حكاية الحاجّة زهرة عن حروب لا تنتهي

اليوم رميتُ مفاتيح البيت، وتركتُ حمّالة المفاتيح فارغة، تنتظر مفتاح بيت آخر. لن أكون عجوزًا تعلّق مفتاح بيتها بخرقة بيضاء حول عنقها، منتظرة العودة. وغالبًا، سأجد باب بيتي في كرم جارنا. إذ ما نفع المفتاح بلا باب؟ وبلا الفضاء الكامن خلف هذا الباب؟

أحاول بين فترة وأخرى أن أطمئنّ على عجائز قريتي؛ أولئك الذين لا يتمنّون في أواخر أعمارهم أكثر من أن يمسك ملاك الموت أيديهم بهدوء، وأن تجوب جنازاتهم شوارع قراهم، يمشي خلفها الأهالي، ثم يُدفنوا في المقبرة إلى جانب أهلهم وأحبابهم، لا أن يبقوا وديعة في أماكن النزوح. من بين أولئك العجائز الحاجّة زهرة، إحدى قريباتنا.

اتّصلت بها ذات مرّة، فأخبرتني ابنتها أنّها تعاني من وعكة صحّيّة تفاقمت مع الحرب والنزوح، وأنّها الآن في المستشفى. تمنّيت لها السلامة وأنهيت الاتّصال، لكن في تلك اللحظة دخلت بثقبٍ لولبيّ أعادني إلى دارنا تحت العريشة، إلى العصرونيّة التي كنّا نقضيها معها، وإلى أحاديثها التي كانت تبدأ من مكان وتنتهي في مكان آخر، قبل أن تعود دائمًا إلى نقطة البداية.

ذكريات بعيدة

كانت الحاجّة زهرة، وهي في الثمانينيّات من عمرها، تأتي عند العصر إلى دارنا يوميًّا. ومهما دار من حديث، كانت تجد طريقًا للعودة إلى شيء عاشته في مكان ما، في زمن ما. أحيانًا كانت تروي الأحداث بطريقة عشوائيّة، وأحيانًا أخرى كانت تلتزم بالخطّ الزمنيّ لما خرجت منه حيّة خلال سنوات رحلتها الطويلة في هذه الحياة.

لم تكن تحكي عن حياتها كمن تستعيد ذكريات بعيدة؛ كانت تستعيدها وكأنّها ما زالت تعيش في داخلها. وُلدت زهرة العام 1940، في زمن لم تكن فيه حياة النساء تمنحهنّ كثيرًا من مساحات الاختيار. كانت طفلة ذات شعر طويل ووجه أبيض، وكبرت في قرية جنوبيّة على إيقاع حياة تشبه حياة كثيرات من نساء جيلها: البيت، الزواج، الأطفال، والعمل الذي لا ينتهي.

لم تحد عن واقع الفتيات في عصرها. تزوّجت وهي في السادسة عشرة من عمرها، وانتقلت إلى بيت زوجها وعائلته. أنجبت أطفالًا، وقامت بمهامها الزوجيّة التقليديّة، قبل أن تحملها الحياة، مع زوجها وأهله، إلى إحدى ضواحي بيروت بحثًا عن لقمة العيش، حيث كان زوجها يعمل وكيلًا في شركة اليانصيب.

في حيّ شرشبوك والنبعة

لم تستمرّ حياة زهرة طويلًا داخل ذلك القالب المألوف. بدأت نار حكايتها تسعّر في حيّ “شرشبوك”، ذلك الحي الصغير الذي كان يُسمى أيضًا بـ”حيّ التنك”. عاشت هناك فترة مؤلمة بكلّ تفاصيلها، من تلك التي تمسّ الإنسان بذاته وكرامته. حزام بؤس، غرفة صغيرة لا تتضمّن حمّامًا خاصًّا، خمسة أطفال وأفراد من العائلة، وزوج وامرأة في العقد الثالث من عمرها يقع على عاتقها كلّ شيء.

