والشعراء نازحون: هل تصبح القصيدة بيتًا أخيرًا؟

تترك الكلمات بيوتها القديمة، وتتخلّى القصيدة عن زينتها، لتقف عاريةً أمام الخراب. هكذا تبدو شهادات الشعراء اللبنانيّين النازحين في تغريبتهم حين تحوّلت أصواتهم، تحت ضغط الاقتلاع، من كتابة الجمال إلى كتابة النجاة.

حين اختلال المعنى، لا نتعامل مع النزوح بوصفه حدثًا سياسيًّا أو إنسانيًّا وحسب، بل كزلزالٍ لغويٍّ أصاب الشعر نفسه “كيف يكتب الشاعر حين يصبح الطريق أطول من العمر وحين يتحوّل البيت إلى احتمال ذكرى، والقرية إلى أمل بعودة قريبة؟

أبطال تحقيقنا هنا هم مجموعة صغيرة من شعراء كثر، كانت لهم حكاياتهم وعلاقاتهم الخاصّة المختلفة مع رحلة نزوحهم.

يرى الشاعر علي دهيني (طورا – قضاء صور) أنّ “النزوح أسقط المسافة بين الشعر والحقيقة. فالمسافة القصيرة بين صور وصيدا، التي لا تتجاوز عشرين دقيقة سيّارة في الظروف العاديّة، تحوّلت خلال الحرب إلى “ثماني عشرة ساعة من احتشاد الوجع”.

الشاعر علي دهيني
نزوح القصيدة

لم تعد الطريق ازدحام سيارات، بل ازدحام حيوات تُقتلع من جذورها. في شهادته، يبدو واضحًا أنّ النزوح لم يغيّر موضوع القصيدة فقط، بل غيّر نبرة الصوت الشعريّ نفسه. يتابع لـ”مناطق نت”: “سقط المجاز وارتطم صوتي بالحقيقة”. وهي عبارة تختصر انتقال القصيدة من التأمّل إلى الصرخة. لم يعد الشعر عنده مرثيّة، إنّما “صهيلًا يرفض الاختناق”.

من قلب تلك التجربة وُلدت قصيدته “صهيل الرئة الأخيرة”، التي كتبها على الطريق وهو يغادر نزوحه عن طورا حيث يذهب فيها أبعد من مفهوم الضحيّة، ويرى أنّ النازح ليس من فقد منزله، بل إنّه “قيامة تمشي على الطرقات”. هنا يتحوّل الشاعر إلى حامل ذاكرة جماعيّة، لا مجرّد راوٍ للألم؟

أمّا الشاعرة حنان فرفور (العبّاسيّة – قضاء صور) فتتعامل مع النزوح بوصفه اقتلاعًا نفسيًّا شاملًا. تصفه بأنّه “عملية فطام قسريّ عن الحياة والفرح والحلم”، وهو توصيف يُخرج النزوح من إطاره الجغرافيّ إلى إطاره الوجوديّ.

أدب النزوح

في رؤيتها، تصبح الكتابة في أثناء النزوح أكثر قتامة وتوترًّا وعمقًا، لأنّها تلامس “الجوهر والضعف الإنسانيّين”. وهي ترى أنّ الحرب، حين تكون حاضرة بكلّ هذا العنف، لا تترك للشاعر مساحة واسعة للمجاز أو اللعب اللغويّ. فالواقع نفسه صار أكثر قسوة من أيّ استعارة. تقول لـ”مناطق نت”: “الوجع الهائل يفرض لغة واقعيّة، لأنّ الحدث نفسه مكتمل الفاجعة ولا يحتاج إلى زخرفة بلاغيّة. وهنا تظهر إحدى أهمّ سمات “أدب النزوح” تراجع الزينة اللغويّة لمصلحة العصب الإنسانيّ الخام”.

لكنّ فرفور تطرح أيضًا مسألة المسافة، معتبرة أنّ الشاعر الذي يعيش داخل المأساة يكتب بلغة مختلفة عن الشاعر البعيد عنها. فالمغترب أو البعيد يمتلك المسافة الضروريّة لنضج التجربة شعريًّا، بينما يكتب المقيم داخل النار نصًّا مشحونًا بالصدمة المباشرة.

الشاعرة حنان فرفور
قصائد التهجير

من جهته، يعتبر الشاعر يامن رضا (مشغرة- البقاع الغربيّ) أنّ “دور الشاعر في النزوح هو أن يصبح صوت الذين لا تصل أصواتهم”. لذلك، فإنّ “المباشرة ليست عيبًا شعريًّا في ظروف الحرب، بل ضرورة أخلاقيّة أحيانًا.” يتابع لـ”مناطق نت”: “الشاعر، إذا احتاج إلى القسوة أو المباشرة لإيصال رسالته، فعليه أن يفعل ذلك بلا تردّد. فالقصيدة هنا لم تعد مساحة تجريب لغويّ بقدر ما أصبحت شهادة حيّة”.

ويرى رضا أنّ الحنين هو الشرارة الأساس التي تنطلق منها قصائد التهجير، لكنّه يميّز بوضوح بين شاعر يكتب من بعيد وآخر يكتب فيما “الوطن ينهار من حوله”. الأوّل يرى “الإطار”، أمّا الثاني فيكتب “المضمون”. يشبّه رضا الفرق بينهما بالفرق “بين من يرى شخصًا يعيش الألم، ومن يعيش الألم نفسه”. وهي مقارنة تكشف عن فجوة التجربة بين الكتابة عن الحرب والكتابة من داخلها.

الشاعر يامن رضا
الحنين أو القسوة

أمّا الشاعر وسام كمال الدين، الذي لديه حكاية مختلفة فهو نازح مستمرّ منذ عقود، حيث نزح أهله إلى الضاحية التي نزح عنها في الحرب الأخيرة، فينطلق من فكرة أنّ الشعور هو الركيزة الأساس للشعر، ولذلك فإنّ النزوح، بما يحمله من صدمة، يهزّ البنية الداخليّة للشاعر بعنف مضاعف.

ويرى كمال الدين في حديثه لـ”مناطق نت” أنّ “شكل الكتابة من حيث ميلها إلى المباشرة أو الحنين أو القسوة، يتوقّف على طبيعة تجربة النزوح نفسها ومدى قسوتها على الشاعر”. بيد أنّه يلفت إلى أنّ “الشاعر البعيد عن وطنه يعتمد غالبًا على الحنين بوصفه مادّة النصّ الرئيسة، بينما من يعش الانهيار في الداخل يحمل خليطًا “أخطر وأقسى وأكثر إيلامًا”.

الشاعر وسام كمال الدين
أنين المسيّرات

في هذه الشهادات جميعها، يبدو الحنين حاضرًا، لكنّه ليس حنينًا رومانسيًّا. إنّه حنين مهدّد، مذعور، يكتب تحت القصف، وعلى أنين المسيّرات لا من شرفة التأمّل. وحين قرّرتُ كتابة هذا التحقيق، لم أكن أقف خارجه تمامًا. كنتُ أكتب وأنا أحمل ارتباكي الشخصيّ كلّه تجاه كلمة “نزوح”. فأنا أيضًا نازح من قريتي الحدوديّة كفرحمام، التي غادرتها منذ الأيّام الأولى لحرب غزة و”حرب الإسناد” في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023، ولم أعد إليها حتّى اليوم.

لم تكن الحرب وحدها سبب الغياب، بل أيضًا ذلك الانهيار المعيشيّ المترافق مع الحرب الذي جعل العودة أكثر تعقيدًا وقسوة، ولو أنّني كنت أملك قدرةً معيشيّة أفضل، لما تركت كفرحمام أصلًا، ولا غادرت “خلّة مخايل” التي ما تزال تسكنني أكثر ممّا أسكن أيّ مكان آخر.

والمفارقة الأكثر إيلامًا أنني وُلدت أصلًا نازحًا بالوراثة ككثير من الجنوبيّين عن تلك الأرض. ففي مطلع الثمانينيّات، كانت كفرحمام ومساحات واسعة من الجنوب تحت الاحتلال الإسرائيليّ، وكانت العائلة قد ابتعدت منها قسرًا. كأنّ النزوح لم يكن حادثة عابرة في حياتي، بل ظلًّا طويلًا يرافق الولادة والنضج والكتابة معًا.

وحين عدتُ إلى القرية قبل سنوات، ظننتُ أنّني أخيرًا أصل إلى صيغة مستقرّة مع المكان، وأنّ تلك العلاقة المعلّقة مع الجنوب انتهت. لكنّ الحرب أعادت فتح الجرح نفسه، كأنّ الجنوب يختبر أبناءه دائمًا بقدرتهم على الفقد. لهذا، بينما كنتُ أستمع إلى شهادات الشعراء النازحين، لم أكن أتعامل معها بوصفها مادّة صحافيّة باردة، بل كنت أسمع في أصواتهم شيئًا من صوتي الشخصيّ أيضًا. ذلك الصوت الذي يحاول أن يقنع نفسه بأنّ الإنسان ربّما ينجو من النزوح مرّة، لكنه لا يخرج منه كاملًا أبدًا.

مأوى موقّت للروح

تكشف هذه الأصوات أنّ النزوح لا يغيّر موضوع القصيدة وحسب، بل يعيد تعريف وظيفة الشعر نفسها. فالشاعر النازح لا يكتب من موقع الراصد، بل من قلب الانهيار. اللغة عنده تصبح وسيلة بقاء، والقصيدة تتحوّل إلى مأوى موقّت للروح. في أزمنة الحروب، ربّما يفقد الإنسان بيته، قريته، وحتّى صورته القديمة عن نفسه. لكنّ الشعراء ممّن تحدثوا هنا يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه: الصوت.

ربّما لهذا السبب تحديدًا، لم يعد الشعر عندهم ترفًا جماليًّا، بل فعل مقاومة ضدّ المحو. وحين تضيق الجغرافيا، كما قال علي دهيني، يصبح صوت الشاعر نفسه “وطنًا بديلًا”.

قصائد للشعراء الذين شاركوا معنا في هذا التحقيق كانوا قد كتبوها في نزوحهم:

صهيلُ الرئةِ الأخيرة

أَتُراكَ تَحْسَبُ بالنُّزوحِ هزمتَني؟
وخَنقتَ في حَلْقِ المدى صَرخَاتي؟
أَنَا جمرةُ اللهِ التي لا تنطفِي
حتَّى وَإِنْ ضاقتْ عليَّ جِهاتي
أَنا غابةٌ تمشي .. وقلبُ عِنَادِهَا
في الأَرضِ ينبضُ مِنْ صهيلِ رِئاتي
أَنَا صَخْرُ «عامِلَ» .. لَا يُبدِّلُ ظِلَّهُ
حتَّى ولو صَلبوا عليهِ رُفاتِي
أَنَا مَنْ يُعيرُ الرِّيحَ صِدقَ هُبُوبِهَا
وأَعِيرُ وجهَ الشمسِ بعضَ ثباتِي
أَنَا جارُ مهدِ الأَنبياءِ .. وقِصَّتي
أَنَّ الكرامةَ كُلَّها مِرآتِي
لَمْ يعرفِ الإذلالُ دربَ عقيدتي ..
نحنُ الأُباةُ .. وسادةُ الأَزماتِ
​ضلَّتْ رُؤاكَ فلمْ تنَلْ مِنْ هَيبتي
فالنَّازحُونَ .. قيامةُ الطُّرُقاتِ
هدَّمْتَ سقْفي؟ ..
كنتُ أَحبِسُ خلفَهُ
سِرْبَ النُّسُورِ .. فأُطْلِقَتْ هجماتي
​خابتْ ظُنونُكَ لستُ قَشًّا تَائهًا
أَنَا آخِرُ الأَحياءِ .. بعدَ مماتي
​أنا بعدَ هذا الكونِ باقٍ .. لَمْ أَمُتْ
لا مَجدَ فِي الدُّنيا .. بغيرِ حياتي
أَنَا سِدرةُ الأَزمانِ فِي عليائِها
والوَحيُ مكتُوبٌ على صَفحَاتي

علي وهبي دهيني (كتبها خلال زحمة النزوح بين صور وصيدا)

………………………………………………………………………….

قلبي وقلب النازحين مساءُ
أو كلّما لمحوا الديار أضاؤوا؟!
أو كلّما نهشَ الحنينُ ضلوعهم
غصّت على كتف الحقائب ياءُ
يا بيتنا في الغيم يا كوخَ الندى
ما زال في صدر الغريب شواءُ!
ما زال يُفرِغُ صوتَه ويعيدُ
ترميمَ الكلام كما الحنين يشاءُ
والحق تُبكيني القصائد لا السهام
فكيف يُكتَبُ للجنوب رثاء؟
بي حاجةُ الأشلاء في أن لا تُرى
وتظلّ صاحيةً بها الأسماءُ
لا بأس يوجعني المكانُ
يخونني هذا الزمان، فكله ضوضاء!
يا بيتنا خلف الدخان تقدّستْ
في راحتيكَ دموعُنا الخرساءُ
ما بيننا عتبُ البيوت لأهلها
ويدٌ تلوّح لهفة لو جاؤوا
ما بيننا يا صور بُحة فاقدٍ
كصدى كتومٍ يعتريه بكاءُ !
جبلٌ من الأحزان ينمو داخلي
لكأنْ بكلّ خلية شهداء
لكأنَّ ضيعتَنا التي في النار
كفٌّ في أصابعها استوى الشعراء
من يوم ربّانا الجنوب حرائرًا
نمنا وقوفًا كي تظلّ سماءُ!

حنان فرفور

………………………………………………………………

إهداء إلى ابن بلدة حاروف المواطن حسّان عياش الذي خرج من بين ركام بيته.

وين عايش؟ عايش بغابة…
دوّر على أهلي وعلى صحابي…
بيتي وجعني،
ليش عندك بيت؟
مبارح عصرتو من عيوني زيت…
ولما انكسر فوقي قلب بابي…
بالريح علّقتو ووقت فلّيت..
لبستو من المنشر على تيابي…

يامن رضا

…………………………………………………..

رح تعرفن .. طبعًا ما هنّي كتار
مدّو على خدودن برادي الكحل
ورشّوا أسامي ولادهن عالنار
بواريد .. كانو يزرعو بالسهل
وعا كلّ كعب صنوبرة.. مفرّخ مزار
رح تعرفن.. طبعا ما هنّي كتار
ربّو طرابين الحبق
إنّو الكرامة ( بالوعر) مش عالورق
وإنّو خيامن مش سهل
لا يندعس عا طرافها .. ولا تنحرق
وإنّو العرض عمرو م عاش بلا أهل
ومهر الأرض.. ما بيدفعو غير النحل

وسام كمال الدين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى