نزوح الطمأنينة: عندما يسكننا الوطن المهدم

في الحروب لا يتساوى الألم، لا يتساوى الدمع، ولا تتساوى الأحزان. فهناك من يركض هربًا من القصف، من ينتظر خبرًا عن عزيزٍ تحت الركام، ومن يحمل بيته في قلبه ويغادر. وهناك أيضًا من يقف بعيدًا نسبيًا من النار، في مكانٍ آمن، لكنّه يشعر أنّ قلبه هو الذي يُقصَف فينفطر كلّ يوم.

وجهان لوطنٍ واحد

أعيش في بلدة نائية من لبنان، لم تصلها الطائرات والصواريخ بعد، ولم تهتزّ نوافذ بيوتها من ضغط الانفجارات. الحياة هنا تمضي ببطء يشبه الحياة، فالمقاهي مفتوحة والناس يمشون في الشوارع، الأطفال يذهبون إلى مدارسهم صباحًا. كأنّ كلّ شيء يبدو عاديًّا، لكنّ لبنان ليس بخير.

بالأمس اصطحبت ابن صديقي الصغير الذي يحمل اسمي. شاهدنا مباراة كرة قدم، كان يصرخ ويضحك، يصفّق عند كلّ هدف، وعيناه تتلألأ بفرح طفولةٍ بريئة. كلّما نظرت إليه، يخترق قلبي شعور غريب، فرحٌ له وحزنٌ على أطفالٍ مثله في أماكن أخرى من لبنان، أطفال لا يعرفون أمانًا، وربّما تحت الركام، تبحث عنهم عائلاتهم. بينما هو يضحك معي، هناك يموت أمثاله بلا صوت، بلا لعبٍ وبلا فرح.

ضحكات سميّي الصغير مثقلةٌ بحزن وطنٍ بكامله، بألمٍ يتسلّل في صمت، يذكّرنا بأنّ لبنان يتألّم حتّى في أماكن لا تصلها الطائرات ولا الضحكات الصادقة.

جروح نازفة

أفتح هاتفي كلّ صباح فأرى وطنًا آخر. مدنًا غطّاها الغبار وكنت أعرف بعض شوارعها، بيوتًا كانت مأهولة وصارت فجأة بلا أبواب ولا جدران ولا قاطنين، وجوهًا متعبة تبحث عن مأوى تبيت فيه لليلة واحدة فقط. عندها تشعر بثقلٍ غريب في صدرك، فكيف يمكن للحياة أن تستمرّ هنا، بينما يتكسّر الوطن هناك؟

في الحروب تُحِس أنّ الأمان أصبح عبئًا عليك. أن تكون بعيدًا من القصف لا يعني أنك بعيد من الألم. بل أحيانًا تشعر أنّ المسافة تزيد العجز. ماذا يفعل الإنسان عندما يرى وطنه يُضرب، ولا يملك سوى الكلمات؟

لبنان الذي نشتاقه

لبنان الذي عرفناه ونشتاقه ليس مجرّد بلدٍ صغير على الخريطة. كان تفاصيل يوميّة بسيطة لكنّها معبّرة، صباحات بيروت المزدحمة بالحياة وأنوارها ليلًا، مشوارًا على البحر، شتائم السائقين، بسمة حسناء في مقهى. بينما تعبق قرى الجبل بعطر الحياة، برائحة خبز التنّور، برحلات الصيد في جرودها، وفي دفء المواقد حين تتساقط قطع الثلج.

كان وطنًا صغيرًا في الجغرافيا، واسعًا في القلب. أمّا اليوم فنراه يتفتّت أمام أعيننا، قطعةً قطعة، ونحن نقف عاجزين.

أضنانا الحزن والتعب، بتنا نسأل أنفسنا: كم مرّة يحتمل لبنان الانكسار كي يتعب؟ وكم مرّة سينهض بنوه كي يبدأوا من جديد؟

أوطاننا في هذا المشرق لا تُقاس فقط بما ينجو من حجارتها، بل بما يبقى من قلوب أهلها. لكنّ الحقيقة المرّة هي أنّ الحروب تترك في الأرواح شقوقًا لا تُرى، وفي الذاكرة ندوبًا لا تزول.

نحن الذين ما زلنا في بيوتنا نعيش النزوح أيضًا، نزوح الطمأنينة من داخلنا، نزوح بسماتنا من شفاهنا، نزوح الأمل صوب مواطن اليأس.

الأمل والرجاء

يؤلمني وطني، ليس فقط لأنّه يُقصف ويتعرّض للتدمير والإجرام، بل لأنّنا اعتدنا الوقوف بين الخوف والانتظار، بين أملٍ صغير بأن تنتهي الحرب سريعًا، وخشيةٍ أن تتحوّل إلى فصلٍ جديد من حكاياتنا الطويلة مع الألم.

وسط بحر الدم والدمع والأشلاء، يبقى في القلب شيء يرفض الموت والاندثار، هو إيماننا بأنّ هذا البلد، ومهما تعب سيجد يومًا طريقه إلى الحياة.

فالأوطان مثل الناس، قد تنكسر لكنّها لا تموت. سيبقى بلدي، سيبقى لبنان ولن يموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى