حين تسقط البيوت… إلى أيّ باب تقودنا مفاتيحها؟

 كان لمحمّد مفتاح بيت في الخيام (مرجعيون). قطعة صغيرة من معدن، لها أسنان يعرفها القفل، تدخل فيه وتدور فتتحوّل الحركة القصيرة إلى بيت: غرف، مطبخ، شرفة، أصوات، خزائن، رائحة قهوة، ثياب معلّقة، وأشياء كثيرة يتركها الإنسان في مكانها مطمئنّاً إلى أنّه سيعود.

منذ أسابيع قليلة سقط البيت، وبقي المفتاح. احتفظ محمّد به، وربّما تبدأ الحكاية كلّها من هنا: ماذا يفعل الإنسان بمفتاح صار القفل الذي صُنع له تحت الركام؟ كان لمحمّد بيت آخر، وله مفتاح ثانٍ. قُصف منذ أشهر قليلة، أمّا بيته الأوّل فقد سوّي في الأرض مع كلّ المبنى في حرب العام 2024.

بقيت لمحمّد ثلاثة مفاتيح، وثلاثة أبواب غائبة. هنا تتغيّر وظيفة الأشياء. المفتاح الذي اخترعه الإنسان كي يفتح، يدخل فجأة في منطقة أخرى من المعنى. قطعة الحديد التي كانت قيمتها في قدرتها على تحريك لسان داخل قفل، تصبح وثيقة شخصيّة، وأثراً، وذاكرةً قابلة للحمل. ثلاثة بيوت تقلّصت، على نحو موجع، إلى ثلاثة مفاتيح. وتبدو حكاية محمّد اليوم واحدة من آلاف الحكايات في جنوب لبنان.

المفتاح حارس المسافة

في علم الاجتماع ودراسات المكان، يحمل باب البيت معنى يتجاوز وظيفته المعماريّة. إنّه العتبة التي تفصل الحيّز الخاص عن الحيّز العام. دراسات المنزل والفضاء الاجتماعيّ تتعامل مع هذه العتبة بوصفها الحدّ الذي تنتقل عنده العلاقات من عالم الشارع والجوار والغرباء إلى عالم الألفة والخصوصيّة؛ فالبيت يشكّل نطاقاً اجتماعيّاً له قواعده ودرجة الحميميّة الخاصّة به.

المفتاح، بهذا المعنى، سلطة صغيرة يحملها المرء في جيبه. مَن يملك المفتاح يملك حقّ العبور. ولهذا كانت لحظة الحصول على مفتاح بيت جديد أكبر من استلام قطعة معدنيّة. شاب يغادر بيت أهله ويأخذ مفتاح شقّته الأولى، يعلن استقلالاً مكانيّاً واجتماعيّاً. عروسان يتسلّمان مفتاح منزلهما فيدخلان في زمن جديد. طفل يكبر فيعطيه أبوه نسخة من مفتاح البيت يحصل على درجة جديدة من الثقة والحرّيّة. مالك البيت يعطي مفتاحه إلى ضيف قريب، فيكون قد منحه حقّاً استثنائيّاً في عبور الحدود بين الخارج والداخل.

هكذا يصبح المفتاح، سيميائيّاً، علامة على السيادة الشخصيّة: أنا أقرّر لحظة الدخول، وأنا أقرّر لحظة الإغلاق، وأنا أملك المساحة الواقعة خلف هذا الباب. لهذا يبدو فقدان البيت مع بقاء المفتاح انقلاباً قاسياً في نظام العلامة. يبقى الدال في اليد ويغيب المكان الذي منحه معناه الأوّل.

أظنّ أنّ رمي مفتاح البيت بعد سقوطه واحد من أصعب الأفعال التي يمكن أن يقدم عليها صاحبه.

كانت المفاتيح من عمر البيت

عرفت البيوت القديمة مفاتيح تختلف كثيراً عن مفاتيح الشقق الحديثة. أبواب الخشب السميكة والأقفال الحديديّة الكبيرة احتاجت مفاتيح طويلة وثقيلة، صنعتها يد الحدّاد بما يلائم القفل بعينه. كان المفتاح يحمل شيئاً من شخصيّة الباب: طول الساق، حجم الرأس، عدد الأسنان وانحناءاتها. وفي القرى كانت صناعة البيت نفسها تمنح الباب منزلة خاصّة.

الحجر يُرفع، السقف يُنجز، الشبابيك تركّب، والباب يعلن اكتمال الحدّ الفاصل بين بيت صار له داخل وبين قرية مترامية خارجه. مع القفل يأتي المفتاح، وكأنّ المنزل في تلك اللحظة يحصل على سرّه الصغير. المفتاح القديم كان يُرى ويُسمع. وزنه محسوس في الكفّ، وصوته واضح حين يلامس مفاتيح أخرى.

بعض رؤوس المفاتيح اتخذ أشكالاً دائرية أو بيضوية أو زخرفية، وتحولت تلك القطع مع مرور الزمن إلى جزء من ذاكرة البيوت نفسها. ومع تطور الأقفال صغر المفتاح. صار مسطحاً، خفيفاً، متعدد النسخ، ودخلت إليه الأخاديد الدقيقة والأنظمة الأمنية الحديثة. بقيت الحركة الجوهرية واحدة: يد، مفتاح، قفل، دوران، ثم عبور.

المفتاح أكبر من البيت

يعرف الفلسطينيّون هذه العلاقة على نحو بالغ الكثافة منذ نكبة العام 1948. عائلات كثيرة حملت مفاتيح البيوت التي غادرتها، وانتقلت المفاتيح بين الأجيال حتّى تحوّلت إلى واحدة من أشهر العلامات البصريّة المرتبطة بالذاكرة وحقّ العودة. ذاكرة اللاجئين الفلسطينيّين تسجّل حضور المفتاح بوصفه أثراً مادّيّاً للتجربة العائليّة للفقد، ثمّ بوصفه رمزاً لتوقّع العودة.

ظلّ المفتاح حاضراً إلى جانب وثائق الملكيّة وشهادات الميلاد في روايات العائلات عن الأرض والبيت. حضر المفتاح إلى جانب شجرة الزيتون والبيت الحجريّ والبرتقال والثوب المطرّز ضمن الأشياء الأيقونيّة التي حملت فلسطين عبر المنفى، خصوصاً مع صعود التعبير الوطنيّ الفلسطينيّ منذ ستينيّات القرن العشرين.

حدث هنا تحوّل سيميائيّ مدهش ومؤلم: خرج المفتاح من جيب صاحبة البيت إلى عنقها. والفرق بين الموضعين يستحقّ التأمّل. حين يكون المفتاح في اليد، تكون اليد ذاهبة إلى باب. وظيفته تنتظر على مسافة خطوات. وحين يصير سلسلة في العنقّ، طوقاً، يتغيّر فعل حمله. يقترب من الجسد، من الصدر تحديداً، ويصبح أقرب إلى عهد أو نذر شخصيّ.

الجدّة الفلسطينيّة التي علّقت مفتاح بيتها في رقبتها حملت عنواناً كاملاً فوق قلبها. انتقل المفتاح من أداة استعمال إلى صيغة انتظار، ومن معدن يفتح خشباً إلى علامة تحفظ حقّاً واسم قرية وذاكرة عائلة. لهذا تبقى العودة، في المخيال المرتبط بالمفتاح، لحظة استعادة لليدّ أيضاً: ينزل المفتاح من العنق، تمسكه الأصابع، يدخل في القفل، يدور، ويستعيد وظيفته الأولى.

آلاف المفاتيح في الجنوب

اليوم يصنع أهل جنوب لبنان، من قلب الحرب والدمار، أرشيفهم الخاصّ من المفاتيح. يمكن تخيّل آلاف العلّاقات المعلّقة في البيوت الموقّتة، وفي حقائب النازحين، وفي الأدراج، وفي جيوب الرجال والنساء: مفتاح بيت في كفركلا، آخر في عديسة (مرجعيون)، ثالث في عيتا الشعب (بنت جبيل)، رابع في الخيام.

صور الأقمار الاصطناعيّة تستطيع تحديد مساحة البناء الذي اختفى، وتستطيع الخوارزميّات مقارنة صورتين وتلوين البقعة المتضرّرة، فيما تبقى علاقة الإنسان بمفتاح ذلك البناء خارج قدرة الصورة الجوّيّة على القياس. أظنّ أنّ رمي مفتاح البيت بعد سقوطه واحد من أصعب الأفعال التي يمكن أن يقدم عليها صاحبه.

فأيّ لحظة تصلح لذلك؟ في اليوم الأوّل يبدو الأمر مبكراً. بعد شهر يزداد المفتاح قيمة. بعد سنة يكون قد دخل الذاكرة. وبعد سنوات ربّما يصبح الشيء الوحيد الذي عبر من البيت القديم إلى البيت الجديد.

المفارقة أنّ المفتاح يكتسب قيمته الكبرى حين يفقد وظيفته العمليّة. قبل الحرب كان واحداً من أشياء كثيرة نبحث عنها صباحاً على عجل: الهاتف، المحفظة، المفتاح. بعد سقوط البيت يصبح ترتيب الأشياء مختلفاً. الهاتف يُستبدل، والمحفظة تهترئ، والثياب تتبدّل، بينما يحتفظ المفتاح بأسنانه ذاتها، أميناً لشكل قفل صار تحت الركام.

علّاقة مفاتيح

منذ أيّام، نشرت الفنّانة اللبنانيّة سميّة بعلبكي صورة علّاقة مفاتيح تحمل قطعة صغيرة من غصن شجرة، حُفر عليها رسم بيت عائلتها المهدّم في بلدتها عديسة الجنوبيّة. تتدلّى من العلّاقة نفسها ثلاثة مفاتيح، كانت ذات يوم تفتح أبواب البيت وغرفه، وتحمل في أسنانها المعدنيّة ذاكرة العتبات والوجوه والعودة. بقيت المفاتيح، غاب الباب، وصار البيت رسماً صغيراً محفوراً على قطعة من شجرة عرفته وعاشت بقربه؛ كأنّ الأشياء التي نجت من الخراب اجتمعت كي تحفظ عنواناً صار الوصول إليه ينطلق من الذاكرة.

مفاتيح لمنازل دُمّرت في الجنوب من معرض ” احكيلي يا جنوب”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى