“همس الجذور”… هلا أمان الدين “تتعقّب” معاناة المرأة اللبنانيّة

تبدو رواية “همس الجذور” أشبه بنسيج قصصيّ لغويّ محكم. صدرت حديثاً عن “دار الفارابي”، وهي باكورة أعمال الكاتبة هلا أمان الدين. تتداخل فيها خيوط الواقع اليوميّ والتخيّل الأدبيّ، ترفدها شاعريّة روحيّة، لتشيّد بناءً سرديّاً كاملاً، راسخ الأسس، متّسقاً مع ذاته بنيةً ودلالةً.
قصص الرواية مستمدّة من صميم حياة المرأة اللبنانيّة وتجاربها، لا سيّما في فترة الحرب الأهليّة وما تلاها من سنوات استعادة نسبيّة للاستقرار. وتكشف الرواية عن مهارة الكاتبة في السرد وعمقها في تحليل الظرف الإنسانيّ. كيف لا، وهي المختصّة في مجالات ثلاثة: علم النفس، وعلم الاجتماع، والفلسفة.
“قمر” تقرأ الوجوه وتكتبها
يظهر انهمام الكاتبة بقضيّة المرأة اللبنانيّة جليّاً في جميع تفاصيل الرواية، سواء إطارها المؤسِّس (الهيكل الروائيّ) أو المحتوى المتفرِّع منه (قصص قمر).
من البناء، يتوالد النصّ داخلياًّ مُنجِباً القصّة تلو الأخرى، منطلقاً من بنية إطاريّة جامعة هي قصّة “قمر”، السكرتيرة في إحدى عيادات الأسنان في بيروت، والتي تكتب، في ما هو نوع من “ما وراء القصّ”، سائر القصص داخل الرواية، فتلتمّ خيوطها جميعاً في يديّ قمر، وتُكتَب بكلماتها، فيتحوّل المكان من حيّز عياديّ ضيّق إلى نواة تتفرّع منها حكايات موازية ترفد المتن الكلّيّ، كما ترفد السواقي النهر، وتمنحه اتّساعاً رحباً يشمل مساحة الوطن ويتنوّع بتنوّع أهله.
يشكّل استهلال الرواية مدخلاً لاستجلاء دلالات محتواها، ويكشف عن نَفَس نسائيّ، تأمّليّ، حالمٍ، هادئ، لا بدّ من أن يتخلّل تلك الحكايات. والكاتبة، بمجرّد نسبتها القصص المتفرّعة إلى قمر، التي تتولّى تأليفها داخل النصّ، تفصح عن روح المتن الذي أمامنا، فلا تدّعي له أقلّ أو أكثر من أنّه نصّ مشبع بشاعريّة امرأة، مسكون بهمومها، مفصح عن حال المجتمع كما تراه هي بعينيها.
تُستحال قمر إلى عرّافة أشبه بعرّافة دلفي، تقرأ في وجوه الزائرين الماضي والحاضر والمستقبل، كما تقرأ من خلالهم قصص مجتمع كامل، لكنّها ككلّ عرّافة، أقدر على الخلق والتخيّل وصناعة المستقبل من خلال قصّة مبتدعة، فكأنّها ترسم طالع أبطالها ولا تقرؤه.
الكاتبة ترسم المشهد
تساوق الكاتبة القصص بمشاهد وصفيّة موازية، تعمل عمل الموسيقى التصويريّة المرافقة للحدث: فليس وصف الكاتبة المجهريّ، على سبيل المثال، لقطرات المطر على الواجهة الزجاجيّة للعيادة، إذ تنساب وتفترق وتلتقي لتشكّل مجارٍ واحدة، مجرّد زخرفة أسلوبيّة، إنّما هو رسم مشهديّ مصغّر يمهّد لحركة مماثلة على مستويات أُخرى.
فهناك الشخصيّات التي تتقاطع أقدارها وتفترق في فضاء النصّ. وهناك قمر التي تنطلق من هذا المشهد التأمّليّ الأوّل لتمارس فعل التحويل، بل إعادة الخلق، عبر شاشة حاسوبها، محوِّلةً الشظايا الإنسانيّة المبعثرة لزوّار العيادة إلى غصون حكائيّة، وكأنّها تجمع خيوط القصّة في مجرى واحد. فكأنما الكاتبة جاءت بنوع من التناظر العابر للمستويات: شمل حركة الطبيعة (المطر) وأقدار الشخصيّات في القصص تلاقياً وافتراقاً، والبنية القصصيّة (كـ”ميتا-بنية” تجتمع خيوطها في شخص قمر).
الشخصيّات التي تدخل العيادة بشحمها ولحمها، تنقلب خلف الواجهة الزجاجيّة للشاشة إلى أفكارٍ وقصص.
الثنائيّات المتضادّة
كذلك لا بدّ أن يلمس القارئ مهارة الكاتبة في تشكيل النصّ عبر منظومة من الثنائيّات المتضادّة التي تولِّد المعنى، وتدفع بحركة الشخصيّات. إذ تستخدم روافد فلسفيّة كأثر الغائب، ما يذكّرنا بمقاربة دريدا من جهة، والجدل الصاعد الذي يذكّرنا بالهيغليّة من جهة أخرى، فتدخلهما في البنية السرديّة بسلاسة، ليفعلا بالنصّ وأقدار الشخصيّات فعلَهما.
ولعلّ أبرز تلك الثنائيّات ثنائيّة الصمت/النطق، التي تتبدّى في أوج تجلّيها مع شخصيّة نجاة/ناديا، حيث يتحوّل بُكمُها إلى قول مكثّف، فينطق الصمت بقصّة الفَقد المكتوم، بينما يصبح النطق صمتاً، يُسكِتُ ما كان من ضجيج وهمِ الاستقرار العاطفيّ الموقّت، فكأنّما أثر الضدّ الغائب غير منفصم عن حضور ضدّه.
أيضاً تبرز ثنائيّة العجز/القدرة في حكاية حسام وسوسن، حيث يقابل الشلل الجسديّ، الذي يمثّل السكون القسريّ، فوران حركة البحث والتوثيق التاريخيّ، في إشارة واضحة إلى قدرة الذات على تجاوز الثنائيّات المتضادّة إلى واقع ثوريّ جديد: ثورة في العالم الداخليّ، خلق إنسان جديد، لا بل ولادة صوفيّة جديدة بالرضى والتسليم.
بين الخيالين
أمّا على صعيد البناء الزمنيّ، فنجد أنّ النصّ يتلاعب بخطّة الزمن التقليديّ، ويتعامل معه كبعد ليّن، أو كمساحة قابلة للحركة، عبر توظيف مكثّف للقفزات والمفارقات الزمنيّة. فالكاتبة تعتمد النقلات الرشيقة من زمن إلى زمن، جيئة وذهاباً، مرّة بعد مرّة، عبر الاسترجاع الزمنيّ حيناً، فتعود إلى ثمانينيّات القرن الماضي، لاستجلاء بذور صدمات الحرب الأهليّة بغية تأسيس الخلفيّات النفسيّة للأبطال، كذلك تتّكئ على استشراف الآتي من الزمان أحياناً أُخرى، فتقفز قُدُماً سنواتٍ نحو المستقبل، لتستحضر ومضاتٍ مطمئنة تعوّض قسوة لحظات سلفت.
فكأنّما الزمن يتحوّل، سواء في الرواية أو في ما احتوته من قصص، إلى عجينة مطواعة تشكّلها يدا الكاتبة على حسب ما تتطلّبه سلاسة السياق.
بمحاذاة تعدُّد الأزمنة، يعتمل في الرواية تداخل بديع بين مستويين من الواقع: المُتخيَّل الأوّل (واقع الرواية) والمُتخيَّل الثاني (واقع قصص قمر): فالشخصيّات التي تدخل العيادة بشحمها ولحمها، تنقلب خلف الواجهة الزجاجيّة للشاشة إلى أفكارٍ وقصص، إلى متخيَّل ثانٍ، ثمّ تعود بسلاسة إلى الواقع (المتخيَّل الأوّل) في فضاء العيادة العينيّ، فتحاور قمر وتحاور الطبيب، وتخرج من العيادة على قدمين. فكأنّ كلّ مستوى مرآة تعكس المستوى الآخر وتكمله.
معارك الشخصيّات العاديّة
لا يمكن أن تخفى على القارئ تلك المسحة الإنسانيّة الملتزمة التي تتخلَّل المتن بأكمله، والتي يتجلّى فيها انهمام الكاتبة الصادق بحال المرأة اللبنانيّة وتجاربها ومعاناتها، سواء خلال الحرب أو ما تلاها من مخاض السلم العسير.
وإن كان جهد المؤرّخين غالباً ما ينعقد على تدوين أحداث السياسة، ومواقف أهلها، واشتباكات الفصائل ومعاركها، فقد انصبّ جهد الكاتبة على رصد المعارك الداخليّة الخفيّة لشخصيّات عاديّة عابرة، استجلبتها التحدّيات الخارجيّة، وذلك كلّه من منظارٍ تقع المرأة فيه، لا على هامش الأحداث، بل في صلبها. فالمرأة في الرواية هي المركز والضمير والضحيّة، وهي التي تحمل على كاهلها أَلَمَ الخراب وهمَّ النهوض.
برعت الكاتبة في التقاط التجربة النسائيّة عبر أجيال ومستويات مختلفة؛ بدءاً بقمر، مرتكز الرواية، التي طبع موت والدها المفاجئ إثر انفجار سيّارة مفخّخة شخصيّتها بهدوء تأمّليّ مشوب بالحزن، ثمّ الوالدة الثكلى بابن حيّ، فقدته للمهجر البعيد، مروراً بسعاد التي تعاني البؤس والعنف في زواج غير متكافئ، قبل أن تنتفض لتصنع استقلالها الاقتصاديّ والوجوديّ بيديها.
وتصل المعاناة إلى ذروتها في قصّة نجاة/ناديا، التي صدمتها الحرب أقسى الصدمات وبأغلى ما لديها، حيث شهدت إعدام والديها أمام عينيها في حرجٍ جبليّ ناءٍ، ما أورثها عجزاً عن النطق، يعكس حالةً من بُكم العدالة والخرس الاقتصاديّ والاجتماعيّ الذي فرضته سنوات الاقتتال على المرأة، وهنا أيضاً تبدو براعة الكاتبة في توظيف السيكولوجيا، لا سيّما أبحاث شاركو في بناء الرواية.
نجاة/ناديا، صدمتها الحرب أقسى الصدمات وبأغلى ما لديها، حيث شهدت إعدام والديها أمام عينيها في حرجٍ جبليّ ناءٍ.
عن المكتوب والمكتسب
وإن كانت أقدار شخصيّات الرواية تنهال بالمأساة بعد المأساة، إلّا أنّ الكاتبة، بوعيها السوسيولوجيّ والنفسيّ العميقين، ترفض القبول بمنطق الضحيّة المستسلمة؛ فتراها تدفع بشخصيّاتها النسائيّة نحو نوع من التمرّد الإيجابيّ والثورة الداخليّة الهادئة الواعية؛ حيث تتحوّل الذات الأنثويّة عبر التضامن والعمل التشاركيّ (كما في تحالف سوسن وحسام، أو شراكة سعاد ونورا) من موقع الانكسار والتبعيّة إلى فاعليّة ثوريّة جديدة قادرة على صهر الصدمات، وتجاوز المعوّقات، وإعادة بناء الذات، ومن ثمّ بناء الوطن انطلاقاً من الذات.
هذا، وقد لا تغيب عن القارئ كثرة المصادفات القدريّة في النصّ، وتلك قد تبدو، لمن لا يعرف مقاصد الكاتبة، افتعالات تبتغي حلّ العقد السرديّة. إلّا أنّ قراءة متبصّرة للنصّ تكشف أنّ تلك ليست إلّا بعضاً من رسالة النصّ، التي تُعبّر فيها الكاتبة عن إيمانٍ بحكمة الأقدار، موازٍ لإيمانها بوجوب العمل الدؤوب والمسؤوليّة الشخصيّة.
المكتوب والمكتسب عند الكاتبة يسيران جنباً إلى جنب في اتّحاد لضدّين، هما في الحقيقة كما الين واليانغ متّصلان أبداً، لا يكون أحدهما إلّا بالآخر. يعتلن هذا البعد الروحيّ المتسرِّب في متن الرواية واضحاً جليّاً في قول جاء على لسان إحدى شخصيّاتها: “أليس الرضى والتسليم منتهى الحكمة؟”.
الصعوبات دوماً تتلاشى
في المحصّلة، تُقدّم رواية “همس الجذور”، باكورة أعمال هلا أمان الدين المطبوعة، تجربة روائيّة سلسة، عميقة وممتعة. فقد نجحت الكاتبة في توظيف التقنيّات السرديّة المختلفة لتقديم الذات الإنسانيّة- والمرأة تحديداً- كقوّة فاعلة قادرة على التمرّد والترميم وإعادة صياغة الأقدار، وقدرتها على التجاوز والرضا والتصالح كأفعال ثوريّة داخليّة. فلعلّ ما تهمس به الجذور هو أنّ الصعوبات مهما كبرت، سرعان ما تتلاشى أمام النفوس الكبيرة والوعي الداخليّ المستنير.



