ذاكرة الجيرة الجنوبيّة.. أزهار حديقة ومواسم لوز وجنارك

بعد الإعلان عن حرب الإسناد في الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023، وتطوّرات الحرب التي اندلعت في الجنوب، اضطرّت مريم سرحان عبدالله إلى ترك منزلها الكائن في بلدة كفركلا الحدودية قسرًا. انتقلت سرحان مع زوجها وابنتيها وابنها الصغير إلى منزلٍ جديد في قرية القصيبة (النبطية)، التي لم تكن قد طالتها الاعتداءات بعد.
زهرة تختصر الحنين
بعد أيّام قليلة من انتقال العائلة إلى القرية الجديدة، طلب الابن الصغير، محمّد، من والدته أن تشتري له نبتة القرطاسية (Hydrangea). كان في حينه يبلغ السابعة من عمره، ولذلك استغربت الوالدة طلبًا مثل هذا من طفلٍ صغير. لكن وبعد أيّام عدّة من إصراره، بدأت تبحث عن مشتلٍ يبيع زهرة القرطاسية. في النهاية، لم تجد سرحان الزهرة التي طلبها ابنها، فجلبت له زهرة قرنفل عوضًا عنها.
رضي الطفل بزهرة القرنفل، وبدأ يعتني بها بشكلٍ يومي، فيما ظلّت والدته مستغربة كلّ هذا الاهتمام بزهرة من طفلٍ عمره سبع سنوات.
استغرق الأمر أيّامًا أخرى حتّى أدركت سرحان المعادلة. استخدم طفلها هاتفها ليتّصل بجارتهما “أمّ شادي”، التي أُجبرت هي أيضًا على ترك منزلها في كفركلا، فسألها عن حالها، وعن حال حديقتها، وعن الزهور والورود التي كانت تعتني بها. كان الطفل عبدالله يريد بشدّة أن يعتني بزهرة تشبه تلك الزهور التي كانت تملأ حديقة أمّ شادي، أراد أن يحافظ على أمّ شادي وحديقتها في ذاكرته.
ذاكرة بطعم اللوز والجنارك
اليوم، أصبح محمّد في العاشرة من عمره، واضطرّ إلى الانتقال مرّةً أخرى من منزل القصيبة، الذي لم يعد آمنًا أيضًا. لكنّه، بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على ابتعاده عن كفركلا، ما زال يذكر أمّ شادي، وتلمع عيناه حين يتحدّث عنها.
يقول الطفل لـ”مناطق نت”: “كانت أمّ شادي كريمة جدًّا، تخصّنا باللوز والجنارك حين يهلّ موسمهما. كنت أحبّ قضاء الوقت معها واللعب في حديقتها”. ويضيف بعفويّة “أتمنّى أن أعود إلى كفركلا كي نعيد بناء المنزل ونسكن فيه، وأتمنّى أن تعود أمّ شادي أيضًا، لكن إن قرّرت هي عدم العودة فلا بأس، المهمّ أن تكون مرتاحة حيثما هي الآن”.
أكثر من جارة
ليس الطفل محمّد وحده من يحنّ إلى أمّ شادي، والدته أيضًا تذكرها بالخير والحنين. تقول سرحان لـ”مناطق نت”: “أمّ شادي، وهي في السبعينيّات من عمرها، كانت تعيش بجوارنا مع زوجها أبو شادي. جميع أولادي يحبّونها، هي حنون وكريمة، وكانت تهتمّ بأولادي وكأنّهم أولادها”، وتضيف: “الآن تعيش أمّ شادي في بيروت، وأذهب دومًا لزيارتها كلّما سنحت لي الفرصة”.
تعود سرحان إلى أيّام السلم وإلى تفاصيل جيرتها مع أمّ شادي: “كان زوجها يعمل في الزراعة. وحين يحلّ موسم اللوز، كانت تخصّنا بحصّة من الثمر، وكذلك حين يحلّ موسم الجنارك أو الخوخ. كنت آتمنها على منزلي وحديقتي وأطفالي حين أذهب في مشوارٍ بعيد، وكانت تفعل ذلك كذلك”.
لا تذكر سرحان أو أطفالها أمّ شادي من دون ذكر حديقتها، وكأنّ سيرة أمّ شادي مرتبطة بالحديقة والورود، وذكر الحديقة والورود متعلّق بأمّ شادي. تفتح سرحان معرض الصور في هاتفها لتبحث عن صورةٍ لتلك الحديقة، فتجدها، وتتأمّلها، ثمّ تبتسم.
ترتبط ذاكرة الجنوبيّين بالطقوس والأشخاص أكثر من ارتباطها بالحجر.
الجيرة شبكة أمان مزّقتها الحرب
ليست سرحان وحدها التي تحمل معها حنينًا إلى جارتها. في القرى الجنوبيّة، لا تُعدّ الجيرة مجرّد علاقة اجتماعّية بين أشخاص تجمعهم بقعة جغرافيّة واحدة، بل هي شبكة أمان غير معلنة يعتمد عليها السكّان في تفاصيل حياتهم اليوميّة.
في ظلّ محدوديّة الخدمات العامّة، اعتاد الجيران أن يكونوا السند الأوّل بعضهم لبعض، يتفقّدون المنازل عند غياب أصحابها، ويعتنون بالأراضي الزراعيّة، ويرعون الأطفال وكبار السنّ، ويتقاسمون المؤونة. بالنسبة إلى كثيرين من الجنوبيّين، فإنّ الحرب سلبتهم شبكةً من رعاية متبادلة كانت تخفّف أعباء الحياة.
الأرض تجمع الجيران
لعبت الزراعة دورًا محوريًّا في ترسيخ هذه العلاقات بين جيران القرى الجنوبيّة. لم تكن مواسم الزيتون والتبغ واللوز والتين والعنب مجرّد مواسم فرديّة بقدر ما كانت مناسبات جماعيّة يتشارك فيها الجيران العمل وقطف الثمار. يساعد أحدهم الآخر في القطاف، ويوصيه على أرضه إذا اضطرّ إلى السفر، ويتبادل معه ما تجود به المواسم.
ولأنّ كثيرين من أبناء القرى الجنوبيّة عاشوا في المكان نفسه عشرات السنين، وأحيانًا لأجيالٍ متعاقبة، تحوّلت الجيرة إلى امتدادٍ للعائلة. كبر الأطفال معًا، وشهد الجيران زيجات بعضهم، وولاداتهم، ووفيّاتهم، وأصبحت كلمات مثل “خالتو” و”عمّو” تُستخدم لوصف الجيران بقدر ما تُستخدم للأقارب.
حين اضطرّ السكّان إلى ترك منازلهم، اضطروا كذلك إلى الابتعاد عن جيران شاركوهم ذاكرة الحياة اليوميّة. وتفاصيلها
الحرب تسلب نعمة الجوار
يحمل النزوح من الجنوب معنىً يتجاوز الانتقال من مكانٍ إلى آخر. تفرّق أبناء الحيّ الواحد بين عشرات البلدات والمدن، فتفكّكت العلاقات التي كانت تقوم على اللقاء اليوميّ. وعلى رغم أنّ الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعيّ حافظت على حدّ أدنى من التواصل، فإنّها لم تستطع تعويض الحياة المشتركة التي كانت تُنسج تلقائيًّا كلّ يوم.
الجيرة لا تُبنى بالمحبّة وحدها. التفاصيل الصغيرة التي تتكرّر يومًا بعد يوم، والطقوس البسيطة هي التي تحوّل شخصًا يسكن جوارنا إلى جزءٍ من حياتنا. لم تقتصر أضرار الحرب على هدم الأرزاق وقتل الأحبّة، دمّرت الحرب أيضاً الإيقاع اليوميّ المشترك بين سكّان الحيّ الواحد، الذي كان يمنح قراهم شعور الألفة.
ذاكرة تنبت في حديقة
ترتبط ذاكرة الجنوبيّين بالطقوس والأشخاص أكثر من ارتباطها بالحجر. فحين يستعيدون صور قراهم، يتذكّرون المرأة التي كانت تزرع الورود أمام منزلها، والرجل الذي كان يوزّع اللوز في موسمه.
بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على مغادرته كفركلا، لم ينسَ الطفل محمّد عبدالله حديقة أمّ شادي. علاقته بهذه الجارة وحديقتها تشكّل، بالنسبة إليه، طفولته نفسها. لقد اقتلعت الحرب من الناس طقوسًا يوميّة صنعت لهم معنى الجيرة، وحوّلت وجوهًا كانوا يرونها كلّ يوم إلى ذكريات يعيشها كلّ واحد منهم حيث مكان نزوحه. واقتلعت أيضًا الطفل محمّد عبدالله من حديقةٍ كانت الجنّة بالنسبة إليه.