بسبب ضيق المكان الذي كانت تصفه بـ”تخشيبة تنك” إذ “لا مي، لا كهربا، لا حمّام” انتقلت إلى حيّ النبعة. عمّرت هناك بيتًا وأنجبت طفلين آخرين، وربّما ظنّت أنّ هذا البيت سيكون مكانًا للاستقرار. لكن في لبنان، كان البيت أحيانًا مجرّد محطّة تسبق أوان الرحيل.

في يوم عاديّ من أيّام الحروب العبثيّة، دخلت “الكتائب اللبنانية” إلى النبعة، وقامت بطرد السكّان من منازلهم وقتل عدد منهم وسلب أغراضهم. تخبرني زهرة أنّها عادت إلى بيتها في النبعة بعد وفاة زوجها، لتأخذ بطاقات الهويّة وبعض الأوراق الخاصّة. وجدت أغراضها ملقاة في الشارع، ثمّ قاموا برصّها هي وأطفالها السبعة على حائط، تمهيدًا لتصفيتهم. بعد وقت من الترجّي، عدلوا عن رأيهم، وسمحوا لها بأخذ أوراقها وبعض مقتنياتها الشخصيّة والابتعاد من المكان.

عندما اجتاحت إسرائيل البلدة، اضطرّ أهالي كفرا إلى الهرب ليلًا عبر السفوح  على ضوء السُّرج، حملوا أغراضهم على ظهورهم، وعبروا إلى الجهة الأخرى من الجبل.

بيت ليف – بيروت

توفّي زوجها قبل اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة بيومين، في حادث مأسويّ. كان يقود سيارته على طريق العاصي– كفرا (بنت جبيل) حين انقلبت به السيّارة إلى الوادي.

كانت أمّي تروي لي كيف هرع أهالي القرية إلى كفرا مشيًا على الأقدام. كانت الطريق إلى بيت ليف آنذاك لا تزال غير معبّدة وضيّقة، “طريق تراب”، أمّا السيّارات فكانت تمرّ من دبل، ووادي العيون، ثمّ إلى صربّين (بنت جبيل). لم يكن في البلدة سوى ثلاث سيارات، كانت إحداها لزوج الحاجّة زهرة.

هكذا عادت زهرة، برفقة أطفالها السبعة، إلى الغرفة الصغيرة في بيت ليف. لم تكد تحاول الاستقرار حتّى جاءت حرب أخرى لتقتلعها من جديد. إنّه الاجتياح الإسرائيليّ العام 1978، ولأنّ الحياة كانت صعبة في قرية نائية عند الحدود، قرّرت العودة بأطفالها إلى بيروت، إلى سنّ الفيل. ليُعاد سيناريو السلب والطرد ذاته.

عندما اجتاحت إسرائيل البلدة، اضطرّ الأهالي إلى الهرب ليلًا عبر السفوح إلى ياطر وما بعدها. على ضوء السُّرج، حملوا أغراضهم على ظهورهم، وعبروا إلى الجهة الأخرى من الجبل.

سيرة نزوح وحرمان

اليوم، عادت إسرائيل واحتلّت البلدة، وما زال الأهالي يقفون على الجهة الأخرى من الجبل، في ياطر، ويراقبون المحتلّين.

تنقّلت زهرة خلال الحرب الأهليّة وما تبعها من ويلات، وخلال الاحتلال الإسرائيليّ، بين ملاجئ الحمرا وسنّ الفيل وعائشة بكّار وكورنيش المزرعة في بيروت. حتّى أصابتها شظيّة قذيفة في قدمها، ظلت تعاني منها، وتعرج حتّى نهاية العمر. ثمّ هربت نحو بئر العبد، حيث وجدت منزلًا خاليًا من أصحابه، فآوت إليه مثلما فعلت كثير من العائلات التي سلبت بيوتها منها عنوة، فلجأت إلى أخذ بيوت أخرى بدلًا منها في فترة حكمَتها الفوضى.

