لو نطقت قطتي “جنجر” لقالت كثيراً عن ظلم الحرب والنزوح

لو أنّ القطط والحيوانات تنطق، كيف كانت ستصف رحلتها مع النزوح؟ هل تخيّلتم شعورها وهي لا تعرف لماذا توضع عنوةً في قفصها، بعد أن اختبأت تحت السرير هربًا من صوت الغارات؟ حال الهرج والمرج حولها، الصراخ، والخوف في عينيّ الشخص الذي تظنّه أمّها. لماذا حملتني “ماما” بهذه الطريقة وركضت بي إلى السيارة؟ ربّما كان هذا أوّل سؤال دار في ذهن ابنتي “جنجر”، ذات السنوات الخمس، عقب الاستهداف الذي طال الضاحية الجنوبيّة بعد منتصف ليل الأحد المشؤوم.
من خزانة الملابس لحقيبة النزوح
“جنجر”، التي هربت إلى خزانة الملابس كي تحتمي بين ملابسي بعد الصوت الذي مزّق سكينة الليل، قفزت مذعورة من السرير على وقع صراخ الجيران وصوت أخي يناديني من الغرفة الثانية: “فاطمة… ضربوا”.
أوّل ما فكرت فيه لم يكن الملابس أو الأوراق الثبوتيّة، بل: أين الحقيبة التي أضع فيها “جنجر”؟
كانت تنظر إليّ بعينين حائرتين، وكأنّها تدرك أن شيئًا مخيفًا يحدث. لم تقاومني كعادتها وأنا أضعها في حقيبة الظهر المخصصة لها، والتي أصبحت صغيرة عليها بعض الشيء، وكأنّها كانت تعلم أنّ أيّ محاولة للمشاكسة ليست سوى إضاعة للوقت. ركضت بها على الدرج مدفوعة بغريزة أمومة يفهمها كلّ من ربّى روحًا بريئة، ويعرف أن وصفها بهذا الشكل ليس مبالغة.
وضعت الحقيبة على المقعد المجاور لي في السيارة. كانت “جنجر” تموء بصوت يملؤه الخوف. فتحت الحقيبة قليلًا، ومددت يدي إليها مطمئنة: “أنا هنا… لا تخافي”، فهدأ أنينها تدريجًا.
بقيت “جنجر” يومًا كاملًا من دون أكل أو شرب، وبقي صندوق الرمل الخاصّ بها نظيفًا. حتّى إنها لم تخرج من تحت السرير على رغم كلّ الإغراءات التي قدّمتها لها على شكل قطع “التريت”، التي كانت، ما أن تسمع صوت فتح غلافها، حتى تركض من أقصى البيت حبًّا بكرشها الصغير.
القطط تشعر بالخوف، وتعيش الرعب كاملًا، من دون أن تعرف لماذا تغيّر العالم فجأة من حولها؟
القطط تخاف مثلنا؟
تقول مديرة العمليّات في جمعيّة Animals Lebanon، ريم صادق، إنّ القطط لا تشعر بالخوف فقط، بل تتأثّر نفسيًّا بشكل كبير، وقد يسبّب لها التوتّر الحاد مشكلات صحّيّة حقيقيّة. وتضيف لـ“مناطق نت”: “قد تتوقّف عن الأكل، أو يبدأ شعرها بالتساقط، كذلك تضعف مناعتها فتصبح أكثر عرضة للأمراض. هي كائنات حسّاسة جدًّا”.
وتشرح صادق أنّه خلال فترة الحرب، وعند دخول فرق الإنقاذ إلى المناطق المتضرّرة، كانت القطط تختبئ في أماكن يصعب الوصول إليها، مرعوبة إلى درجة أنّ إنقاذها كان يحتاج أحيانًا إلى أشخاص محترفين. لذلك كان أصحابها يتواصلون مع الجمعيّة لأنّهم لم يكونوا قادرين على الإمساك بها من شدّة خوفها.
ولاحظت الفرق الميدانية كذلك أنّ كثيرًا من القطط فقدت شهيّتها للطعام ودخلت في حال صدمة نفسيّة واضحة. فالحرب، بحسب صادق، لا تؤثّر في البشر وحسب، بل تمتدّ آثارها إلى الحيوانات أيضًا، وبخاصّة القطط التي تُعرف بحساسيّتها العالية تجاه الأصوات والتغيّرات المفاجئة.
غياب أصحابها يُفقدها شهيّتها
حتّى القطط التي اضطرّ أصحابها إلى وضعها في فنادق أو مراكز رعاية، بسبب إقامتهم في الخيام أو السيّارات أو المدارس، كانت تعاني بشكل واضح. فعند زيارتها، كانت تبدو مرهقة، قليلة الحركة، فاقدة للشهيّة، ويتساقط شعرها بسبب ابتعادها عن أصحابها وشعورها بأنّ كلّ ما حولها غير طبيعيّ.
الفرق الوحيد أنّ الإنسان يستطيع فهم ما يجري حوله، ويُقنع نفسه بأنّ الحرب مرحلة وستمرّ، أمّا الحيوانات فلا تملك هذا التفسير. هي فقط تشعر بالخوف، وتعيش الرعب كاملًا، من دون أن تعرف لماذا تغيّر العالم فجأة من حولها.
ضحايا حرب صامتون
في الحروب، غالبًا ما تُروى قصص البشر وحدهم، فيما تبقى معاناة الحيوانات صامتة وغير مرئيّة. لكنّ القطط التي ترتجف تحت الأسرّة، وتمتنع عن الطعام، وتحدّق بخوف في وجوه أصحابها، تحمل هي الأخرى ذاكرة الحرب وآثارها النفسيّة. وربّما يكون أكثر ما يؤلم في قصّتها أنّها لا تفهم معنى القصف أو النزوح أو الفقد، بل تعيش الخوف مجرّدًا، كما لو أنّ العالم تحوّل فجأة إلى مكان غير آمن، من دون أي تفسير.





