انحسرت الحرب.. أيّ مستقبل اقتصادي لضاحية بيروت الجنوبيّة؟

بين التوسّع الأوّل للحرب في الـ23 من أيلول (سبتمبر) 2024 وتوسّعها مرّة ثانية في الثاني من آذار (مارس) الماضي، أصيبت ضاحية بيروت الجنوبيّة بدمار واسع لم تشهده في جميع الحروب التي عاشتها وعرفتها، فلم تكد تنهض من نتائج التوسّع الأوّل حتّى رزحت تحت وطأة الثاني الذي كان أشدّ وأقسى. تضاف إلى نتائجهما المدمّرة، تداعيات أزمة اقتصاديّة خانقة بدأت منذ سبع سنوات وما زالت مستمرّة، في ظلّ تخوّف دائم ومستمرّ من توسّع الحرب في أيّ لحظة، ما يضع الضاحية الجنوبيّة أمام كارثة اقتصاديّة واجتماعيّة كبيرة.

عدا عن النتائج المباشرة للدمار، تتمثّل هذه الكارثة في الواقع الصعب الذي تعيشه الضاحية ويتأرجح بين حالتي اللا حرب واللا سلم، وهو لا يقلّ صعوبة عن حال الحرب، حيث الجمود الاقتصاديّ والتجاريّ هما السائدان، يترافقان مع قلق لا يهدأ، يجعل من معظم سكّان الضاحية ممن عادوا إلى إعداد خطط بديلة في حال توسّعت الحرب من جديد.

شريان اقتصاديّ أصابه شلل

لا تُمثّل الضاحية الجنوبيّة مجرّد حيز جغرافيّ أو منطقة سكنيّة مكتظّة، بل تعتبر رقمًا صعبًا وركنًا أساسًا في المعادلة الاقتصاديّة اللبنانيّة، وفق ما يوضح الأكّاديميّ محمّد فحيلي، الخبير الاقتصاديّ والمتخصّص في المخاطر المصرفيّة.

يعود هذا الدور المحوريّ وفق فحيلي إلى “طبيعة بنيتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة المركّبة على حدّ سواء. إذ تعتمد الضاحية على شريحة واسعة من المؤسّسات التجاريّة والحرفيّة الصغيرة ومتوسّطة الحجم. تتميّز هذه المؤسّسات بنمط اقتصاديّ وتشغيليّ خاصّ قائم على الادّخار الخفيف من جهة، مع الاستثمار العالي والمباشر من جهة أخرى. بعبارة أخرى، يعاد ضخّ وتدوير معظم إيراداتها في الأسواق المحلّيّة. وهذا ما يمنحها كرة تدفّق نقديّة سريعة، جاعلةً منها شريانًا حيويًّا يسند الدورة الاقتصاديّة للبنان كاملًا”.

يتابع فحيلي لـ”مناطق نت”: “غير أنّ هذا الشريان تعطّل اليوم بعد أن أدّت الضربات التدميريّة المتتالية إلى هبوط إيرادات قطاع واسع من المؤسّسات إلى الصفر، بينما نُسفت مؤسّسات ومصالح تجاريّة أخرى بالكامل”.  ويردف “في ظلّ هذه الكارثة، تنحصر القدرة على الصمود في الحدّ الأدنى من المصالح والمؤسّسات التي تتلقّى دعمًا ماليًّا أو تحويلات من المغتربين. في حين تنزلق الشريحة الأكبر من أصحاب العمل الحرّ، والقطاعات الخدماتيّة، والعمّال المياومين نحو حال من الفقر والبطالة القسريّة”.

عن الوضع الاقتصادي في الضاحية اليوم يشير فحيلي إلى “أنّ ما يعقّد الأثر الاقتصاديّ ويمنع القدرة على امتصاصه واستيعابه حاليًّا هو التسارع اليوميّ لتداعياته، فعلى رغم توقّف القصف على الضاحية، إلاّ أنّ المؤسّسات الكبرى فيها تعاني من شلل شبه تامّ نتيجة ارتباطها العضويّ والتجاريّ بجنوب لبنان والبقاع، اللذين يتكبّدان بدورهما خسائر زراعيّة، وسياحيّة، ومؤسّساتية فادحة”.

الضاحية الجنوبيّة.. أسواق وأرقام

 في تحقيق سابق نشرته “مناطق نت” يقول نقيب أصحاب المحال والمؤسّسات التجاريّة في الضاحية الجنوبيّة سليم ضيا إنّ الضاحية تضمّ أربع أسواق رئيسة هي: سوق معوّض التي تعتبر الشريان الاقتصاديّ وتتخصّص في الألبسة والأحذية، وهناك سوق برج البراجنة التي تتركّز فيها تجارة الموادّ الغذائيّة وتضمّ عددًا من معامل الأحذية والألبسة بسبب تدنّي قيمة الإيجارات المرتبطة بالمحال التجاريّة من ناحية، وتواجد اليد العاملة السوريّة التي عادةً ما تستقرّ في تلك المنطقة بسبب انخفاض كلفة السكن من ناحية أخرى”. ويلفت إلى أنّ “هناك أيضًا سوق حارة حريك المتخصّصة بالألبسة الشرعيّة الإسلاميّة، وسوق بئر العبد لزينة المناسبات الدينيّة”.

عن عدد المؤسّسات التجاريّة يقول ضيا إنّ “الضاحية الجنوبيّة تضمّ نحو 15900 مؤسّسة تجاريّة صغيرة ومتوسّطة وكبيرة وتشمل مصالح مختلفة”. ويلفت إلى أنّ الأضرار تنقسم إلى قسمين، الأوّل مباشر طال نحو 3000 مؤسّسة دُمرّت بالكامل أو باتت غير صالحة للاستخدام، فيما الأضرار غير المباشرة طالت جميع المؤسّسات التجاريّة التي اضطرّت إلى إقفال أبوابها في الحرب، وما زالت تُعاني جرّاء الوضع غير المستقرّ”.

اليوم، أصبح ملف إعادة التعمير والنزوح متجاوزًا حدود البناء والأرقام، ليغدو ملفًّا مفصليًّا يدخل بشكل أساس في تحديد ملامح المرحلة القادمة التي تنتظر لبنان ككلّ.

أزمة المصارف تعرقل التعافي

في موازاة ذلك، تأتي الأزمة المصرفيّة الشديدة والمستفحلة التي يعاني منها لبنان منذ العام 2019، لتمنع أيّ قدرة على التعافي البسيط للسكّان والمؤسّسات على حدّ سواء. وفي هذا الإطار يشير فحيلي إلى “الاستحالة المطلقة لوصول أصحاب المؤسّسات والودائع إلى أموالهم المحتجزة في المصارف اللبنانيّة، إلى جانب الغياب التامّ للخدمات الائتمانيّة والقروض المصرفيّة التي شكّلت في فترات سابقة (ولا سيّما عقب حرب تموز/ يوليو 2006) حجر أساس في عمليّة النهوض”.

نتيجة هذا الشلل المصرفيّ، يوضح فحيلي “أصبحت المؤسّسات مجبرة على الاعتماد الكلّيّ على مساعدات خارجيّة لم تتبلور آليّاتها التنفيذيّة أو التمويليّة حتّى اللحظة، إذ تنحصر وتتحدّد أشكال الإغاثة الراهنة في تقديم الحدّ الأدنى من الخدمات الإنسانيّة العاجلة للنازحين الذين لم يتمكّنوا من العودة إلى منازلهم، وتغطية الفاتورة الاستهلاكيّة المعيشيّة اليوميّة دون أن تتعدّاها إطلاقًا إلى أيّ تمويل استثماريّ مهما كان حجمه صغيرًا”.

كذلك يؤكّد فحيلي، استنادًا إلى المشهد الاقتصاديّ العامّ، أنّه “تمّ استنزاف الموارد والاحتياطات الماليّة المتبقّية لدى الدولة في ملف التعامل مع متطلّبات النزوح المستمرّ، كالتغطية الطبّيّة الطارئة، والاستجابة الفوريّة بمواجهة الاستهدافات الإسرائيليّة المتكرّرة بحقّ المدنيّين”.

وبينما تكبح التوتّرات الأمنيّة والمواجهات العسكريّة المستمرّة رغبة المستثمرين، وتمنع تدفّق رؤوس الأموال إلى المناطق التي تتعرّض للقصف الإسرائيليّ، تعزّز في المقابل ما يمكن تسميته “الإنفاق الترفيهيّ الموقّت” في مناطق أخرى أكثر أمانًا، ما يؤثر بشكل متفاوت في نمو القطاعات.

من النزوح الموقّت إلى التموضع السكّانيّ

بحسب فحيلي، إنّ ما تشهده الضاحية الجنوبيّة لبيروت اليوم، يتجاوز حدود النزوح الموقّت ليصل إلى مرحلة إعادة التموضع السكّانيّ. وهذا ما يعيد للأذهان موجات الهجرة والنزوح السكّانيّ من جنوب لبنان والبقاع عقب الاجتياح الإسرائيليّ العام 1982، والتي أدّت بدورها إلى صياغة تركيبة الضاحية الجنوبيّة كما نعرفها.

كذلك، يرى فحيلي أنّ “العودة السريعة تعدّ أمرًا مستحيلًا على المدى القريب”، متوقّعًا أن “تستغرق الضاحية ما لا يقلّ عن ثلاث إلى خمس سنوات لاستعادة بنيتها الاجتماعيّة وعافيتها الاقتصاديّة، وذلك بدءًا من لحظة التوقّف الكامل والشامل للحرب، وإطلاق عجلة التعمير رسميًّا، وهو ما لم يتحقّق أو يتبلور حتّى الآن في ظلّ استمرار سياسة التدمير الإسرائيليّ الممنهج في جنوب لبنان”.

وبهذا سيُجبر كثيرون، إمّا على البحث عن سكن بديل دائم خارج الضاحية، أو اتّخاذ قرار الهجرة النهائيّة، مصحوبًا بصعوبة البقاء في مراكز الإيواء الموقّتة والارتفاع الخياليّ في أسعار الإيجارات.

الدمار في الضاحية الجنوبية

الضاحية بين العودة والهجرة

لا تشبه الحرب التي عاشتها الضاحية ولا تزال تعيش القلق من توسّعها أيًّا من الحروب السابقة، فما مارسته إسرائيل من تدمير وحشيّ وممنهج يتعدّى مسألة الأضرار الماديّة على فداحتها، ليطال التركيبة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للضاحية، وهو ما يلوح في الأفق ويُنذر بتغيير ديمغرافيّ ينتج عنه بالطبع مآسٍ إنسانيّة.

وبينما تستمرْ المواجهات جنوبًا والتي أصبحت أقرب إلى العبثيّة من أيّ شيء آخر، يجد أهالي الضاحية الجنوبيّة أنفسهم في مأزق كبير وصراع داخلي بين من لا يرغب في العودة متخلّيًا عن حياته وذكرياته بعد تجربة النزوح القاسية التي اختبرها، وبين من يصرّ على العودة وتحمّل القلق والتهديد المستمرّ بسبب ارتباطه المتجذّر في المكان، فضلًا عن عجزه المادّيّ عن تحمّل الكلف الخياليّة للسكن خارج الضاحية.

اليوم، تتجاوز عمليّة إعادة التعمير ومعها النزوح حدود البناء والأرقام، ليغدو السؤال مفصليًّا وأساسًا ويدور حول تحديد ملامح المرحلة المقبلة التي تنتظر لبنان ككل. كذلك يفرض على الجميع سؤالًا آخرًا لا أحد حتّى الآن استطاع الإجابة عليه وهو: “هل ستستعيد الضاحية الجنوبيّة دورها كمركز ثقل اجتماعيّ واقتصاديّ تراكم وتشكّل على مدار العقود الماضية؟ أم أنّها تقف اليوم عند مفترق طرق تتجّه فيها نحو إعادة تشكّل دائم ونهائيّ لهويّتها وتركيبتها الإنسانيّة العميقة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى