الحرب دمّرت بقيّة قصر الفضل الأوّل بساحة النبطيّة

يمكن الجزم أن العدوان الإسرائيليّ الأخير بين الثاني من آذار (مارس) والـ20 من حزيران (يونيو) الماضيين أصاب مدينة النبطيّة في صميم تراثها المعماريّ القديم أكثر مّما أصابها في عدوان 2024، متنقّلًا بين حيّ السراي العتيق وحيّ الميدان والساحة العامّة وشارع حسن كامل الصبّاح وغيرها من متفرّعات الوسط التجاريّ والأحياء المتفرّقة.
دمّر هذا العدوان المتمادي عن سابق إصرار وتصميم دورًا وأبنية يعود تاريخها إلى أكثر من مائة عام، منها السوق التجاريّة في حيّ السراي، حيث انطلقت العمارة الأولى في النبطيّة منذ أكثر من 300 عام، ثمّ مبنى منيف جابر المعروف بمبنى “الجزيرة” إلى دارة الطبيب بهجت الميرزا ومتاجر قديمة مختلفة، وكان ختامها في الـ19 من حزيران الماضي المدخل الرئيس المقنطر لقصر آل الفضل الأوّل في النبطيّة الذي سبق وأن دُمّر بأياد محلّيّة، وكانت بقيّة هذه القنطرة الأكبر في النبطيّة تدلّل على قصّة قصر عريق شهد صولات وجولات سياسيّة واجتماعيّة ودينيّة، عبرت كلها من تحت هذه القنطرة، ولوجًا ومغادرة، وأسّست لتاريخ المدينة على صعد شتّى.
غارات بدّدت ركائز السوق
فخلال الـ19 من حزيران 2026 استهدفت الغارات والقصف الجوّيّ الإسرائيليّ أحياءً عدّة في وسط مدينة النبطيّة، تركّزت في السوق التجاريّة و«ساحة المنشيّة» وسنتر «سليم مروّة» حيث يقع أكبر مركز تجاريّ معروف بـ”محلّات عقيل إخوان” والأبنية المجاورة له، ما أدى إلى دمار واسع وكبير في المجمّعات التجاريّة والمكاتب والشقق السكنيّة في قلب المدينة. وأطاح دمار مركز مروّة وجواره بالبقيّة الباقية من قصر النائب الأسبق فضل الفضل، أوّل قصور العائلة “الصعبيّة” في عاصمة القائمقاميّة آنذاك، والذي جرى هدمه قصدًا وانتقامًا خلال العام 1992 بعدما انتقلت ملكيّته من آل الفضل إلى أحد التجّار المستثمرين، فهدمه وحوّله إلى مرأب للعربات، وكانت بلديّة النبطيّة شاهدة على هذه المقتلة المدمّرة لأهمّ البيوت التراثيّة والتقليديّة والسياسيّة في عاصمة جبل عامل.
إلى دورها الرئيس في الولوج إلى قصر آل الفضل المتربّع على كتف تلّ منحدر بتدرج خفيف وسط ساحة النبطيّة، حيث كانت تجتمع الناس من أبناء المدينة والعابرين في حركة حياة يوميّة، ثمّ تتصاعد في نهاية الأسبوع وبداية آخر، بما يعرف سابقًا بسوق الأحد والإثنين في النبطيّة، ليقتصر لاحقًا مع تطوّر المواصلات وسهولة الوصول على يوم الإثنين من كلّ أسبوع، كانت قنطرة المدخل أو الممرّ جزءًا لا يتجزّأ من القصر، وتثبت صور قديمة تعود إلى الثلاثينيّات من القرن الماضي انتماء هذه القنطرة المديدة إلى القصر لتكون إحدى أركانه، كان ذلك في العام 1934 خلال استقبال المفوّض الساميّ الفرنسيّ فيها.

ممرّ مقنطر بنمط السقيفة
أُنشئ مدخل قصر الفضل من ضمن البناء العام قبل أواخر القرن التاسع عشر، على نمط التراث المعماريّ العربيّ والإسلاميّ الذي يسمّى “الساباط” (أو السيباط/ السقيفة)، ويُطلق عليه محلّيًّا في بلاد الشام ومصر “القنطرة”. وهو عبارة عن ممرّ أو زقاق مسقوف يربط بين بناءين أو جهتين أو يمرّ تحت جدار مبنى حجريّ. بلغ طوله أكثر من عشرة أمتار وعرضه نحو خمسة أمتار وارتفاعه ليس أقلّ من خمسة أمتار، وكان مؤهّلًا لدخول الخيول فوقها فرسانها إلى باحة القصر، ويمكن كذلك دخول عربات بحصانين من خلالها.
كانت واضحة حجارة العقد الممرّ المدبّب، مقطّعة صغيرة في الوسط والأطراف عند القوس، ضخمة في نهاية الجهتين القبليّة والشماليّة. بنيت بتوازن متقن، وقيل إنّ مهندسًا استقدم من مصر أشرف على عمليّة بناء القصر ومرفقاته التي استمرّت سنوات عدّة، ومنها المدخل على مفاهيم العقد والقنطرة والممرّ المحدودب (القبو)، ليمثّل تطبيقًا هندسيًّا يجمع بينها جميعًا. ارتكز العقد على أكتاف حجريّة جانبيّة مدعّمة عريضة من الجهتين الشرقيّة والغربيّة، وظيفتها التوزيع المتوازن لوزن البناء العلويّ إلى الجوانب والأرض بدلًا من الهبوط في المنتصف.
كانت تزين الممرّ المعقود بالحجارة المتقاطعة التي تُشكّل القوس وتُسمى “الصُّنَج”، نقوشٌ حفريّة بارزة على شكل صدفات أو مراوح شعاعيّة Shell/ Scallop Motifs))، وهي من السمات الزخرفيّة الشهيرة في العمارة المملوكيّة والعثمانيّة. وبدا واضحًا حجر الزاوية أو “حجر المفتاح” (Keystone) في أعلى قمّة العقد المدبّب، وهو الحجر المحوريّ الذي يثبّت العقد بالكامل؛ ويمكن تسميته بـ”الممرّ المحدودب” إذ عندما يمتدّ العقد المكتمل نحو الداخل على طول الممر، يتحوّل هندسيًّا من مجرّد قوس إلى “قبو برميليّ”. وتوفر هذه الممرّات المحدودبة عادة ظلًّا وحماية من أشعة الشمس والأمطار، وتُساهم في خلق تيّار هواء بارد داخل أزقّة المدن القديمة، فضلًا عن استغلال المساحة العلويّة لبناء غرف أو دور إضافيّة فوق “السقيفة”.

عبور “المفوّض السامي”
في العام 1934، شهد القصر وقنطرته زيارة بروتوكوليّة ورسميّة تاريخيّة قام بها الكونت داميان دو مارتيل Comte Damien de Martel المفوّض السامي الفرنسيّ (1933- 1938) إلى مدينة النبطيّة التي كانت مركزًا إداريًّا وتجاريًّا وسياسيًّا بارزًا في جبل عامل، وشهدت جولات ومحطّات متلاحقة للمفوّضين الساميّين ومساعديهم إبّان فترة الانتداب الفرنسيّ على لبنان. وكانت مثل هذه الزيارات تُنظّم من قبل سلطات الانتداب لمعاينة الأوضاع الإداريّة والأمنيّة، واللقاء بالأعيان والوجهاء المحلّيّين، وإظهار نفوذ السلطة الفرنسيّة في الأقضية والمدن الجنوبيّة. وقد وثّقت صور نادرة تلك الزيارة التي حظيت باستقبال سياسيّ وشعبي وطلّابي خارج القصر ثمّ في داخله.
كانت جولة المفوّض السامي تتضمّن التفقّد الإداريّ لمركز القضاء (السراي الحكوميّة)، ولقاء زعماء المنطقة وأعيانها (مثل آل الفضل، وآل عسيران، وغيرهم من زعماء جبل عامل)، إضافة إلى متابعة ملفّات زراعة وتجارة التبغ (الريجي) التي كانت النبطيّة والجنوب محورًا رئيسًا فيها، وشهدت احتجاجات واسعة ضدّ احتكارها في عهد الكونت دو مارتيل في العام التالي لزيارته المدينة سنة 1935، إذ أصدر خلال الـ29 من كانون الثاني (يناير) 1935، قرارًا بمنح تشغيل احتكار التبغ إلى شركة فرنسيّة- عالميّة عُرفت بـ “الريجي” (Régie Co-intéressée des Tabacs et Tombacs).
المدينة تنتفض بوجه المفوّض
كانت مدينة النبطيّة قلب هذه الحركة الاحتجاجيّة بكونها سوق التبغ الرئيس ومركز التجمّع التجاريّ والمجتمعيّ لجبل عامل انطلاقًا من قصر آل الفضل. وشهدت المدينة إضرابًا شاملًا أغلقت فيه الأسواق والمحال التجاريّة، وامتدّت التظاهرات إلى القرى والمدن المجاورة (صيدا، صور، وبنت جبيل). خرج المزارعون والأهالي في مسيرات غاضبة رفعت شعارات تطالب بإلغاء “الشركة الاحتكاريّة” وحماية رزق المزارع الذي يعتمد كلّيًّا على موسم التبغ. واكب الحركة الشعبيّة موقف ضاغط من نواب الجنوب ووجهاء المنطقة (مثل عادل عسيران وآل الفضل وغيرهم) إذ قدّموا مذكّرات احتجاج رسميّة للمفوضيّة السامية في بيروت.
أرست انتفاضة 1935 في النبطيّة والجنوب ركائز “قضية مزارعي التبغ” في لبنان، والتي استمرت كرمز للصمود الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وأجبرت سلطات الانتداب على إدراك الأهمّيّة الديموغرافيّة والسياسيّة للجنوب في المعادلة اللبنانيّة الوطنيّة.

العائلة والقصر
كانت عائلة الفضل قد اتّخذت موقعها السياسيّ الرائد في النبطيّة بعدما وفدت إلى المدينة من قرية البابليّة قرب الزهراني، من سلالة الأسرة الصعبيّة (آل صعب أو آل أبي صعب) إحدى أبرز الأسر الإقطاعيّة والحاكمة تاريخيًّا في جبل عامل، منذ ما قبل العام 1516، أيّ قبل الحكم العثمانيّ، وتولّت زمام الأمور والإقطاع في مناطق واسعة، لا سيّما في حكومة الشقيف وإقليم الشومر ومركزها النبطيّة.
استوطن آل الفضل في النبطيّة وانخرطوا في النسيج الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ، بل وتصدّروه. برزت هذه العائلة بواسطة الزعيم فضل حسن الفضل (1865- 1935) وبنت قصرها الشهير نحو العام 1890 على التلّة المتواضعة الأقرب إلى ساحة النبطيّة، وكان من أجمل قصور الجنوب بل وعلى مستوى لبنان بما يتضمّنه من نحوت حجرية وعقود وأقواس وشرفات ملوّنة وتقنيّات بنائيّة إسلاميّة عثمانيّة ومملوكيّة، بيد أنّه هدم على نيّة الانتقام قرابة العام 1992 بعد إهماله لسنوات، لم يفقده بنيته التاريخيّة والتراثيّة وجماليته المعماريّة، وكان يمكن ترميمه.
إحدى ميزات القصر التاريخيّة كانت تكمن في أنّه أوّل مكان رفع عليه العلم العربيّ عند انتهاء الحكم العثمانيّ (وفق كتاب تاريخ جبل عامل لمحمّد جابر آل صفا) وقد أُعلنت الحكومة العربيّة المؤيّدة للأمير فيصل في دمشق، من على شرفة هذا القصر في تشرين الثاني (نوفمبر) 1918 بعد انسحاب العثمانيّين.
وحضر الاحتفال فضل بك الفضل والمشايخ: أحمد رضا وسليمان ظاهر وعبد الحسين صادق ومندوب الأمير إيليا ديب الخوري (شخصيّة تاريخيّة لبنانيّة ورد ذكره في أحداث أوائل القرن العشرين في جنوب لبنان، وتحديدًا خلال مرحلة انتقال السلطة وانسحاب الحكم العثمانيّ في تشرين الثاني 1918) وأهالي النبطيّة والجوار. إلّا أنّ ذلك لم يدم أكثر من سبعة أيّام بسبب السيطرة الفرنسيّة وإعلان الانتداب على البلاد.
قصر يصنع الزعامة والزعماء
عرف فضل حسن الفضل (1865- 1935) كسياسيّ ونائب لبناني سابق، من أحفاد الزعيم حيدر الفارس الصعبيّ الذي تزعّم بلاد الشقيف في القرن الثامن عشر. توفّي في العام 1935. وهو والد النائب بهيج فضل الفضل. ولد في العام 1865 في مدينة النبطيّة، وتلقّى تعليمه في مدارس صيدا، ثمّ انصرف إلى إدارة أملاكه الواسعة. عُرف عنه ولعه باقتناء الخيول الأصيلة وكان لديه منها نحو 50 رأسًا. كما عُرف عنه قربه من سلطات الانتداب الفرنسيّة، وتولّى مناصب عديدة في زمن انتدابها على لبنان ومنها:
بعد إلغاء مجلس الشيوخ ودمجه بمجلس النوّاب أصبح فضل الفضل عضوًا معيّنًا في المجلس النيابيّ اللبنانيّ الأوّل من خلال قربه من الفرنسيّين، من العام 1927 إلى العام 1929.
عمل المندوب السامي على قيام مجلس للشيوخ بطريقة التعيين يتألف من 16 عضوًا كان بينهم ابن النبطيّة فضل الفضل (24/5/1926 – 17/10/1927).
منذ الـ18 من تشرين الثاني (نوفمبر) 1927 ولغاية الثالث من أيّار (مايو) 1929 وعلى ضوء صدور قانون دستوريّ، ألغي مجلس الشيوخ وألحق أعضاؤه بالمجلس التمثيليّ الثاني وجرى تعيين 30 نائبًا وانتخاب عشرة، عيّن من بينهم النائب فضل الفضل عن النبطيّة. ثم عيّن في مجلس النوّاب الثاني بين الـ15 من تمّوز (يوليو) 1929 والـ10 من أيّار 1932.
وفي مجلس النوّاب الثالث الذي بدأ ولايته في الـ30 من كانون الثاني 1934 ولغاية الخامس من حزيران 1937 انتخب فضل الفضل نائبًا عن النبطيّة، لكنّه لم يُكمل ولايته وتوفي في العام التالي (خلال الـ17 من كانون الثاني العام 1935، ووري الثرى في مدينته النبطيّة) فخلفه ولده بهيج الفضل.
في أثناء نيابته شارك باعمال لجنة الصحّة والمعارف، ولجنة الماليّة، ولجنة الإدارة والعدل، كذلك انتخب أمينًا للسرّ في هيئة مكتب المجلس النيابيّ اللبنانيّ. وترأّس جلسة انتخاب الرئيس العام حبيب باشا السعد 1934 باعتباره الأكبر سنًّا بين النواب آنذاك.
تأهل من السيدة عزيزة شبيب وله منها: بهيج وحسن وبهيجة.

زعامة بالوراثة
ورث بهيج فضل الفضل (1897- 1966) الزعامة والسياسة من والده وكان مثل أبيه مقرّبًا من السلطات الفرنسيّة. ولد في مدينة النبطيّة سنة 1897، وتلقّى علومه في المدرسة الحميديّة، ثمّ تفرّغ لإدارة أملاك والده الواسعة وتزوّج من السيّدة ليلى عبد الجليل لطفي ولهما: ساميا، نهلا، مطيعة، عزيزة (زوجة النائب محمّد الفضل)، خديجة، مديحة، سمير، سعيد وفضل. انتخب نائبًا للمرّة الأولى عن محافظة الجنوب العام 1935 خلفًا لوالده فضل الفضل وذلك بدعم من السلطات الفرنسيّة وقد تواجه في هذه المعركة الانتخابيّة مع عبد اللطيف الأسعد.
تمّ تعيينه نائبًا للمرّة الثانية عن المحافظة نفسها العام 1937. وكان عضوًا في لجان الإدارة والعدل، الماليّة والاقتراحات والعرائض. توّفي في الـ24 من أيلول (سبتمبر) العام 1966 ودفن في النبطيّة.
من دارة إلى دارة
كان اسم محمّد الفضل (1912- 1986)، الأكثر وضوحًا بين أسماء رجالات لبنان ممّن وقّعوا على العلم اللبنانيّ في شكله النهائيّ. تزوّج من عزيزة بهيج فضل الفضل وورث السياسة والزعامة من أهلها وعمه.
ولد محمّد فايز الفضل في النبطيّة سنة 1912، ودرس في صيدا وفي المدرسة البطريركيّة في بيروت، ثمّ في الجامعة الوطنيّة في عاليه (جبل لبنان). دخل المجال السياسي وريثًا لعائلته وهو في الثلاثين من عمره من خلال تحالفه مع رياض الصلح (الذي حاول تصدير زعامة الطائفة الشيعيّة بدلًا من قياداتها التقليديّة المتمثّلة بأحمد الأسعد وعادل عسيران، مستفيدًا من كونه وريث عائلة سياسيّة مثلهم) أثناء الانتخابات النيابيّة العام 1943. فاز محمّد الفضل بعضويّة المجلس النيابي عن الجنوب وصوّت لصالح انتخاب بشارة الخوري رئيسًا للجمهوريّة في أيلول العام نفسه.
أزمة عام 1943
صوّت الفضل لصالح التعديلات التي طرحها الصلح في الجلسة النيابيّة المنعقدة في الثامن من تشرين الثاني 1943، والتي نصّت على إلغاء المواد الانتدابيّة من الدستور اللبنانيّ المقرّر سنة 1926، علاوة على جعل اللغة العربيّة لغة رسميّة في لبنان، وتعديل العلم اللبنانيّ عبر إزالة العلم الفرنسيّ من وسطه. وقد ردّت السلطات الفرنسيّة الحاكمة على ذلك باعتقال بشارة الخوري ورياض الصلح مع عدد من الوزراء في الـ11 من تشرين الثاني، إضافة إلى تعطيل الدستور وحلّ المجلس النيابيّ.
على أثر ذلك، تداعى سبعة نواب – منهم محمّد الفضل – إلى عقد جلسة استثنائيّة، وتمكّنوا من دخول مبنى المجلس لوضع رسالة احتجاج إلى دول الحلفاء في الحرب العالميّة الثانية. وأقرّوا تصميم علم الاستقلال، واضعين الأرزة الخضراء في وسطه بدلًا من العلم الفرنسيّ. وقد وقَّع عليه النوّاب الحاضرون، منهم الفضل وصائب سلام (بيروت) وهنري فرعون (زحلة) وغيرهم.
بين وزارة ونيابة
في الثالث من تمّوز 1944، شكّل الصلح حكومته الثانية، وأسند حقائب رئيسة للفضل، وهي: التجارة والصناعة والبرق والبريد. وقد تولّت هذه الحكومة مفاوضة الفرنسيّين على تسلّم المصالح المشتركة مع سورية، منها المعابر الحدوديّة، ومصلحة الجمارك، ومصلحة الحبوب (الميرا)، والتبغ (الريجي)، قبل أن تقدّم استقالتها في التاسع من كانون الثاني 1945.
أمّا على الصعيد النيابي، فقد انتُخب الفضل نائبًا عن الجنوب في دورات عدّة. من 21 أيلول 1943 ولغاية السابع من نيسان (أبريل)بريل)أا 1947 بلغ عدد أعضاء المجلس النيابي 55 نائبًا، وشارك في صناعة هذه الدورة المفوّض السامي البريطانيّ غير المتوّج الجنرال “إدوارد سبيرز” إلى جانب القنصل الأميركي “جيمس ودزورث” Wadsworth وتمثّل الجنوب بعشرة نوّاب منتخبين بعد إلغاء التعيين. وبرزت للمرّة الأولى القوائم الانتخابيّة حيث فازت قائمة واحدة أطلق عليها اسم “القائمة الجبّارة” المعارضة للانتداب الفرنسيّ فيما فشلت القائمة المنافسة والموالية للفرنسيّين. وكان النائب محمّد الفضل من بين الفائزين في هذه اللائحة.
بعدها فاز النائب محمّد بك الفضل في المجلس النيابي الثاني بعد الاستقلال بين الـ25 من أيّار 1947 والـ20 من آذار 1951. ثمّ في المجلس النيابيّ الثالث بين الخامس من حزيران 1951 والثالث من أيّار 1953. وفي المجلس النيابيّ الخامس من الـ20 من آب (أغسطس) 1957 ولغاية الـ18 من تمّوز 1960.
توفي محمّد الفضل في الخامس من آذار 1986 ودفن في جبّانة العائلة بمحاذاة النادي الحسينيّ لمدينة النبطيّة، وبرحيله انتهت حقبة سياسية لعائلة “إقطاعية” جنوبيّة تدرّجت في مناصب نيابيّة ووزارية طوال خمسة عقود متواصلة، بعد زعامة شعبيّة امتدت من جدودهم على مدى نحو 500 عام، توثّقت ملامحها في مدينة النبطيّة منذ تشييد القصر قبل نهاية القرن التاسع عشر الذي أدّى أدوارًا مختلفة حتّى في الحياة الاجتماعيّة ومراسم عاشوراء التي تتميّز بطقوسها في النبطيّة، وكان المشاركون في مواسمها السنوية يزورون دارة الفضل في أعلى السوق طوال أيّام إحياء الذكرى، كتقليد متعارف عليه، انتهى مع انتهاء القصر ومن ثمّ هدمه، ليبقى الممرّ المقنطر الذي هدمته إسرائيل أخيرًا ويتجاوز عمره 135 عامًا.