في بئر العبد، عاشت الحرمان والفقر كما في كلّ منطقة حاولت أن تستقرّ فيها ببيروت. واجهت مضايقات من أصحاب البيت المهجور، وطالبوها بألف ليرة كعربون في ذلك الوقت.

لم تكن تملك سوى قوت يومها وأطفالها. ذات ليلة، قاموا بتكسير الزجاج وخلع الأبواب أثناء نومهم، و”جرجروها” (دفعوها) على الدرج وطردوها. هكذا انتقلت من بئر العبد، وسعت حتّى استأجرت منزلًا في حارة حريك.

حروب لا تنتهي

وبين حروب اللبنانيّين بعضهم ببعض والاحتلال الإسرائيليّ وما بينها، مات واختفى كثيرون، وتشردّت عائلات، وعانى من نجا من أهوال المجازر والأحداث التي حصلت.

كانت زهرة تخبرني عن مجزرة صبرا وشاتيلا (بين 16 و18 أيلول/ سبتمبر 1982 في بيروت. راح ضحيّتها ما بين 1300 و3000 شهيد من المدنيّين الفلسطينيّين واللبنانيّين، ونفّذتها ميليشيات لبنانيّة يمينيّة بدعم وتنسيق من الجيش الإسرائيليّ الذي فرض طوقاً أمنيًّا حول المخيم)، وعن حروب (ميشال) عون (بين 1989 و1990)، وعن سيطرة الميليشيات على مختلف المناطق، وعن اضطرارها للانتقال، بحسب تعبيرها، “مثل القطّة التي تحمل أطفالها من مخبأ إلى مخبأ”.

في حارة حريك، اشتغلت مندوبة تجول على البيوت لتبيع الثياب. أعالت أطفالها، وأدخلتهم المدارس، حتّى أوصلتهم إلى الجامعات، من دون مساعدة من أيّ جمعيّة أو مؤسّسة.

في مهبّ الحروب

كبر أولادها، وعادت إلى بيت ليف. وسّعت الغرفة الصغيرة التي كانت قد عادت إليها بسبعة أطفال، فأصبحت غرفتين ومطبخًا وحمّامًا ودوّارة صغيرة.

أذكر في أيّام رمضان، وبعد حرب تمّوز (يوليو) 2006، كانت أمّي ترسلني إليها لأقطف النعناع والبقلة من دوّارتها لإعداد الفتوش. أخبرها بما أريد، فتجلب السكين وتقوم بقطعها لي.

الآن، تعبق رائحة النعناع في أنفي وتتداخل الأحرف أمامي على الشاشة.

بقيت زهرة في حارة حريك حتّى حرب تمّوز 2006. تضرّرت شقّتها، وعانت من النزوح مرة أخرى، ومن البحث عن ملجأ. لا مجال للراحة في لبنان؛ شبح يأبى أن يدعك وشأنك. يترافق مع أزمات اقتصاديّة واجتماعيّة، ويودّ المرء أن يقف ولو على ساق واحدة، وتصرّ البلاد على جعلك تزحف خلف متراس أو خلف رغيف خبزك.

كلّ البلاءات في طيّاتها حكمة، إلّا أن يعيش الإنسان ثمانين حولًا من عمره، وهو في دوّامة حروب وهروب وقتل وتدمير.

العودة إلى بيت ليف

بعد حرب تمّوز، تركت الضاحية واستقرّت بشكل دائم في بيت ليف، هي وابن واحد، بعد زواج الآخرين واستقرارهم في مناطق عدّة. عمّرت منزلًا صغيرًا آخر عند أطراف البلدة. هكذا صارت جارتنا.

عندما تميل الشمس نحو الأصيل وتتسرّب أشعة بين برتقاليّة وقرمزيّة عبر النوافذ، كانت تأتي على مهل، وتجلس في الدار تراقب المغيب. تحتسي فنجان قهوة، تقطف حبقًا أو “عطرة”، وتظلّ تفرك يديها وتشمّهما، وتسرد ما تسعفها ذاكرتها على استحضاره. في بعض الأحيان كانت تبكي، وكأنّها لم تصدّق أنّها في أمان اللحظة التي تروي فيها حكايتها، بعد كلّ ما مرّت به.

