كيف تنقذ لبنان في خمسة أيّام فقط؟

ما يُكتب في هذه الزاوية لا يُعبّر عن آراء “مناطق نت”، بل عن رأي الكاتبة وحدها.
إذا كنتَ تعاني من حساسيّةٍ مفرطة، وتتّخذ كلّ الأمور على محملٍ شخصيّ، أو إذا كنتَ تحمل السُلَّم بالعرض وتمشي، فننصحك بتجنّب قراءة هذه المقالة.
“أسئلة من الفقّاعة”: هي سلسلة مقالات ساخرة، تسخر من الواقع وتواكبه، تهزأ من تناقضاتنا وتحبّها، وتحاول أن تشرح لك، بخطوات بسيطة، كيف تنجو في هذه المدينة… أو كيف تغرق بأناقة؟
كيف تنقذ لبنان في خمسة أيّام فقط؟
منذ نحو عامين، كنت أشاركك عزيزي القارئ أسراراً تضمن وصولك إلى قمّة النجاح. نصائح لتصبح فنّاناً معروفاً، شاعراً حزيناً، خطوات لتنشئ حزباً سياسيّاً، أو غاليري فنّيّاً… تعدّدت الأهداف، لكنّ الجوهر لطالما كان ذاته: أن ترضي غريزة البطولة التي تسيطر على غالبيّة سلوكيّاتك.
اليوم، أيّ بعد نحو سنتين على إطلاق سلسلة “أسئلة من الفقّاعة”، لم يعد بإمكاننا التخطيط للبطولة بهذه الفردانيّة. البلد أصبح في الهاوية وليس على شفيرها، وكلّ تخطيطٍ لفعل البطولة يجب أن يسلك سبيل الإنقاذ الجماعيّ، إنقاذ بلد الأرز الشامخ، لبنان.
ولأنّ الوضع لم يعد يُحتمل، والأوكسجين على وشك أن ينفد، فإنّ عمليّة الإنقاذ يجب أن تتمّ في أسرع وقت، في مهلةٍ لا تتعدّى الخمسة أيّام.
عزيزي القارئ، إذا كنت في هذه اللحظة متمدّداً على كنبتك المريحة، تحكّ كرشك، وتفكّر في تقليم أظافر قدميك، لكنّك تتساءل عن جدوى ذلك في ظلّ عجزك أمام الحرب، والأزمة الاقتصاديّة الخانقة، والحدّ الأدنى للأجور الذي لا يكفيك شراء علب سجائر على مدار شهرٍ كامل، أقول لك: بعد قراءة السطور اللاحقة، ستصبح بطلاً يقف بوجه هذه الزنقات، ويضمن أيّام عيشٍ هنيئة للبنان وشعبه، كذلك ستقتنع بضرورة تقليم أظافر قدميك في أسرع وقتٍ ممكن.
اليوم، أضع بين يديك دليلك لإنقاذ لبنان في خمسة أيّامٍ فقط:
في اليوم الأوّل: ورقة وقلم… إبدأ بوضوح وشفافيّة
كلّ ما تحتاجه في يومك الأوّل من عمليّة إنقاذ سويسرا الشرق، هو ورقة وقلم، يساعدانك في تحديد كلّ شيء بوضوح. لا يهمّ إن كانت الورقة بيضاء بالكامل، أو ذات سطور أو مربّعات، المهمّ نيّتك، من الضروريّ أن تكون سوداء مثل جمرةٍ ترفض الاشتعال تحت سيخ اللحمة الذي لم تعد تذكر آخر مرّة تذوّقته.
ارسم خانات لتصنّف الناس بأسمائهم الكاملة: من منهم مع “ثقافة الحياة”؟ من المتمسّك بـ“ثقافة الموت”؟ من أصله فينيقيّ؟ من أصله عربيّ؟ من أصله فضائيّ؟ من تُحبّ ارتداء الديكولتيه؟ من تُفضّل ارتداء بلوزة عاديّة؟
في الحقيقة، لا أعلم ما الهدف الواضح من هذه التصنيفات، لكنّها بلا شكّ ستساعدك في تحديد اللبنانيّين الذين يستحقّون الإنقاذ أوّلاً.
في اليوم الثاني: منصّات التواصل الاجتماعيّ… الجماهير تنتظرك!
بعد أن صنّفت الناس بوضوحٍ لا لبس فيه، آن الأوان لمخاطبتهم. لا تقلق إن لم يكن لديك خطّة واضحة لإنقاذهم، فقط قدّم نفسك على أنّك المنقذ الذي يدرك أمراً تعجز بقيّة الناس عن فهمه، قدّم نفسك على أنّك المنقذ المتعالي عن هفوات الناس ونزواتهم، لكن في الوقت نفسه، لا تنسَ أن تشير بإصبعك إلى تلك الهفوات، كي تشدّد على أنّك أفضل وأفهم منهم.
أهمّ ما يجب عليك اعتماده على منصّات التواصل الاجتماعيّ، هو الكتابة بصيغة الجمع: لا تكتب “أنا أتطلّع إلى مستقبلٍ تصبح فيه سندويشة البندورة عند أمّ شريف بدولارٍ ونصف”، اكتب: “نحن ننتظر اليوم الذي نتقاسم فيه سندويشة البندورة عند أمّ شريف”.
لا تُحدّد من تقصد بـ”نحن”، لا يهمّ إن كنت تقصد نفسك وصديقك الذي ينبهر بكلّ ما تتفوّه به، أم إن كنت تقصد نفسك وأولئك الذين خسروا منازلهم، هم بالتأكيد لا يفكّرون سوى بسندويشة البندورة وأمّ شريف.
المهمّ أنّك تشعر بالاستحقاق لدرجة تعتقد فيها أنّه يمكنك الحديث بالنيابة عن نفسك والآخرين.
في اليوم الثالث: تخوين الآخرين مفتاحك لتصبح الشريف الوحيد
احذر… الخطاب المحبّ، المتسامح، المتفهّم لآراء الآخرين، لن يحقّق لك شيئاً، لن يساعدك في إثارة الجدل، لن يؤكّد للجميع أنّك أفضل من الجميع. ماذا حلّ بالحلّاج الذي كان محبّاً ومتسامحاً؟ قُتل مصلوباً! أتريد لنفسك نهايةً تراجيديّة كهذه؟ بالطبع لا. ابدأ بتخوين غيرك عمّالٍ على بطّال، كي تؤكّد لمتابعيك أنّك الشريف وحدك.
هل سمعت بالرادار؟ أنت الرادار! انتظر كلمة واحدة غير مألوفة من فلان كي تستنفر: فلان قال إنّ الصمود هو أعمق أشكال الحبّ! يا له من خائن! يريد الموت للبنانيّين كي يخدم أجندات الخارج.
أو: فلان قال إنّ الحرب ستذهب بلبنان إلى الهاوية! يا له من خائن! يريد للبنانيّين أن يُقتلوا كي يخدم أجندات الخارج. نحن أصلاً في الهاوية!
في اليوم الرابع: “لا شيء يُعجبني”
كما قلت لك عزيزي البطل، أنت الفهيم الوحيد في هذه البقعة الجغرافيّة التي من المفترض أنّ مساحتها تبلغ 10452 كيلومتراً مربّعاً. من الطبيعيّ ألّا يُعجبك شيء، وإن أعجبك فأنت بطلٌ فاشلٌ مهزوم!
إليك المانيفستو التي ستنجح دوماً بقيادتك إلى قمّة البطولة:
“لا شيء يُعجبني
لا الراديو ولا صُحُف الصباح،
لا الحرب ولا السلم،
لا الخطابات ولا الصمت،
لا التضامن ولا الحقد…
أريد أن أبكي”.
نعم أيّها البطل! من هم الناس العاديّون كي يُعجبك ما يفعلونه؟ أنت المرتقي بفكرك، المعجزة التي لم تستطع امرأة سوى أمّك أن تلدها! من الطبيعيّ ألّا يُعجبك شيء!
في اليوم الخامس: اعتكف…
يا لها من حياةٍ بائسة… في اليوم الخامس، ستُدرك أنّك في بلدٍ لا تحترم الأدمغة، ستُفكّر في الهجرة، لكن منشوراتك التي تهوّرت بمشاركتها مع العامّة ستقف بوجه كلّ تأشيرة قد تفكّر في الحصول عليها.
شعبك لا يستطيع الارتقاء كي يرى ما تراه. أردت إنقاذ الوطن، لكن كيف تُنقذه وهو لا يريد إنقاذ نفسه؟
اعتكف عزيزي البطل، الناس لا تستحقّ وجودك بينهم. في اليوم الخامس، اتّخذ قرارك: لن أُنقذ لبنان، سأصبح مخرج أفلام تسجيليّة، سأوثّق كلّ هذه العبثيّة، كي يعرف القادمون في المستقبل المزرعة التي أُجبرت على العيش فيها.
ستُفكّر: أفلام مارون بغدادي مهمّة، لكنّه وثّق ما عاشه اللبنانيّون بعينٍ استشراقيّة. أمّا أنا، فأعرف هذه المزرعة عن كثب، أنا أكثر حيوانٍ مظلومٍ فيها، ولهذا، سأوثّقها كما لا يستطيع أحد. سيرى العالم بأكمله المخرج العظيم الذي يختبئ بداخلي، علّ ذلك يعيد إليّ فرصة الحصول على تأشيرات سفر.
أنت بالطبع تتساءل: كيف أصبح مخرجاً عظيماً من دون النهوض عن كنبتّي الحنون؟ لا تقلق، قريباً جدّاً، سأضع الخطوات اللازمة والمضمونة بين يديك. في هذا الوقت الضائع، لا تنسَ تقليم أظافر قدميك أيّها البطل العظيم!



