عن متعة الطبخ بوصفه فعل إبداع وذاكرة جماعية

“أنا على عجلة من أمري كي أذهب إلى البيت وأدخل إلى المطبخ وأرمي كلّ العالم ورائي”. بهذه العبارة توجّهتْ إحدى السيدات إلى صديقتها التي التقتها عن طريق الصدفة في إحدى التعاونيّات. بادلتها الأخرى بابتسامة عريضة وقد شاركتها روعة الإنكباب على الطبخ بعبارة طويلة، بينما أنا ومن خلف تبادلهما الحديث، كنت محلّ اقتناع وافر حيال تلك المتعة المتأتّية عن الطبخ، وهي متعة اكتشفتها للأسف الشديد، أخيرًا.

الطعام مجرّة حسّيّة

ثمّة من اعتبر الطعام بمثابة مجرّة حسّيّة، وليس فعل الطبخ في هذا السياق إلّا خوضًا رائعًا في هذه المجرّة، حيث تداخُل النكهات والحواسّ وصولًا إلى تداخُل التواريخ والأساطير والإبداع، وفي البال – بسياق البُعد الأسطوريّ للطبخ – تلك المقولة التي ترى في التوابل مثلًا، محمولات التصقت عن طريق الصدفة بجسد آدم لدى انتقاله من الجنّة إلى الأرض، حيث راحت تتساقط عنه لتينع من ثمّ أصنافًا وأصنافًا.

ليس المطبخ في هذا المتناول مجرّد حيّز لصنع الطعام، بل تراه محلًّا شاسعًا لاستنفار الحواس بدءًا من حاسّة التذوّق، فالشمّ، فالبصر، وصولًا إلى حاسّة اللمس. وليس من باب الصدفة في هذا الصدد أن تكون كلمة Taste الإنكليزيّة والتي تعني الطَعم، مشتقّة من جذر لغويّ أعتق، يعني من ضمن ما يعنيه اللمس باليد Tasten وصولًا إلى الجذر اللاتيني Textare والذي يشير في معناه الأعمّ إلى تحلّي الإنسان بالدقّة لدى ملامسته أشياء العالم.

وعبر هذا الباب تحديدًا لم يتوانَ بعض مؤرّخي الطعام في العالم عن اعتبار الطبخ كنظام رمزيّ يحيل إلى عالم نشتهيه، عالم نأنس بطعمه ومنظره ورائحته ولمسه وتذوّقه بشكل خاص.

ذاكرة شمّيّة

على الرغم من بداهته، ترى الطبخ يستدعي في أحد أبعاده الأسلاف من كلّ حدب وصوب، بدءًا بالأجداد والجدّات الأقرب إلينا تاريخيًّا، وصولًا إلى الأسلاف المنسيّين. وليس من الغرابة في مكان بحسب هذا المعطى تحديدًا أن يكون الطبخ بمثابة العتبة الحسّيّة الشاسعة والمترامية الأطراف التي تمزج التواريخ عبر الأطباق.

ولعل هذا الأمر هو ما حدا ببعض علماء الأنثروبّولوجيا من ذوي الإختصاص بتاريخ الطبخ إلى القول إنّ تاريخ الأجداد هو محل حضور دائم في كلّ وجبة نتناولها، وللذاكرة هنا الحضور الأمتن فضلًا عن تلك الهويّات الاجتماعيّة التي تشتدّ أواصرها عبر عبق النكهات والروائح التي تعود إلى وراء يمتدّ إلى قرون وقرون، وكلّ التبجيل في هذه المناسبة إلى تيقّظ الذاكرة الشمّيّة.

فكلّ طبخة تراها مأهولة بعدد لا يحصى من الطبخات المتداولة والمنقرضة والمنسيّة، وليست تلك النار الهادئة أو المستعرة والتي تعزّز هذا الطعم لهذه الطبخة أو تلك، إلا نارًا مستعارة من ماض حميم، ماض يجيد طبخ الحنين على نار هادئة مع معايير دقيقة جدًّا من الملح والحوامض والتوابل الشهيّة.

تراكم حواسّي

من الوجهة المعنويّة، إنّ الوجبة الشهيّة لا يمكن أن تكون محلّ استهلاك معويّ بأيّ شكل من الأشكال، ذلك أن التراكم الذوقيّ والشمّي فضلًا عن التراكم البصريّ لروعة منظر هذه الوجبة أو تلك، يحيد بالوجبة عن أن تكون محض حاجة بيولوجيّة، ومن هذا المنطلق تحديدًا تحوّل الطبخ لدى بعض ممّن تابعوا تطوّره عبر العصور، إلى واقعة إبداعيّة تتاخم في حدّها الأقصى إبداع الأعمال الفنّيّة.

فإذا كانت اللوحة أو المنحوتة تنصهر عبر محض النظر داخل وعي المتلقّين، فإنّ الطعام كواقعة إبداعيّة تراه ينصهر عبر الجسد بكلّه. بالتالي، ليس من المستغرب أن تكون الفعاليّة الاجتماعيّة للطعام الشهيّ أقرب إلى طقس منسيّ، طقس يسرد تاريخًا ضبابيًّا عبر ذلك الكلام الجزيل الذي يستدعيه الالتفاف حول الموائد العامرة.

ولعلّنا في هذا الصدد بشكل خاصّ إزاء نمط شهيّ من اجترار الذاكرة الجماعيّة عبر فعل اللوك والقرقشة والمضغ، وعبر جمّ الأحاديث التي تلهبها الوجبات. وللكحول في هذا المحلّ تحديدًا تلك الوجاهة الكبرى، ومن باب رغبتي الشخصيّة (وربّما الطائشة جدًّا) تراني أستحضر ذلك المصطلح الإغريقيّ القديم Deipnosophists والذي يشير إلى مائدة الطعام باعتبارها المحفّز الأوفر للجدال الفلسفيّ ولمداولات الفلاسفة وعراكهم الكلاميّ، وصولًا إلى انسجامهم فوق متعة المائدة.

الحنين يشدّني لتلك الوجبات في مطاعم حمرا التسعينيّات حيث تلك المناقشات الحادّة التي كان يرتفع صخبها مع ارتفاع الكؤوس ومع الغوص في متون صحون الطعام الشهيّة.

مطاعم حمرا التسعينيّات

وتراني في هذا الصدد محلّ استطراد ليس في محلّه على الإطلاق، إنّما الحنين يشدّني لبثّه، حيث تلك الوجبات في مطاعم حمرا التسعينيّات مع موسى وهبة وحسن قبيسي وعادل فاخوري ورئيف كرم وإلهام منصور وإدوار القش وغيرهم، وحيث تلك المناقشات الحادّة التي كان يرتفع صخبها مع ارتفاع الكؤوس ومع الغوص في متون صحون الطعام الشهيّة.

إنّه الطعام حيث الذاكرة لا تني تتراقص بصخب على وقع سكب النبيذ في الأقداح، وعلى وقع الوجبات التي تنصهر في أبعاد احتفاليّة الطابع، وذلك عن طريق الصدفة، وكأنّي بالأكل في هذا المنبت الاجتماعيّ أو ذاك، هو أقرب إلى الرمز الذي يمزج اللسان المتذوّق مع اللسان المنطلق في حكي تزيده حدّة التوابل متعة على متعة.

المذاق الحقيقيّ لروما

على الرغم من القاعدة التي تحكم تناول الطعام والتي تقول، نأكل ما طاب ونترك ما خاب، فإنّ الطعام بمجمل وجوهه تراه يتجاوز في بعض أبعاده محض الحاجة الغذائيّة، حيث ترى تلك السطوة لهذا الطبق التاريخيّ أو ذاك تمتدّ لتتجاوز حدود الجوع أو الشبع، أو تباين الطعمات واختلافها، لتحتل – سطوة الأطباق تلك – كلّ ساحات المدينة. وفي البال تلك العبارة التي بثّها أحد مؤرّخي المطعم الإيطاليّ في أثناء حكيه عن نوع بعينه من المعكرونة فقال: إنّ هذه المعكرونة تحديدًا تشكّل المذاق الحقيقيّ لروما.

كانت كلّ من تلك السيّدتين في تلك التعاونيّة تتبادلان الوصفات المطبخيّة حينما سألتُ نفسي بغتة عن المذاق الحقيقيّ لمدينة بيروت؟ لم أورد إجابتي الشخصيّة على هذا السؤال، وأترك الإجابة لقرّاء هذه المادّة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى