عند دوّار شاتيلا أرواح عابرة للبحار واللغات

عند دوّار شاتيلا، تبدو مقبرة الشهداء جزءًا عاديًّا من مدينة، ثمّ ما إن تقترب من بوّابتها حتىّ يتبدّل كلّ شيء. السيارات خلفك، الزحام خلفك، بيروت اليوميّة خلفك، وأمامك ممرّات ضيّقة بين قبور تحمل أسماء جاءت من جهات الأرض كلّها، لتستقرّ في هذا الركن من العاصمة. هنا تصير الخطوة قراءة، ويصير المشي بين الرخام انتقالًا بين حكاية وحكاية، بين جسد غاب واسم ما زال يدور في الذاكرة.
عند المدخل، تستقبلك صورة ياسر عرفات (الرئيس الفلسطينيّ). حضورها يعطي المكان مفتاحه الأوّل. هذه مقبرة مرتبطة بفلسطين، لكنّها أوسع من فلسطين وحدها. فيها ثوّار، شعراء، فنّانون، قادة، صحافيّون، مقاتلون، رفاق درب، أزواج وزوجات، غرباء صاروا من أهل القضيّة، وأهل قضيّة صاروا من تاريخ بيروت. هنا تختلط القوميّة باليسار، والإيمان بالفكرة، والبلدان البعيدة بالشارع القريب. هنا مسلمون ومسيحيّون وبوذيّون وشيوعيّون وقوميّون سوريّون ولبنانيّون وفلسطينيّون ويابانيّون وأتراكٌ وبنغاليّون ومغاربة ومصريّون وسوريّون. الرخام في هذا المكان يكتب التاريخ بالأجساد والأرواح.
بيروت خريطة من رخام
أمشي بين الصفوف فأجد أسماء يابانيّة تستوقفني: ياسوكي ياسودا، باكاو هيموري، أوسامو ماروكا. أسماء بعيدة من العربيّة، من اللكنة المحلّيّة، من خرائطنا الصغيرة، لكنّها حاضرة هنا بصفاء كامل. كيف يصل اسم يابانيّ إلى مقبرة عند دوّار شاتيلا؟ وحدها القضايا الكبرى تفعل ذلك. وحدها الفكرة حين تتحوّل إلى قدر تعبر البحار واللغات والديانات، وتمنح الغريب حقّ الإقامة في ذاكرة الجماعة.
ثمّ يظهر اسم من بنغلادش، وآخر من المغرب، وأثر تركيّ، وأسماء مصريّة وسوريّة ولبنانيّة. كأنّ المقبرة خريطة بديلة للقرن العشرين، خريطة ترسمها المواقف، لا المعاهدات. في المقبرة، الحدود السياسيّة تفقد صلابتها، وتبقى الصِلات الإنسانيّة: من اختار أن يكون هنا، ومن مات هنا، ومن دُفن هنا وديعة في انتظار عودة أكبر من حياة فرد.

توفيق عبد العال
في عمق المسار، أصل إلى ضريح الفنّان التشكيليّ توفيق عبد العال. الاسم وحده يفتح بابًا على عكّا، على نكبة 1948، على انتقال الفلسطينيّ من بيته إلى مخيّمه، ثمّ إلى لوحته. توفيق عبد العال حمل المدن التي خسرها الفلسطينيّ في اللون والخطّ والكتلة. عاش في لبنان، وعرض أعماله في بيروت ودمشق وبغداد وطرابلس الغرب، وجعل من الفنّ استمرارًا للحكاية.
عند قبره، تشعر بأنّ الفنان حين يغيب يترك أكثر من سيرة. يترك عينًا درّبت نفسها على حفظ ما يتعرّض للمحو. في مقبرة الشهداء، يقف توفيق عبد العال كمن يقول: “إنّ اللوحة أيضًا تقاتل، وإنّ اللون قد يكون وثيقة حين تبهت الوثائق”.
كمال خير بك القصيدة والسياسة
غير بعيد، يقف ضريح الشاعر كمال خير بك، وفوقه رمز الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ. ولد كمال خير بك شاعرًا مبكرًا، وذهب في اللغة بعيدًا، من بيروت إلى باريس وجنيف، حيث كتب أطروحته عن الحداثة في الشعر العربيّ. صدر ديوانه “البركان”، ثمّ “مظاهرات صاخبة للجنون”، ثمّ جاءت نصوصه الأخرى محمّلة بتوتّر الشاعر الذي يرى العالم من داخل العاصفة.
في قبره، تلتقي القصيدة بالسياسة. كمال خير بك يذكّر الزائر بأنّ الكلمة حين تنتمي إلى زمن مضطرب تصير موقفًا، وأنّ الشاعر قد يدفع ثمن رؤيته مثلما يدفع المقاتل ثمن بندقيّته. هنا لا تقف القصيدة على هامش التاريخ، بل تدخل في صلبه، وتبقى شاهدة على زمن أراد من اللغة أن تكون جبهة أخرى.
غسان كنفاني ولميس نجم
أتابع المشي فأصل إلى قبر غسّان كنفاني، وإلى جانبه لميس نجم، المراهقة ابنة شقيقته التي صارت جزءًا من الفاجعة. هنا تصمت الخطوات أكثر. غسّان ليس اسم كاتب فقط. هو حكاية شعب كتب نفسه بالحبر والدم. من “رجال في الشمس” إلى “عائد إلى حيفا”، كان كنفاني يكتب الفلسطينيّ بوصفه إنسانًا معلّقًا بين وطن مسلوب وذاكرة تقاوم.
أتابع المشي فأصل إلى قبر غسّان كنفاني، وإلى جانبه لميس نجم، المراهقة ابنة شقيقته التي صارت جزءًا من الفاجعة.
اغتيل في بيروت، وصارت بيروت منذ ذلك اليوم تحمل جزءًا من جسده وجزءًا من لغته. قرب قبره، تقرأ عبارته عن أننا نعيش في بعضنا، فتفهم أنّ الكتابة عنده كانت شكلًا من أشكال البقاء. لميس، باسمها الصغير، تمنح القبر قسوة مضاعفة: الاغتيال هنا طال كاتبًا وطفولةً في لحظة واحدة.
ماجد أبو شرار
ومن غسان إلى ماجد أبو شرار، تمتدّ الحكاية خارج بيروت. ماجد الذي اغتيل في روما، يعود في هذا المكان إلى صفوف رفاقه. كان رجل إعلام وسياسة وتنظيم، وصوتًا من أصوات الفلسطينيّين في زمن كان فيه الإعلام جزءًا من المعركة. قبره في بيروت يربط العاصمة بروما، ويربط الكلمة بالرصاصة، ويربط الاغتيال بذاكرة جماعيّة تعرف أسماء قتلتها كما تعرف أسماء شهدائها.
ماجد أبو شرار يفتح في المقبرة باب العواصم البعيدة. هنا ندرك أنّ الصراع كان يمشي في المطارات والفنادق والقاعات والجرائد، مثلما كان يمشي في المخيّمات وعند الحدود. لهذا يحمل قبره معنى الانتشار؛ جسد في بيروت، وحكاية موزّعة على أكثر من مكان.
“الأمير الأحمر”
وهنا يرقد علي حسن سلامة، “الأمير الأحمر”، الرجل الذي جمع بين صرامة الأمن وبريق الأسطورة. كان اسمه يتحرّك في الظلّ وتتبعه الأضواء، قائدًا أمنيًّا يعرف سرّ اللعبة القاسية، وشخصيةًّ خاطفةً صنعت حولها بيروت حكايات كثيرة. زواجه من ملكة جمال الكون جورجينا رزق زاد حضوره سحرًا والتباسًا، كأنّ حياته وقفت بين جهاز سرّيّ وعدسة كاميرا، بين مطاردة مفتوحة ومدينة تحبّ الرجال الذين يمرّون فيها مثل خبر عاجل.
أبو ماهر اليماني
في صف آخر، يظهر أبو ماهر اليماني إلى جانب شقيقه ماهر. هنا تدخل العائلة في السياسة، وتدخل السياسة في العائلة. أبو ماهر ليس فردًا منفردًا في سرديّة طويلة، بل واحد من جيل حمل النكبة كجرح شخصيّ ومشروع عام. قبره قرب شقيقه يعطي المشهد حرارة إنسانيّة: الثورة هنا ليست بيانات ومؤتمرات فقط، بل إخوة، بيوت، أمّهات، أزواج، أبناء، وأعمار كاملة صارت جزءًا من طريق طويل.
في هذه الزاوية، يفقد التاريخ صلابته الباردة ويعود إلى عناصره الأولى: بيت، فراق، قرار، خوف، شجاعة، واسم يكتبه الرخام كي تبقى الحكاية قابلة للنداء.
شفيق الحوت وبيان نويهض
هنا أصل إلى ضريح شفيق الحوت وزوجته بيان نويهض الحوت. هنا تلتقي السياسة بالتأريخ. شفيق الحوت أحد الوجوه الفلسطينيّة البارزة في لبنان، رجل خطابة وموقف وتمثيل، وبيان نويهض الحوت مؤرّخة وباحثة أعطت الذاكرة الفلسطينيّة أدواتها المكتوبة.
وجودهما معًا يمنح القبر معنى مزدوجًا: رجل عاش القضيّة في السياسة، وامرأة حفرت في وثائقها وناسها ومجازرها وذاكرتها. عندهما، تصبح العائلة مؤسّسة معنى، ويصبح القبر صفحة من كتاب طويل. كأنّ السياسة هنا تحتاج إلى من يؤرّخها، وكأنّ الذاكرة تحتاج إلى من يحرسها من التلاشي.
الـ”كمالان” ومحمّد يوسف النجّار
نصل إلى الكمالين: كمال ناصر وكمال عدوان. الاسمان يحضران بثقل خاص. كمال ناصر، الشاعر والناطق والصوت السياسيّ، وكمال عدوان، القائد التنظيميّ، يختصران مرحلة كاملة من الصراع. وإلى جوارهما يحضر محمد يوسّف النجار، أبو يوسف، الذي كُتب على ضريحه أنّه دُفن وديعة في بيروت حتّى عودته إلى فلسطين.
هذه العبارة وحدها تكفي لتلخيص مأساة شعب. حتّى القبر موقّت. حتّى الموت ينتظر العودة. حتّى الرخام يحمل وعدًا مؤجّلًا. في هذه اللحظة، تصير بيروت حارسة موقّتة لأجساد تنتظر وطنها. كأنّ الأرض هنا تقول إنّها تستضيفهم، فيما وجهتهم الأخيرة ما زالت هناك، خلف الحدود، خلف الزمن، خلف ما تأخّر من عدالة.
بشرى عبد الصمد
ثمّ تأتي التفاصيل الصغيرة، وهي أكثر ما يلامس القلب. على قبر الصحافيّة اللبنانيّة بشرى عبد الصمد ثمّة عبارة: “كالفراشة تعودين”. جملة رقيقة وسط هذا الثقل كلّه. بشرى، باسمها ومهنتها، تمنح المكان طبقة أخرى: الصحافة شاهدة أيضًا، والصوت الذي ينقل الخبر ربّما يصبح خبرًا في يوم من الأيّام.
بشرى تزوّجت من مسيحيّ لبنانيّ، لذلك عاقبتها طائفتها بأن نفتها كي تدفن بعيدًا من مقابر الطائفة.
مسلمون ومسيحيّون وبوذيّون وشيوعيّون
مع كلّ خطوة، أشعر أنّني أمشي داخل كتاب مفتوح. الصفحات من رخام، والفصول من أسماء، والحبر من حيوات انتهت كي تبقى الفكرة حيّة. في هذه المقبرة، لا يعود الشهيد رقمًا، ولا يبقى القائد لقبًا، ولا يظلّ الفنّان صاحب لوحة، ولا الكاتب صاحب كتاب. كلّ واحد يستعيد حكايته من خلال موقعه في هذا المكان.
يابانيّ بجانب عربيّ. مسلم بجانب مسيحيّ. بوذيّ بجانب شيوعيّ. فلسطينيّ بجانب لبنانيّ. كأنّ المقبرة تقول إنّ القضايا الكبرى تجمع من لم تجمعهم الولادة، وتمنحهم قرابة أعمق من الدم. هنا لا تسأل القبور عن ديانة صاحبها ولا حزبه ولا لغته الأولى. تسأل فقط: أيّ معنى حمله؟ وأيّ ثمن دفعه؟ وأيّ أثر تركه لمن جاء بعده؟
الغروب فوق الرخام
حين يهبط الغروب على الرخام، تتغيّر الأسماء. تصير أوضح، أثقل، أقرب إلى الصوت. الظلال تمتدّ بين القبور، والمدينة تعود من بعيد بضجيجها، لكنّ المكان يحتفظ بإيقاعه الخاص. عند الخروج، لا تغادر المقبرة كما دخلتها. تحمل معك أسماء كثيرة، وحكايات أكثر، وأسئلة عن هذا العالم الذي جعل أناسًا من اليابان والمغرب وبنغلادش وتركيّا ومصر وسوريّا ولبنان وفلسطين يجتمعون في صمت واحد عند دوّار شاتيلا.




