة، وتشغل أحاديث الناس في المقاهي، وتملأ الشوارع بالهتافات عند الربح والخسارة.

أمّا الفتيات، فلكلّ واحدة منهنّ حكاية مختلفة معها. بالنسبة إلى قسم من الإناث، هي خصم غير معلن. ينظر بعضهنّ إليها كخاطفة للزوج أو الحبيب لساعات طويلة، فترى الفتاة أنّ اهتمامه معلّق بمباراة أكثر من أيّ حديث آخر. ومنهنّ من وجدن فيها مساحة للفرح والتعبير، فحفظن أسماء اللاعبين وبعض القوانين المبسّطة أو المعقّدة، وربّما لجأ بعضهنّ إلى تكوين ثقافة في عالم المستديرة، فصرن جزءًا منها ومن ضجيجها وشغفها.

كرة قدم في بيتنا

في بيتنا، لم تكن كرة القدم مجرّد 90 دقيقة على الشاشة. كانت، ولا تزال، موسمًا من الانفعالات. تتمكّن كرة القدم من تغيير مزاج البيت كلّه، وينتهي الأمر دائمًا إمّا بفرحة كبيرة أو بصمت ثقيل. ينعكس من خلال أبي الذي سحرت تلك الساحرة الصغيرة رأسه فسار وراءها بشغف.

كنتُ أنتظر انتهاء المباراة لأكمل حديثًا بدأته، أو أؤجّل طلبًا إلى حين سماعي الصافرة. هنا أعرف أنّه صار بإمكاني التحدّث. ومن هنا تكيّفت مع هذه العلاقة، ولم أعتبر في ذلك منافسة، بل وجدت فيها حبًّا وتقديرًا لهذا الوقت الذي يجعل والدي سعيدًا. ومع الوقت اكتشفتُ أنّ كرة القدم لم تكن فقط مم تخطف انتباه أبي، بل كانت نافذتي إلى فهمه أكثر.

الكابتن لم يغادر الملعب

أستذكر كره أمّي لأسلوبه في متابعة كرة القدم. كانت تشعر تجاه ذلك بالاستفزاز. كان والدي يأخذ كرة القدم على محمل الجدّ أكثر من أيّ شيء في الحياة. كنتُ أراها أحيانًا تستسلم للوضع وتشاركه المشاهدة، وتنسى أحيانًا نفسها فتشارك في أحاديث كرة القدم لأنّها كوّنت ثقافة رياضيّة متواضعة رغمًا عنها.

أتفهّم الشغف الذي يشعر به “بابا” الذي يكنّى بـ”الكابتن”، والذي تألف الناس وجهه في ضيعتنا وفي شوارع “حاطوم” و”بعجور” و”برج البراجنة” ببيروت، من الملاعب الصغيرة في البلدات إلى الأندية المتواضعة، والذي انتهى كلّ ذلك لديه بتمزّق في الفخذ وعمليّات كثيرة منعته من ممارسة لعبة كرة القدم.

“جلّاد الحرّاس”، اللقب الذي أطلقه عليه الأصحاب واللاعبون، والذي يروي لي عنه كثير من اللاعبين وإعلاميّي المنطقة. حينما يكون فريق البلدة خاسرًا أمام فريق بلدة أخرى، ثمّ ينضمّ في الشوط الثاني ويقلب كلّ شيء، فيعود الفريق إلى البلدة ومعه البطولة.

أتذكّر في طفولتي الحكم الدوليّ الكابتن طلعت نجم خلال مباراة في البلدة في يوم عيد، عندما اقترب وقال لي: “البابا كان يكمش الطابة وينطّ بالهوا، البابا أحلى مين لعب”.

عبارة أحفظها ليومي هذا: “البنت يلّي بتحبّ بيّها بتشجّع مثله”.

ليفربول في طريق المطار

لم تكن المواقف تقتصر على المشاهدة في البيت. في إحدى الليالي من شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، حين كنت أستعدّ للسفر وكان عليه أن يوصلني إلى المطار، حذّرته أختي من أنّ موعد التحاقي بالطائرة يأتي بالتزامن مع مباراة اليفربول.

عرضتُ عليه أن أذهب وحدي فرفض، فوجدته مشتركًا بباقة إنترنت كبرى، ومصطحبًا نظّاراته الشمسيّة كي يتفرّج على الماتش. والتقطت له بعض الفيديوهات وقتها.

أسئلة كثيرة جعلني “الكابتن بابا” أطرحها في بالي: كيف تعمل كرة القدم على إسعادنا؟ وهل هي مجرّد لعبة؟ حتمًا لا.

فرحة البرازيل التي لا تُنسى

مع حلول المونديال، أذهب بذاكرتي إلى العام 2002، عندما كانت المرّة الأولى التي اضطررت فيها إلى مشاهدة مباراة كرة قدم.

حازت البرازيل كأس العالم، أذكر بابا الكابتن سهيل عندما حملني وحضنني ثمّ سجد، والصراخ يملأ غرفة الجلوس. لم نكن نستطيع فهم ما يحدث، ولكنّنا حتمًا التقطنا بعض الإشارات. بابا الذي يشقى ويتعب ويعمل ليل نهار، فرح فرحًا لم أعهده في تعابير وجهه قبل ذلك.

يقول الفيلسوف اليونانيّ أرسطو إنّ “الدهشة هي بداية المعرفة”، ومنذ ذلك الحين وأنا أحتفظ بأسماء اللاعبين الذين كانوا نجومًا في تلك المباراة، من ريفالدو وكافو وروبيرتو كارلوس ولوسيو وغيرهم، ممّن حفظت وجوههم وتابعتهم بمجرّد أن كبرت وأنشأتُ حسابًا على “إنستغرام”، لأنّ ملامحهم التي تكبر عبر الزمن تذكّرني بتلك الفرحة على ملامح أبي ذات يوم.

ابنة تشجّع خصم أبيها

أذكر أنّ الصحافة كانت حلمي منذ صغري، فبدأت أتابع كرة القدم، وأتابع أخبار الأندية، وكوّنت شخصيّة مستقلّة في التشجيع تختلف عن ولاء أبي لمعظم الأندية. ففي حين كان يشجّع برشلونة، كنت أشجّع ريال مدريد، وفي حين كان يعشق ليفربول، فضّلت أن أشجّع مانشستر يونايتد.

ثمّ بدأت الخلافات التي كانت تبدو مرّة مضحكة ومرّة كيديّة، وكان يقابلها بعبارة أحفظها ليومي هذا: “البنت يلّي بتحبّ بيّها بتشجّع مثله”.

أنهيت الصراع بمقاطعتي لمشاهدة كرة القدم بشكل تدريجيّ. خفّ شغفي في المتابعة، لكن لم ينقص حبّي في مشاهدته يشاهد.

ليلة انهيار السامبا

أستذكر مباراة البرازيل وألمانيا التي شكّلت إهانةً لمشجّعي البرازيل، مع خليط المشاعر والألم في المعدة، والهمّ الذي حملته ليلتها. كرة القدم جلبت التعاسة لنا يومها، ومنذ ذلك الحين لم أعد أتابع ولا أشاهد ولا أعتني بكرة القدم، مع انهيار أسطورة السامبا في تسعين دقيقة فقط.

ما حدث تلك الليلة لم يكن عابراً، وجدت نفسي أتوقّف عن تنمية معرفتي في كرة القدم وتكوين الثقافة فيها، وحتّى اعتبارها وسيلة تسلية وغاية للفرح.

لكن بقي وعيي تجاه كرة القدم في النظرة إليها لا كمنافس بيني وبين شخص أحبّه، بل كوقت يستحقّ أن يقضيه مستمتعًا، كحالي وحال جميع الفتيات عندما نذهب في مشوار تسوّق مطوّل، أو موعد spa، أو أيّ من الأمور التي تدهش الذكور بأهميّتها لدى الإناث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى