بيتي الذي تركته ولم يتركني.. بكلّ زاوية منه تسكن حكاية

أرنّم أغنية وديع الصافي “دار يا دار يا دار، أصحابك فين راحوا يا دار…” والدموع تتساقط بحرارة على وجنتيّ الجافّتين جرّاء الصقيع، “كريماتي” اللطيفة تركتها أثناء الهروب بعد الغارات التي طالت الضاحية الجنوبيّة لبيروت فجر الإثنين قبل السحور بقليل، لم آبه لحاجتي إليها، ولم آبه لروتينٍ كان يشعرني بالحياة.
أنظر إلى المرآة، تجاعيد وجهي تحكي عن حجم البؤس الذي نحن فيه، كلّ الرفاهيّة التي كنّا نعيشها كانت حلمًا سرعان ما انتهى مع أوّل صاروخ، لم أعرف ماذا أفعل؟ أغلقت حقيبتي الجاهزة، والتي بقيت مفتوحة طيلة سنة وأكثر، تحسبًّا للكابوس الذي ينتظرنا، حقيبتي التي وضعت فيها ما يبقينا على قيد الحياة.
أغلقت الحقيبة الثانية التي تحوي مستلزمات أولادي وملابسهم الشتويّة، وهذا ما أضاف إلى رحلة النزوح عبئًا أكبر.
إثر بدء الغارات جلسنا في الممرّ “الكوريدور” داخل شقّتنا الواقعة عند حدود الضاحية الجنوبيّة، وفي ظنّي أنّ “المشرّفيّة” ستكون الخيار الأقلّ خطورة، بعدما تدمّر بيتي في الحرب الأولى، إذ بحثت عن منطقة أكثر أمانًا، لكنّ الأمان الذي اشتريته بما تبقّى من مدخّراتي لمواجهة جنون الإيجارات تبيّن أنّه وهم؛ فالكابوس هذه المرّة لم يكتفِ بابتلاع أحياء الضاحية، بل بسط ظلاله الثقيلة فوق خارطة البلاد بأكملها.
كأنّه يوم القيامة
أردنا الخروج بعد أن انخفض ازدحام السير قليلًا، فالطرقات امتلأت في غضون دقائق عن بكرة أبيها، هرج ومرج، كأنّه يوم القيامة، وبينما بلعت خوفي كما أبلع طعامي اليوم، تركت القدر يرسم مصيرنا، فإن كان الموت حتميًّا، فليكن داخل جدران بيتي.
بيتي هو المساحة التي أتخفّف فيها من أثقال الحياة، والملاذ الذي أنفث فيه همومي. في كلّ زاوية منه تسكن حكاية، وفي كلّ لوحة أو تفصيل صغير ينام جزء من روحي. كنتُ أعكف على ترتيب أشيائي بدقّة متناهية، ربّما لأنّني عجزت عن ترتيب الفوضى التي تعصف في داخلي، أو تهدئة الأسئلة القلقة التي تنهش فكرة ‘المستقبل’ في رأسي.
كان صوت التلفاز يرتفع تدريجًا، لا لمتابعة الأخبار العاجلة، بل ليواري خلف ضجيجه صمت الخوف الذي استوطن المكان. ومع حلول الصباح، حسمتُ خياري؛ أغلقتُ الباب على ذكرياتي، ومضيتُ نحو وجهة رسمتها مسبقًا في مخيّلتي كخطّة بديلة لاندلاع الحرب. لقد حانت الساعة الثقيلة، واستحال ‘المستقبل’ واقعًا مرهقًا دُفعنا إليه مرغمين، بلا إذنٍ أو إرادة، في رحلةٍ لم نخترها، بل اختارنا فيها القدر لنواجه أقسى اختبارات البقاء.
لم أودّع الجيران، لم أنبّه “ناطور البناية”، جميعهم سبقوني بحثًا عن النجاة، وعندما وُضعوا أمام اختيار البيت أو الروح، أصبحت الجدران التي اعتادت على حمايتهم سجنًا كبيرًا.
مسافة فاصلة بين نزوح ونزوح
وصلت إلى حيث نتمسّك بما تبقّى من أيّام تعيشنا ولا نعيشها، تحيا بنا ولا نحيا بها، لقد تآكلت سنوات العمر في المسافة الفاصلة بين نزوحٍ ونزوح، وبين مكانٍ يسلب منك روحك ببطء، ومكانٍ يسحبها بلمح البصر. ولسوء الحظّ كان مكان نزوحي يحميني من صقيع آذار، لكنّه تركني أمام صقيع قلبي المرتجف.
اتّصلت بعشرات الأرقام، وفي النهاية وجدنا بيتًا متواضعًا شبه مهجور، لا شيء فيه يشبهني، كلّ ما فيه يشبه غربتي.
من أنا في هذا الفراغ؟ من هم أولئك الذين استقبلونا؟
البيت يثبت وجودنا في العالم، يعطي لكياننا قيمة، يؤنس وحشتنا أمام قسوة العالم.
وصلت إلى حيث نتمسّك بما تبقّى من أيّام تعيشنا ولا نعيشها، تحيا بنا ولا نحيا بها، لقد تآكلت سنوات العمر في المسافة الفاصلة بين نزوحٍ ونزوح
الحمدلله وجدنا سقفًا يؤوينا
قالت لي أمي: “الحمدلله وجدنا سقف يؤوينا”، وفيه صوبيا حطب، ومطبخ متهالك وغرفة نوم تتدفّق منها مياه الأمطار، وغرفة نوم أكبر عشّش فيها العنكبوت وهو يحوك بيته الهشّ، مغلّفًا الزوايا بخيوطٍ سوداء تحكي قصّة سنوات من النسيان.
أمّا السرير الكبير الذي إسوَدّت فرشته بعد أن هجرتها صاحبته إلى سوريا، كان الغصّة التي جعلت الدموع تخنقني، كيف سأغفو فوق سرير ليس سريري؟ كيف سأعتاد على رائحة الرطوبة التي طوّقت المكان؟
من جديد مسحت أمّي دموعي وقالت: “الناس ينامون في الشوراع”.
دفع زوجي ثمن الأمان المتبقّي في هذا العالم لصاحب البيت، فالخيارات في زمن الحرب مستحيلة، والطلبُ ينهش ما تبقّى من سُبل عيش. سحبتُ حقيبتي وارتميتُ فوق أريكةٍ بنّيّةٍ شاحبة، غطّاها شرشفٌ مهترئ يحاول عبثًا إخفاء قِدمها.
ستائر مزّقتها شظايا الصواريخ
أكره اللون البنّيّ، وأحبّ الألوان الفرحة. كان لون غرفة جلوسي أبيض مائلًا إلى الرماديّ، تتوسّطها وسائد بالألوان: البرتقاليّ والأحمر والأخضر، كانت بالنسبة إليّ فرحي الذي اخترته، أمّا الستائر الذهبيّة التي كانت تحجبني عن النوافذ المواجهة، وتشعرني بحرّيّة لا أجدها خارج البيت، فقد مزّقتها شظايا الصواريخ التي استهدفت المبنى المقابل. هكذا قال لي الجيران يوم أمس، وزادوا أنّ ملابسنا انتشرت على النوافذ والشرفات.
ملابسي التي أختارها بعناية، أنقلها صيفًا وشتاء من خزانة إلى أخرى، أحرص على أن تكون مرتّبة ومكويّة وموضوعة بشكل متناسق بحسب ألوانها، طاقتها تعطيني زخمًا للإبداع، وللسيطرة ولمواجهة العشوائيّة التي نعيشها في بلدنا.
“كريماتي” المرصوفة على الطاولة بجانب سريري، واحد لليل وآخر للنهار، “ڤيتاميناتي” التي أعتقدت أنّني بفضلها سأواجه أرذل العمر بقوّة ودون مساعدة، كلّها تركتها خلفي ومضيت.
مطبخي الذي لا ينقصه شيء، والذي تفقّدته قبل بدء شهر رمضان وملأته بالصحون والفناجين الجديدة وخزّنت فيه كلّ ما طاب من خيرات الصوم، ثلاجتي التي تفيض بما تشتهيه العيون، وفي كلّ مرّة كنت أشتري شيئًا جديدًا، كان زوجي يحذّرني بحدسه القَلِق يقول: “لا تشتري كتير الوضع مش منيح”. ولكنّني كنت أعانده بشراء مزيد منها وكأنّني أريد تخليد هذه التفاصيل، وكأنّي أواجه الموت بكلّ ما تحمله الحياة من ملذّات صغيرة.
هاجس العودة
يُطاردني اليوم هاجسُ العودة؛ أتخيّلُ ثلّاجتي التي كانت تضجُّ بالحياة كيف استسلمت للعفن، وكيف تحولت ألوانها الزاهية إلى سوادٍ مقيت. أتخيّلُ غرفة النوم، وخزانة الملابس، ثمّ أضبطُ نفسي متلبّسةً بالخوف على الأشياء، فأوبّخها بمرارة “كمّ أنا أنانية”!.. وسط كلّ هذه الأرواح التي تُزهق، والأرزاق التي تُبدّد، والأحلام التي تنتهي في لحظة، كيف لي أن أفكّر بهذه الاشياء؟
لكن حين يغادر الشخص مكانه، يظلّ يفتّش عن معنى يذكّره بأنّ هناك مكانًا ينتمي إليه، يحصي الأيّام حتّى يعود إلى الأبواب التي تفتح أمامه شعور الطمأنينة والأمان.
أنا بحاجة إلى تذكير نفسي بأنّ الألم الذي يصاحب النزوح ليس تهمةً تُلقى على كاهلي فقط، والخوف الذي يطرُق باب نومي ليس ضعفًا بل هو فعل يوميّ لإعادة تشكيل الحياة، هو ذاكرة تأبى أن تُدفن في بطاقاتٍ وبياناتٍ نسجّلها لدى البلديّات في أماكن النزوح، هو الإصرار على التمسّك بالأمل والعودة إلى الروتين الذي كان يومًا ما مملًّا ولا يطاق وصار اليوم أقصى أمانينا.
مع مرور بعض الأيّام، وجدتُ نفسي تائهةً أمام انقلاب الموازين: أين كنّا؟ وأين أصبحنا؟ ومتى سنعود؟ لقد جعلني النزوح أتلمّس ضعفي، أتحسّسُ مواضع الألم في روحي، وأبحثُ عبثًا عمّا يحفظ إنسانيّتي التي انتهكتها سطوة حروبٍ لم تتوقّف. وهكذا، أكتبُ اليوم.. لا لأشكو، بل لأُخلّد ما تبقّى منّي بعد كلّ هذه المآسي، ولأصيغ حكايتي التي تشبه حكايا كثيرين ممّن ضاعت ملامحهم في زحام الطرقات، وبقيت قلوبهم معلّقةً على مقابض أبواب بيوتهم البعيدة.



