الفنّان الفلكلوريّ تامر عقيل: الحرب دمّرت بأيّام ما بنيته في سنوات

في رياق قلب البقاع، بنى تامر عقيل حياته على إيقاع الدبكة، وصاغ أيّامه خطوة بخطوة ضمن مسار كامل من الجهد المتواصل، حتّى غدا اسمه حاضرًا بين الناس. تامر عضو في نقابة الفنّانين في لبنان، وسابقًا في سوريا، ورئيسًا لفرقة دبكة، ووجهًا مألوفًا على شاشات التواصل.
كلّ ذلك كان محطّات في رحلة صعود استمرّت تسع سنوات، وأثمرت معرضًا للسيّارات، ومنزلًا حديثًا، وشققًا سكنيّة، ومستودع بضاعة. غير أنّ هذا العالم الذي شُيّد على مهل، تهاوى دفعة واحدة، وتجاوزت خسائر “عقيل” المليون ونصف المليون دولار، بين منزلٍ تضرّر في رياق إثر غارة قريبة، وشقّةٍ غابت في الضاحية في ومضة خاطفة لم تمهل صاحبها في التقاط أنفاسه.
أحييت عرس كريمة السيّد نصرالله
يستعيد تامر بداياته في حديث لـ”مناطق نت” كما لو أنّه يقلّب صفحات عمرٍ قريب، فقبل تسع سنوات بدأت الرحلة، وكانت أولى إشارات التحوّل حين أحيا عرس ابنة السيّد نصرالله، يومها شعر أنّ اسمه خرج من الظلّ ليصبح مطلوبًا لدى شخصيّات كبيرة. أمّا لحظة الوصول، فكانت هناك، في قطر العام 2021 حين قدّم عرضًا للدبكة اللبنانيّة في كأس العالم.
عقيل الذي تجرّأ بأن يفكّر في الغد، يجد نفسه اليوم أمام انهيار لا يمكن إيقافه، فهذا التعب الذي تراكم سنوات، بدا وكأنّه وصل إلى حدّه الأقصى، وحان الآن موعد المواجهة القاسية مع الخراب. ممتلكاته، بالنسبة إليه، لم تكن يومًا حزمة مادّيّة فقط، بل يصفها بأنّها تعب عمر جناه من سفرٍ لا يهدأ وسهرٍ لا ينتهي.
لحظة بدّلت كلّ شيء
يروي تامر ما جرى والقهر يثقل صوته: “وردني اتصال من ابن خالتي في الصويري (البقاع الغربيّ) قائلًا: احضر سيّاراتك إليّ، هنا أكثر أمانًا، فوافقت على فكرته وهممت بنقل السيّارات، إلّا أنّ الوقت لم يسعفني وكان المعرض قد أصيب، وفي اليوم التالي انهار ما تبقّى، الشقق والمنزل أيضًا”.
يصف عقيل تلك اللحظات بحزن وأسى، قائلًا “اختنقت”، ثمّ يضيف أنّ الحزن لم يمرّ عابرًا، بل استقرّ في جسده على شكل تجلّطات في فخذه، كونه لم يكن يتوقّع ما حدث.
ويروي أنّ الضربة الأشدّ جاءت مع خبر استشهاد السيد حسن نصرالله، “خبرٌ لم يكن عاديًّا” في ذاكرته، ويختصر خسارته كلّها بعبارةٍ مثقلة “فداء للمقاومة ولكلّ شابّ مقاوم”.

“كرامة الوطن كرامتي”
بين الخسارة المادّيّة والمعنويّة لا يفصل تامر كثيرًا “الخسارة مادّيّة طبعًا، لكنّها معنوية أيضًا، فكلّ هذا الرزق هو نتاج سنوات من التعب، والأمر ليس بهذه السهولة، ومع ذلك ما يواسيني أنّ ما بقي معي أهمّ من المال، بقيت كرامتي وفوقها كرامة الوطن”.
لم يُخفِ تامر أن روحه لم تعد قادرة على التعامل مع الأيّام الثقال التي مرّت عليه خلال الحرب السابقة 2024، وأنّ نفسيّته عانت شيئًا من الانسحاق الداخليّ، لكنّه استمرّ مدفوعًا بالإيمان كمن يسلّم بما كُتب له “تعاملت مع الشعور بإرادة الله لأنّ هذا ما كُتب عليّ والحمدلله على كلّ شيء، وأنا لا أرى نفسي استثناءً أو حالًا معزولة؛ كثر غيري خسروا ملايين الدولارات، والله يعوّض على الجميع”. ويردف قائلًا “نسيت كلّ خساراتي المادّيّة حينما سقط معظم أصدقائي وأقربائي شهداء، فالأرواح لا تُعوّض”.
فسحة أمل
لم يغلق عقيل الباب على محاولات العودة، بل يفكر في البدء من جديد، وهي بطبيعة الحال محاولة إنسانيّة لاستعادة شيء من معنى الحياة، وسعي لشكيل الواقع كي يصبح الغد أقلّ وطأة وأكثر قابليّة للعيش. ومن هنا يوجّه تامر عقيل رسالة إلى الشعب اللبنانيّ بأن “يتمسّكوا بالأمل وأن يكونوا يدًا واحدة، وأخرى للعدوّ الذي يحاول سلب أرضنا، بأنّ الأرض باقية وهو باقٍ معها”.
حكاية تامر ليست مجّرد قصّة خسارة فرديّة، بل تنعكس على جيلٍ كاملٍ بنى أحلامه بصبر واجتهاد، لكنّها تبدّدت من دون سابق إنذار. والتاريخ في لبنان لم يغلق قوسه، بل تركه مفتوحًا على كلّ الاحتمالات “وقد نعاود الكرّة في بلد لم يخرج من الحرب بل عاش في داخلها، وقد يُعاد بناء ما تهدّم من حجارة، لكنّ ما تصدّع في الداخل، في الذاكرة والقلب، فسيحتاج إلى ما هو أبعد من الإعمار. يحتاج إلى هدنة طويلة اسمها الحياة”.



