ترانيم الفجر والتبغ نساء الجنوب مجدٌ من تعب وصبر

في سن الـ15 ، وبينما كانت الحرب الأهليّة تلتهم هدوء المدن، لجأتُ إلى قريتي الشهابية. لم يكن مجرّد هروب من الخطر، بل كان اكتشافًا للحياة في أنقى صورها. هناك، تفتّحت عيناي على عالمٍ يسكنه الهدوء التام، حيث الساعات الأولى من الصباح هي أجمل الساعات، وحيث السيّارات نادرة، والحمار سيّد الطريق ووسيلة نقل وحيدة.
حارسات الدروب والحقول
كانت البساطة هي السمة والجوهر. ومع أول خيوط الفجر، يبدأ “عصب الحياة” بالتحرّك؛ الفتيات اللواتي يحملن على عواتقهنّ مهامًا تنوء تحت الجبال. رأيتهنّ يتوافدن إلى نبع ماء بعيد من البيوت، يملأن الجرار و”الغالونات”، ويعدن بها محمّلة فوق الرؤوس مسافات تتجاوز مئات من الأمتار، وفي أحسن الأحوال، فوق ظهر حمار صبور. كان ذلك طقسًا يوميًّا يشتدّ في أواخر الصيف حين تجفّ “البيارات” وتفرغ مخازن الماء.
لم تكن الفتاة هناك تتفرّغ للزينة، بل كانت هي المحرّك؛ من نبع الماء باكرًا، إلى حقول التبغ لقطاف الأوراق، ثمّ “شكّ الدخّان” في خيطان الصبر، وصولًا إلى الخبز والعجن وترتيب المنزل.
لم تكن تلك المشهديّة التي عاينتها بعين المراهق الوافد من صخب بيروت ومآسيها مجرّد تفصيل عابر في كتاب القرية، بل إنّها وثيقة تاريخيّة حيّة تكشف عن هويّة “المرأة الجنوبيّة”. تلك المرأة التي لم تصنعها الرفاهيّة، بل صهرتها مشقّات الطقس وتقلّبات السياسة وقسوة الجغرافيا. هي حكاية صمود كُتبت بحبر عرق الجبين على أوراق التبغ المرّة، ورُسمت ملامحها على ممرّات الينابيع وضفاف الأودية.
مرارة التبغ وحلاوة الصمود
حين كان الرجال يغيبون في هجرات بعيدة بحثًا عن لقمة عيش أفضل، كانت المرأة الجنوبيّة هي “حارسة الهيكل” وصاحبة السيادة في ملكوت الصبر. في حقول التبغ – تلك النبتة التي تشبه تاريخ الجنوبيّين في قدرتها على العيش في التربة القاسية- نجد المرأة تقف شريكة للأرض.
تبدأ الرحلة في عتمة الفجر الساحرة. تخرج الأمّهات وبناتهنّ بأثوابهنّ البسيطة، وأيديهنّ التي صبغتها عصارة التبغ “النيكوتين” بلون الأرض البنّي. لم يكن قطاف أوراق التبغ مجرّد عمل زراعي، بل كان طقسًا وجدانيًّا تتناقله الأجيال. كانت أصابعهن، على رغم طراوة أنوثتها، تمتلك قوّة عجيبة في قطف الأوراق دون كسر الساق، وكأنّهن يمارسن جراحة دقيقة لإنقاذ عائلة من عوز.
وبعد العودة إلى البيوت، تبدأ المرحلة الأكثر إثارة للمشاعر: “شكّ الدخّان”. تجتمع النسوة والفتيات في زواريب القرية أو تحت ظلال شجيرات التين، وبأيديهن “ميابر” وهي إبر طويلة، وخيطان متينة، ينظّمن الأوراق ورقة تلو أخرى. في تلك الجلسات، كانت تُنسج أيضًا حكايات القرية؛ تُروى قصص الحبّ العذريّ، وتُغنّى “الدلعونا” و”العتابا”، وتُمرّر النصائح من الجدّات إلى الحفيدات. كان “شكّ الدخان” مدرسة اجتماعيّة متكاملة، تُعلّم الفتيات الصبر والأناة، وتزرع في نفوسهن أنّ الخبز لا يأتي إلّا من رحم التعب.
زراعة التبغ، التي شكّلت لقرون عصب الاقتصاد الريفيّ في الجنوب، قامت على أكتاف النساء بنسبة تتجاوز الـ70 في المئة من الجهد العضليّ واليوميّ.
ترانيم الفجر والبركة
كانت رائحة الخبز الطازج المتصاعدة من طوابين القرى في جبل عامل هي الإعلان اليوميّ عن انتصار الحياة على الركود، وعن بقاء الإنسان متجذّرًا في أرضه.
لا يمكن لقارئ تاريخ الجنوب اللبنانيّ أن يغفل دور عيون الماء. كانت العين في الوجدان الشعبيّ أكثر من مصدر رئيس للمياه؛ كانت منتدى القرية غير الرسميّ. عند العين، تلتقي الصبايا، وتزدهر الأحاديث، وتتبادل الأمّهات الأخبار. وحين كانت الفتاة تعود وحملها فوق رأسها، مستقيمة القامة كالرمح، لم تكن تحجل بمشيتها ترفًا، بل كان توازنًا فرضته الحاجة ووعورة الدروب، وصنع منها أيقونة في الجمال والصلابة على حدّ سواء.
أمّا حول التنّور أو الطابون، فكانت المرأة الجنوبيّة تحوّل الطحين والماء والنار إلى معجزة يوميّة. في تلك الغرف الطينيّة الصغيرة، كانت الأمّهات يواجهن حرارة الصيف ولفحات الشتاء ليؤمّنّ قوت العائلة. تلك السواعد السمراء التي تقلّب رغيف الخبز على الصاج الملتهب، هي نفسها التي كانت تحضن الأطفال وتهدهدهم كي يناموا على وقع أصوات القذائف البعيدة، مانحة إيّاهم الأمان الذي عجزت عنه الاتّفاقيّات السياسيّة البائدة.
عماد اقتصادي غير معلن
تاريخيًّا، لم يكن دور المرأة الجنوبيّة مقتصرًا على الدور الرعويّ أو المنزليّ. إنّ نظرة سوسيولوجيّة عميقة لتركيبة المجتمع الجنوبيّ تكشف أنّ المرأة كانت “العماد الاقتصاديّ” غير المعلن للقرية. فزراعة التبغ، التي شكّلت لقرون عصب الاقتصاد الريفيّ في الجنوب، قامت على أكتاف النساء بنسبة تتجاوز الـ70 في المئة من الجهد العضليّ واليوميّ.
هذا الدور الاقتصاديّ والاجتماعيّ المحوريّ تُرجم تباعًا إلى وعي سياسيّ ووطنيّ متقدّم. فالمرأة التي سقت الأرض بعرقها، لم تتردّد عن سقايتها بدموعها وبأبنائها حين يحدق خطر في الوطن. من منّا ينسى قصص نساء من الجنوب في مواجهة الاحتلال، حيث حوّلن بيوتهنّ الضيّقة إلى ملاذات آمنة للمقاومين، وحيث كانت الأمّهات يهرّبن السلاح والتموين تحت أثوابهنّ الفضفاضة، متّكئات على شجاعة تفوق شجاعة الجيوش المنظّمة. إنّ امرأة صمدت في قريتها تحت القصف، ورفضت النزوح لتبقى بجانب شتيلات التبغ وبقرتها وحقلها، هي مقاوِمة بالمعنى التاريخيّ العميق للكلمة.
المرأة الجنوبيّة أسلوب حياة
المرأة الجنوبيّة لم تكن يومًا على هامش التاريخ، بل كانت هي التاريخ في أنقى تجلّياته الوجدانيّة. هي الأمّ، والأخت، والفلّاحة، والمقاوِمة، والمربّية. اليوم، كلّما نظرت إلى خارطة الوطن، أرى وجه تلك الفتاة الجنوبيّة الصابرة ينعكس على صفحة مياه اليونبوع، وأشتمّ رائحة تبغ ممزوجة بعرقها، وأدرك أنّ الجنوب لم يبقَ صامدًا بأرضه فقط، بل بصبر نسائه اللواتي جعلن من التعب مجدًا، ومن الصمود أسلوب حياة.




