ملائكة البقاع وشياطينه: آل دندش ملجأ المتمردين وحماة جبل لبنان (1)

كان الوصول إلى وادي بنيت مهمّة شاقّة بسبب وعورة الطريق الذي لا تسلكه عادة سوى الجرّارات الزراعيّة. لكنّ ما عوّض تعب الرحلة أنّها أتاحت فرصة نادرة لاكتشاف تلك المنطقة المجهولة في جرود الهرمل، التي هجرها سكّانها منذ زمن طويل.
زرت الوادي العام 2021، حين كنت أعمل على مجموعة تقارير مصوّرة مع الصحافيّة سعدى علّوه عن جرود الهرمل. انطلقنا برفقة ثلاثة من آل دندش من موقع قرب نبع العاصي نحو المساحات الصحراويّة التي تحيط بالهرمل ومنها نحو الغرب إلى السفوح الجبليّة شبه الجرداء التي تضمّ أودية “بنيت” و”النيرة”.
بدى وادي بنيت عند وصولنا شبيهًا بأودية الهرمل الأخرى من ناحية الطبيعة الوعرة ونوعيّة الأشجار والنباتات. الفارق أنّه أصبح خاليًا من السكّان ومنعزلًا كلّيًّا عن العالم بعد أن عُرقل مرارًا مشروع الطريق الذي يصل إليه. في أنحاء الوادي هناك عدد لا بأس به من البيوت المهدّمة والخرائب، وعدد آخر من البيوت الزراعيّة، وغرف الباطون (الإسمنت) التي ربّما بناها طفّار عشيرة الدنادشة على عجل خلال فترات تمرّدهم السابقة.
كذلك بدى حضور الحشيشة أقلّ من أودية الهرمل الأخرى، بسبب صعوبة وصول المزارعين إلى المنطقة واقتصار الزراعة على تلك البعليّة (بدون ريّ). وبدا الأثر الوحيد للدولة على شكل أعمدة خشبّية لمدّ أسلاك الكهرباء مرّ عقود على تعطّلها، وخزّان مياه معطّل كتب أحدهم على جدرانه بخطّ اليد جملة بدت غريبة وعبثيّة وسط الخلاء “حزب الله هم الغالبون”.
قبور من الحرب العالميّة الأولى
لفتني في المساحة المشرفة على الوادي مجموعة قبور حجريّة متطابقة، تمّ ترتيبها بشكل مستقيم وسط السهل الصحراويّ. تعرّضت أجزاء من القبور للتدمير بشكل متعمّد ولم يتبقَ سوى تاريخ ظاهر على أحدها 1338 هجري (1915 ميلادية). فهمت لاحقًا أنّها تعود لوجهاء من الوادي قتلوا سويًّا في إحدى الصدامات الدمويّة التي شهدتها المنطقة خلال الحرب العالميّة الأولى.
أمّا ظروف تعرّضها للتدمير فيعود غالبًا إلى فترة نفي سكّان الوادي من لبنان إلى سوريا خلال الثلاثينيّات، على خلفيّة صراعاتهم المتزايدة مع محيطهم، حيث تكاثرت حوادث الانتقام والتعدّيات على الأملاك في غياب أصحابها.
كنت قد سمعت سابقًا قصصًا عن الأحداث التي حصلت في هذه الأودية في الماضي، كذلك صادفت إشارات متعدّدة للأدوار السياسيّة والأمنيّة التي لعبتها عشيرة دندش في البقاع، والتي سكنت وادي بنيت ووادي النيرة.
من كسروان للحدود اللبنانيّة- السوريّة
ينتمي آل دندش إلى العشائر الحماديّة التي انتقلت من كسروان إلى جرود الهرمل في نهايات القرن الثامن عشر بشكل متزامن مع تراجع الإمارة الحماديّة الشيعيّة في جبل لبنان والتي اندثرت بشكل كامل العام 1782. عاشت عشائر الهرمل ومن بينها جعفر وناصرالدين وعلّوه حتّى منتصف القرن العشرين في أودية السفح الشرقيّ لجبل لبنان، قبل أن تبدأ نزوحها التدريجيّ منذ الخمسينيّات والستينيّات إلى سهل البقاع وبيروت.
وفق السائد بين “الدنادشة” أنّ أصولهم تعود إلى بلدة فقرا في كسروان، قبل انتقالهم إلى وادي النيرة وبنيت في نهايات القرن الثامن عشر. تعتبر أوديتهم أقلّ وفرة بالمياه وأكثر جنوحًا نحو التصحّر بالمقارنة بأودية عشائر الهرمل الأخرى. وقد لعبت حملات قطع الأشجار التي قام بها العثمانيّون خلال الحرب العالميّة الأولى دورًا في مفاقمة جفاف هذه الأودية.
وعلى الرغم من ظروفها البيئيّة السيّئة، تمتّعت هذه الأودية بموقع استراتيجيّ، حيث شكّلت خلال حقبة المتصرّفيّة السور الجنوبيّ الغربيّ لناحية الهرمل، ممّا حوّل العشيرة إلى قوّة أمنيّة تحمي حدود جبل لبنان من الداخل السوريّ.
حُماة سكّة الحديد
سمح اتّصال الأودية بسهل البقاع في نسج علاقات سيطرة بين الدنادشة وسكّان السهل، وبانتشار مبكر للعشيرة في قرى اللبوة والعين والهرمل. كذلك ساهم هذا الموقع بخلق سيطرة للعشيرة على جزء من مسار القوافل التجاريّة، إن كان ذلك الذي يمرّ بجوار نهر العاصي أو المسار الآخر الذي يمرّ في رأس بعلبك والقاع، والذي ضمّ لاحقًا سكّة حديد رياق حمص، التي أنشئت في بدايات القرن العشرين، وتمّ توكيل زعماء الدنادشة بحمايتها أكثر من مرّة.
خلال القرن التاسع عشر شكّلت هذه العشائر وحدة سياسيّة حول زعامة/ مشيخة تنتمي إلى فرع عبد الملك من آل حمادة التي تسكن في بلدة الهرمل. هذه الزعامة، كانت نفسها الموكلة من قبل العثمانيّين بجمع الضرائب وحماية الأمن في المنطقة حتّى اندلاع الحرب العالميّة الأولى (1914- 1918).

“العشيرة دولة المجتمع المحلّيّ”
تميّزت العشائر حتّى عقود قليلة سابقة بالقدرة الدائمة على ممارسة العنف كآليّة سياسيّة تعيد إنتاج اللحمة والتماسك بين أفرادها، ممّا حوّل المجتمع العشائريّ إلى مجتمع حربيّ بامتياز وفق عالم الاجتماع البقاعيّ فؤاد خليل، صاحب كتاب “العشيرة دولة المجتمع المحلّيّ”.
يقول خليل إنّ الدنادشة اعتمدوا في البداية وبشكلٍ محدودٍ الرعي والزراعة بالمحاصصة ضمن أراض تابعة لبلدة رأس بعلبك في سهل البقاع. لكنّ الغالب بينهم كان توكيل آخرين بالماشية والأراضي الزراعيّة مقابل حصّة من الإنتاج، مفضّلين تأدية وظائف عسكريّة ضمن المنطقة الواقعة تحت حكم الحماديّين، مثل جباية الضرائب وتولّي الأمن، بالإضافة إلى ممارسة أعمال المنطرة (حماية أراضي الغير)، بخاصة في القرى المسيحيّة في البقاع الشماليّ وريف القصير.
ويبدو أنّ العشيرة استقبلت بشكل دوريّ مطلوبين للسلطنة العثمانيّة (أبرزهم ملحم قاسم المصري الذي قضى سنوات بحماية العشيرة)، وأحيانًا عائلات كاملة من النساء والأطفال كانت مهدّدة بانتقام السلطات، كما حال عائلات الحرافشة الذين لجأوا إلى أودية العشيرة خلال الصراعات الطويلة التي خاضوها مع والي دمشق.
تاريخ عنف
وكما حال غالبيّة العشائر في جرود بعلبك الهرمل، مارس الدنادشة خلال ذلك الماضي البعيد نشاطات خارجة على القانون، مثل النهب وقطع الطرق في مناطق خارج البقاع. ولو أنّ حال الدنادشة اختلفت عن بقيّة العشائر وفق فؤاد خليل من ناحية العنف المفرط للغارات التي كانوا يقومون بها، والمدى الجغرافيّ الواسع الذي يمكن أن تصل إليه في البادية السوريّة من القلمون وصولًا إلى ريف حلب.
غالبًا ما يتمّ الربط بين العشيرة والممارسة المفرطة للعنف، إن كان في العلاقة مع الخارج أو الداخل، ووفق مقالة لسويدان ناصر الدين، نُشرت في جريدة “السفير” العام 1988، لا يقلّ الذين سقطوا من أبناء العشيرة ضمن الخلافات الداخليّة من ناحية القيمة والعدد، عن الذين سقطوا في الصراعات مع القوّة الخارجيّة التي عاشت في محيطها.
أنتم في حماية الدنادشة
يرتبط صعود الدنادشة كقوّة مؤثّرة في البقاع الشماليّ بالتحوّلات التي شهدها جبل لبنان خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تحديدًا بتأسيس متصرّفيّة جبل لبنان العام 1860.
وعلى عكس بعلبك التي كانت تتبع عادة ولاية دمشق، كانت الهرمل تاريخيًّا من بلدات جبل لبنان الشماليّ، وكانت بالتالي تابعة لولاية طرابلس. ومع تأسيس أوّل صيغة حكم ذاتيّ في جبل لبنان بتوافق أوروبّيّ العام 1841، أيّ نظام القائمقاميّتين، تمّ إلحاقها بالقائمقاميّة الشماليّة ذات الغالبيّة المسيحيّة، ثمّ ألحقت بقضاء البترون العام 1860 ضمن متصرّفيّة جبل لبنان التي تمتّعت بالحماية الأوروبّيّة وبقدر أوسع من الحكم الذاتيّ.
من العوامل التي ساعدت في ضمّ الهرمل إلى نظام المتصرّفيّة، الموقف الذي اتّخذه الحماديّون بقيادة محسن حمادة خلال الحرب الأهليّة التي شهدها جبل لبنان العام 1860، إذ حرص حمادة على عدم الانجرّار في أعمال العنف والمجازر التي طالت الموارنة، على عكس الأمراء الحرافشة الشيعة في بعلبك الذين وقفوا مع الدروز ضدّ المسيحيّين وتعرّضوا للقرى المسيحيّة في البقاع الشماليّ، ممّا أدّى إلى نزوح جماعيّ لسكّان هذه القرى نحو جبل لبنان.
بعد تلك الأحداث حرص محسن حمادة في الهرمل على منع مزيد من التعدّيات على القرى المسيحيّة وأوكل الدنادشة مهمّة حماية أراضي ومحاصيل رأس بعلبك والفاكهة خلال فترة غياب سكّانها. الأمر الذي لعب دورًا في إلحاقها بمديريّة الهرمل عند تأسيس نظام المتصرّفيّة (وفق حسن نصرالله، هذه القرى هي رأس بعلبك والفاكهة والقاع. وبعد عقود من البقاء ضمن مديريّة الهرمل، تمّت إعادتها إلى ولاية دمشق).

معركة برج الهرمل
يبدو أنّ موقف المشيخة الحماديّة ارتبط أيضًا بالعلاقة القديمة التي ربطت آل حمادة بالبطريركيّة المارونيّة خلال التواجد في كسروان، وهي علاقة وثيقة استمرّت حتّى نهايات الحقبة العثمانيّة، ولعبت دورًا في انحياز الحماديّين إلى خيارات البطريركيّة في دعم الفرنسيّين عند دخولهم إلى لبنان بعد الحرب العالميّة الأولى، على الرغم من المزاج الشيعيّ في ذلك الحين، الموالي للشريف حسين وابنه الأمير فيصل.
بعد عامين على تأسيس متصرفيّة جبل لبنان، حاول العثمانيّون إخراج الزعامة الحماديّة من المعادلة الأمنيّة والسياسيّة عبر الحرافشة الشيعة الذين ربطهم تحالف في السابق مع الحماديّين. في ذلك الوقت، لم تكن الدولة العثمانيّة راضية عن الصيغة التي فرضتها الدول الأوروبيّة بعد أحداث 1860، إذ اعتبرت الصلاحيّات الممنوحة لمتصرّفيّة جبل لبنان انتهاكًا للسيادة العثمانيّة، وقد عمل الباب العالي منذ البداية على تضييق حدودها مستثنيًا مدن الساحل وعكّار والبقاع، التي كانت تخضع فترات طويلة لنفوذ حُكّام الجبل.
العام 1862، استخدم والي دمشق حجّة وجود فئات خارجة على القانون في جرود الهرمل للقيام بحملة عسكريّة بقيادة الحرافشة، بهدف القضاء على الحماديّين وإلقاء القبض على محسن حمادة (كما ينقل سعدون حمادة عن أحد الدبلوماسيّين الأجانب). وصلت الحملة إلى الهرمل من الناحية الجنوبيّة، واستطاع الحماديّون حسم المعركة وصدّ المهاجمين بعد سقوط أربعة قتلى قرب برج الهرمل (ربّما الذي لا تزال تظهر حجارته في حي بديتا).
نهاية الحرافشة
في كتابه “تاريخ الشيعة في لبنان”، يخبرنا سعدون حمادة أنّ الهجوم على الهرمل “أملته تجاذبات السياسة الدوليّة في ما بين أقطابها من جهة وبينها وبين الدولة العثمانيّة من جهة أخرى”.
أدّى الهجوم إلى أزمة دبلوماسيّة بعد أن رأته الدول الأوروبيّة كخرق خطير لحدود المتصرّفيّة. يومها، هدّدت فرنسا بنشر جنود فرنسيّين في الهرمل لمنع حصول خرق مماثل.
بعد المعركة، استمرّت الاضطرابات في البقاع الشماليّ سنوات، وحصلت اغتيالات متبادلة بين الحماديّين والحرافشة إلى أن تمكّن والي دمشق من إنهاء وجود الحرافشة في بعلبك العام 1865، بعد القبض على آخر أمرائهم. ويبدو أنّ تلك الفترة هي التي تكرّس فيها الدور العسكريّ للدنادشة بصفتهم القوّة الأبرز ضمن الحاجز الذي يحمي الهرمل، وبالتالي حدود جبل لبنان من ولاية دمشق.
أراضٍ وحماية وصراعات
بعد غياب الحرافشة عن المشهد، شهد البقاع فراغًا في السلطة، استغلّته المشيخة الحماديّة للتوسّع في البقاع الشماليّ ضمن المناطق التي كانت تحتسب سابقًا على بعلبك. وقد استفاد الدنادشة بشكل خاصّ من هذا التوسّع لزيادة أراضيهم وتكريس موقعهم المتقدّم في سهل البقاع.
في الوقت نفسه، استمرّوا بلعب أدوارهم السابقة من ناحية تقديم حماية للمطلوبين في جرود الهرمل، في وقت بدأ الحديث فيه يتزايد عن صراعاتهم الدائمة مع عشائر الهرمل الأُخرى التي تسكن الأودية المجاورة (مثلًا آل علّوه)، ومع القرى المسيحيّة التي تحدّهم من ناحية المرتفعات الجبليّة الجنوبيّة الغربيّة (عيناتا الأرز وبشرّي)، وفي سهل البقاع (رأس بعلبك).
أيضًا، استطاع الدنادشة قبل العشائر الأخرى من تكريس مسار مستقلّ عن المشيخة الحماديّة في الهرمل، بخاصة بعد وصول رشيد سلطانة دندش إلى الزعامة، الأمر الذي عكس انتقال مركز الثقل ضمن العشيرة من فرع وادي النيرة الذي يسكنه فخذ طعان، إلى وادي بنيت الذي يسكنه فرع رشيد. تزامن هذا التطوّر مع بناء سكّة حديد رياق حمص العام 1908، التي فتحت الباب أمام تطوّر البقاع الشماليّ كمحطّة عبور للبضائع والمسافرين، وبالتالي عزّزت من موقع الدنادشة بصفتهم الجهة التي سيتمّ توكيلها حماية القطار.

بيوت تحمي المتمرّدين
وفق فؤاد خليل، اكتسب رشيد سلطانة سريعًا سمعة جيّدة بين العشائر التي كرّست من شرعيّته ومكانته في المنطقة، بسبب قدرته الدائمة على استعمال العنف والمهارة في مواجهة الحملات الأمنيّة وتأمين حماية للمتمرّدين والمطلوبين.
يعاين خليل في كتابه “العشيرة دولة المجتمع المحلّيّ” تأثير الدور الذي لعبته العشيرة في حماية المطلوبين، تحديدًا في العمران الذي صار يتوزّع مثلًا في وادي بنيت، على أساس الاتّجاهات التي تسلكها الحملات الأمنيّة.
بينما “اختيرت مواقع البيوت لفترة طويلة مثلما تختار المراكز العسكريّة: دائمًا مشرفة، وكاشفة، ومتحكّمة بمداخل الطرقات احتراسًا للمباغتة على حين غرّة أو التعرّض للغدر، حيث وصلت المسافة بين كلّ بيت في وادي بنيت لأكثر من 500 متر، أمّا في حالة الخيام الصيفيّة في مرتفعات جباب الحمر فقد وصلت إلى ثلاثة كيلومترات”.
على ضوء هذا الوصف، يمكن رؤية بيوت الدنادشة من حيث الوظيفة العسكريّة كأنّها قلاع متقابلة، ما يجعل علاقتها مع محيطها قائمة على الريبة الدائمة. في المقابلات التي أجراها خليل مع أفراد من آل دندش، يظهر في الأجوبة تكرار تعابير مثل “الغدر” و”الطعن في الظهر”، كتبرير إضافيّ لتوزيع البيوت بهذا الشكل، يضاف إلى الخوف من الحملات الأمنيّة التي لا شك أنّها كان لها تأثير كارثيّ على منطقة بعلبك الهرمل بشكل عام.
بكلّ حال، ليس مبالغًا التفكير في أنّ هذا النمط من العمران عزّز الصراعات وتفكّك العلاقات بين أفراد العشيرة الذي حصل بشكل أكثر تسارعًا من غير عشائر. بالإضافة إلى أنّ الطبيعة الأمنيّة للوادي بصفته ملجأ للمتمرّدين لا يزال ينعكس على الحاضر، حيث لعب دورًا في عدم ذهاب العشيرة بعيدًا في المطالبة بشق طريق صالح للسيارات للوصول إلى الوادي.
إلى الأناضول دُرّ!
مع بداية الحرب العالميّة الأولى، انقلبت الأحوال في الهرمل بعد أن فقدت متصرّفيّة جبل لبنان الاستقلاليّة التي كانت تتمتّع بها تحت الحماية الأوروبّيّة وامتياز الإعفاء من الخدمة الإلزاميّة. بدأت حينها مرحلة جديدة اصطدم فيها العثمانيّون مع القوى المحلّيّة الموجودة في البقاع وجبل لبنان ومن بينها المشيخة الحماديّة التي اتُّهمت بالتعاطف مع الفرنسيّين وتشجيع الأهالي على رفض التجنيد الاجباريّ. أدّى ذلك إلى توجيه حملة أمنيّة ضدّهم بتهمة التعامل مع فرنسا، وانتهت بنفيهم إلى الأناضول.
مع غياب آل حمادة انتهت الصيغة التي كانت قائمة عليها بنية السلطة في المنطقة، أيّ العلاقة بين المشيخة التقليديّة والعشائر. كذلك خلق الغياب فراغًا في السلطة، ساهم في توسّع نفوذ رشيد سلطانة دندش أكثر من السابق.
حسن نصرالله: “بقي أهالي بعلبك لأسابيع بعد العمليّة يستيقظون على مشهد الجثث تتدلّى من حبال المشانق التي كانت تُعلّق أمام السرايا”.
رشيد سلطانة دندش بَطَل زمانه
في كتابه “تاريخ بعلبك” يخبرنا حسن نصرالله أنّ رشيد سلطانة شكّل القوّة العسكريّة الأبرز في البقاع الشماليّ خلال الحرب العالميّة الأولى، حيث قام بالعمليّات العسكريّة الأكثر عنفًا ضدّ العسكر التركيّ- الألمانيّ، خلال فترة شهدت نشاطًا لمجموعات مقاومة عديدة أبرزها: عصابة ملحم قاسم المصري (الذي قضى سنوات هاربًا من العثمانيّين في أودية الدنادشة)، وانضمّ إلى هذه المجموعات، طفّار من بريتال وحورتعلا، ومجموعة أخرى من آل حيدر من الداعمين للشريف حسين.
من أبرز العمليّات التي قام بها رشيد سلطانة دندش حصلت العام 1916، ردًّا على إعدام سبعة من الدنادشة على يد قائد درك بعلبك في وادي الرعيان. استهدفت العمليّة مجموعة من 18 جنديًّا عثمانيًّا، خلال انتقالهم بين بلدتي عرسال ورأس بعلبك. أدّت العمليّة إلى مقتلهم جميعًا.
وفق نصر الله، كانت هذه العمليّة بمثابة “شرارة ثورة يقودها رشيد سلطانة بدعم من الحلفاء، تهدف إلى خلق سياسة استقلاليّة عربيّة تسري عدواها في سائر الأنحاء” وقد دفعت السلطنة العثمانيّة إلى التعامل بحزم وتنفيذ حملات أمنيّة عنيفة ضدّ قرى البقاع الشماليّ واعتقال مئات من المخاتير والوجهاء. “بقي أهالي بعلبك لأسابيع بعد العمليّة يستيقظون على مشهد الجثث تتدلّى من حبال المشانق التي كانت تُعلّق أمام السرايا”.
من زعيم ثورة إلى قتيل كمين
ينقل حسن نصرالله عن ميخائيل ألوف، أحد الشخصيّات البارزة في بعلبك خلال نهايات الفترة العثمانيّة، أنّ السلطات ألصقت بالألوف، تهمة الاتّصال برشيد سلطانة وإمداده بالمال ليستمرّ في عصيانه الذي يهدف بحسبهم إلى اشغال جنود الدولة بثورة داخليّة، بعد اغرائه بنيل شأن عظيم من الحلفاء عند دخولهم البلاد.
ويبدو أنّ دندش أثار القلق فعلًا على مستويات عليا في السلطنة، بخاصّة بعد أن أعلن نفسه رئيسًا لحكومة الثورة، إذ بدأ بارتداء العمامة وأحاط نفسه بالحرس، كذلك أصبح يعقد جلسات محاكمة للجواسيس الذين كانوا يحاولون تتبّع أخباره.
لا تزال ذاكرة البقاع الشماليّ تحفظ قصصًا عن الفترة التي نشط فيها دندش ضدّ العثمانيّين، بينها أنّ بعض وجهاء الهرمل حرصوا على إرسال المؤونة بشكل دائم له ولرجاله في مواقع اختبائهم في جباب الحمر (بينهم أبو كرم الساحلي)، وغالبًا كان الطبيب الوحيد في الهرمل يصعد أيضًا لمعالجة الجرحى هناك (عبد الرؤوف العميري).
لن يمرّ وقت طويل قبل أن يُقتل رشيد سلطانة في كمين قرب الهرمل، ومن غير الواضح حتّى اليوم إن كان الحادث الذي قُتل فيه يرتبط بصراع ضمن العشيرة أو حصل بتدبير من العثمانيّين. لكنّ الأكيد أنّ مجموعة من الأحداث مهّدت له، بينها مجزرة حصلت قرب مزار سيّدة رأس بعلبك، قُتل فيها غالبيّة وجهاء الفخذ الذي ينتمي إليه سلطانة، ما خلق الظروف لانتقال زعامة العشيرة إلى فخذ آخر يسكن وادي النيرة.
آل حمادة… العودة
مع هزيمة السلطنة العثمانيّة في الحرب العالميّة الأولى، عاد آل حمادة من المنفى إلى البقاع، لكنّهم لم يدخلوا الهرمل مباشرة، بل قصدوا في البداية أودية آل جعفر، وهي العشيرة الأكبر عديدًا في الهرمل، والتي تسكن ضمن مجموعة من الأودية على حدود عكّار ووادي النصارى.
كانت الهرمل في غيابهم قد شهدت تنافسًا عشائريًّا على الزعامة بين آل دندش، أصحاب القوّة العسكريّة المعروفة، وآل ناصرالدين، العشيرة التي تعتبر الأغنى من ناحية الموارد – بحسب ملاحظات الجيش الفرنسيّ عند دخوله الهرمل العام 1920.
لإعادة تثبيت موقعهم، قرّر آل حمادة – وفق الباحث الإنكليزي رايموند آدمز الذي كتب رسالة دكتوراه عن شيعة البقاع الشماليّ خلال السبعينيّات – الدخول إلى الهرمل، عبر جيش يتألّف من العشائر التي تسكن شمال غرب الهرمل، في خطوة تهدف إلى إعادة الهيبة التي فُقدت بعد التنكيل بهم ونفيهم إلى الأناضول. وقد اختاروا بشكل خاصّ عشيرة “الجعافرة” لأنّهم يسكنون أودية منعزلة وبعيدة من الهرمل، وهم غير معنيّين بتزعّم المدينة، على عكس العشائر الأقرب إلى البقاع والهرمل كما حال الدنادشة.
تصدّع المشيخة والعصبيّة العشائريّة
لم تكن هذه الحركة قادرة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بخاصّة مع التشقّقات التي كانت قد أصابت المشيخة حتّى قبل الحرب، وسط صراع على الوراثة وعدم اعتراف العشائر بمشيخة جديدة في المنطقة التي يترأّسها سعد الله حمادة، ابن محمّد سعيد باشا (توفّي العام 1924).
يعود عجز الأخير على إعادة إنتاج سلطة المشيخة أيضًا إلى إلغاء الفرنسيّين الدور الذي كانت تقوم به سابقًا العشائر، عبر الجهاز العسكريّ التابع لملتزم الضرائب من آل حمادة، واستبداله بالأجهزة الأمنيّة التابعة للدولة اللبنانيّة، ما مهّد الطريق أكثر أمام تفكّك العصبيّة التي كانت تجمع العشائر تحت قيادة موحّدة، وتحوّلها إلى كيانات سياسيّة منفصلة بذاتها.

صورة من البقاع الشمالي عام 1900 للمصور الألماني هرمان بورخارت من مجموعة المتحف الاثنولوجي في برلين