ولأنّنا كذلك، لن نكون يومًا في لبنان آمنين من إسرائيل، أو من حروب لا طائل منها، أو من أزمات. فعاد القصف والنزوح ليذكّراها بما عاشته وهي تحاول نسيانه. كانت تقول: “كلّ ما نعمل بيت بتيجي الحرب بتاخذلنا ياه”.

حرب الإسناد

غارة واحدة دمّرت ثلاثة بيوت في وسط البلدة القديم، كان بيتها من بينها. ثمّ خسرت ابنها البكر بسبب المرض. عدنا من “النزهة” الأولى، بين تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023 وكانون الثاني (يناير) 2025. لم يبقَ لها سوى بيت واحد عند أطراف البلدة، تعود إليه من كل نزوح.

كانت تقول عن النزوح “نزهة”، كي تهوّن على نفسها بشاعته. فتقول مازحة: “لمّا رجعنا من النزهة”، و”بكرا بدّن يرجعوا يخلونا نعيد النزهة”.

كلّ البلاءات في طيّاتها حكمة، إلّا أن يعيش الإنسان ثمانين حولًا من عمره، أيّ ما يقارب متوسّط عمره المتوقّع عند الولادة، وهو في دوّامة حروب وهروب وقتل وتدمير.

تلك اللحظة التي يدرك فيها المرء أنّه لم يعش أصلًا، بل حاول الاستمرار؛ علّه ينجو، أو لعلّه ينسى. ذلك السؤال الذي كان يدور في خلدها: متى تنتهي معاناتي؟

روح أنهكها النزوح

آخر مرّة رأيتها، كانت قليلة الكلام عمّا مضى. حتّى عندما طلبت منها تسجيل ما كانت تخبرني به، شعرت بالملل والتعب يتسلّلان بين كلامها المتقطّع.

تخبرني ابنتها أنّ أمّها كانت لا تستطيع أن تجلس مع جاراتها أو أقاربها أو حتّى مع الغرباء، دون أن تحدّثهم عن الحروب التي عاصرتها. تشعر بالحسرة لأنّها لم ترَ أمها يومًا تشرب قهوتها وتتحدّث عن أمور طبيعيّة؛ عن طبخة أعدّتها، أو عن لحظات سعيدة. فقط تلك التفاصيل التي صقلتها في قالب الشقاء والتعب.

منذ أيام، كنت أمشي في سوق البترون (شمال لبنان) القديم، ومررت بنساء في السبعين من أعمارهنّ، يجلسن في شرفات بيوتهنّ الحجريّة القديمة، يشربن القهوة ويتبادلن الأحاديث والسلام مع المارّة. ما الضير في أن تكون الحاجّة زهرة الآن في دوّارتها خلف البيت، تعشّب بين النعناع، كي أمرّ بها، فتأخذني بحضنها وتدعو لي بجبر الخاطر؟

حبّة خوخ في حلقي

على رغم أنّني لم أكن أعرف معنى كسر الخاطر وجبره، كانت دعواتها تريحني. هي التي اختبرت كسره مرارًا، دون جبر ينسيها آلامها.

اليوم، جرفت إسرائيل آخر بيوت الحاجّة زهرة. لم تعد تفكّر بالعودة إلى بيت ليف، بخاصّة مع تأزّم حالتها الصحّيّة وتقدّمها في العمر، في ظروف مغايرة لما حلمت به.

تقطن الآن في جون (الشوف)، مع إحدى بناتها. أظنّها في هذه اللحظة جالسة مع جارة جديدة، تخبرها كيف اجتاحت إسرائيل بيروت، وكيف أمسكت بأيدي أطفالها وهربت من خطّ تماس إلى خطّ آخر، وكيف سقطت القذيفة فوق غرفة التنك التي كانت تختبئ فيها.

وكأنّها تتنبّأ، وتستعدّ، لأن تشهد اجتياحًا آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى