نهارٌ لم يكتمل.. عن عادية الأشياء بعد المجزرة

عند الرابعة والنصف من فجر السبت، الخامس عشر من آب، دوّى انفجار هائل حطّم نومنا. للحظات، لم أعرف من أين جاء الصوت ولا ماذا استهدف. تعالى الصراخ في الحيّ، ازدحمت الأزقّة بالأجساد المهرولة طلبًا للنجاة، وعلت أصوات البكاء والمناداة على الأسماء، لنعرف بعد وقت قصير أنّ غارة إسرائيليّة استهدفت منزلًا على أطراف بلدتي أنصار، وأنّ الموت عاد مرّة أخرى ليحلّ في بلدتنا.
جسديًّا كنت في غرفة النوم، لكنّ عقلي كان في مكان آخر. شيء ما انفتح في داخلي دفعة واحدة، وأعادني إلى أشهر آذار (مارس) ونيسان (أبريل) وأيّار (مايو) وحزيران (يونيو)؛ إلى الأيّام التي كانت الحرب فيها تجول بشكل جنونيّ، لا تحتاج إلى تأويل أو انتظار خبر عاجل كي نعرف أنّها تقيم بيننا. عاد الخوف الذي ظننت أنّه غادرني كاملًا، بالنبرة نفسها والارتجافة نفسها. كأنّ وقائع الحرب التي اعتقدت أنّها غادرت قد عادت.
مع طلوع الضوء، تكشّف حجم المجزرة. سبعة أشخاص قضوا، بينهم أطفال ونساء. بقيت فرق الإنقاذ تفتّش بين الركام عمّا خلّفته الغارة. لم يعد المكان الذي استُهدف مجرّد نقطة نراها في نشرات الأخبار؛ كان في بلدتنا، قريبًا من بيوتنا، ومن الطرق التي نعبرها، ومن الحياة التي حسبنا أنّها استعادت شيئًا من انتظامها.
حرب لم تنتهِ
لكنّ أنصار ليست استثناءً. ما وقع فيها خلال دقائق هو جزء ممّا يعيشه الجنوب منذ إعلان وقف النار: غارة تستهدف مبنىً هنا، ومنزل يُنسف هناك، بلدات تُمّحى بأطنان من المتفجّرات، وأناس يودّعون موتاهم ثم يعودون إلى الحياة. الحرب لم تنتهِ، لكنّها غيّرت أسلوبها في الحضور. لم تعد تحتلّ أيامنا كلّها بالصورة نفسها، لكنّها باتت تشبه الموت، تأتي فجأة وتختفي.
في المقابل، تستمرّ حياتنا. نستيقظ للعمل، نلتقي أصدقاءنا، نشرب القهوة، نحتفل بمناسبة، نضحك أحيانًا، ثمّ يأتينا القصف والموت. عندها يحدث شيء مربك: لا نعرف ماذا نفعل باللحظة الجميلة التي كنّا نعيشها قبل وصول الخبر. هل نواصلها؟ هل نصمت؟ هل يصبح ضحكنا في تلك اللحظة قلّة اكتراث، لمجرّد أنّ سقفًا آخر لم يسقط فوق رؤوسنا؟ هذه أسئلة لن يفهمها جميع اللبنانيّين، ومن الصعب شرحها لمن لم يختبر الحرب والموت من قبل.
منذ مجزرة أنصار، وأنا أفكّر في الذين توقّفت حياتهم عند الرابعة والنصف من ذلك الفجر، وبأنفسنا نحن الذين واصلنا نهارنا. ماذا نفعل بالحياة التي بقيت لنا، في الوقت الذي يعبر الموت فيه كلّ يوم إلى بيوت الآخرين؟
لم يطلب منّا أحد أن نتوقّف عن الحياة، ومع ذلك بدا استمرارها كأنّه فعل يحتاج إلى تبرير.
نهار لم يكمله الجميع
مضت الساعات التالية ثقيلة ومشوّشة. امتلأت هواتفنا بصور المنزل المدمّر، وأسماء الضحايا. كنّا نعيد مشاهدة الصور نفسها، ونسأل عن الأشخاص أنفسهم، كأنّ تكرار الخبر يجعل ما حدث قابلًا للفهم. ومع ذلك، كان النهار يمضي. ارتفعت الشمس فوق البلدة، فتحت بعض المحال أبوابها، تحرّكت السيّارات في الشوارع، وعاد كلّ منّا إلى شيء من يومه. وحدهم الذين كانوا تحت الركام لم يكن لديهم نهار كي يكملوه.
بعد مرور وقت قصير، وجدت نفسي أتابع حياتي بشكل اعتياديّ، وأنّ الحركة من حولي عادت أيضًا. في تلك اللحظة، شعرت بأنّ العاديّ نفسه صار محرجًا: أن نأكل، أو نضحك، أو نتحدّث في أمر لا علاقة له بالمجزرة، فيما كانت عائلة مؤلّفة من أم وزوجها وأطفالهما الأربعة لم يعد لها وجود. لم يطلب منّا أحد أن نتوقّف عن الحياة، ومع ذلك بدا استمرارها كأنّه فعل يحتاج إلى تبرير.
الذنب يتسلّل إلى يومنا
في الأيّام التي تلت المجزرة، بدأت أراقب نفسي وأتذكّر أشياء لم أكن أفكّر فيها من قبل. أضحك، لكن سرعان ما أتذكّر تلك الأصوات التي علت فجأة في ذاك الفجر. أنشغل بشيء ما، لكن ما هي إلّا لحظات حتّى أعود إلى ذلك المنزل المهدّم وإلى الذين لم يعودوا قادرين على النوم بسلام. الفرح لم يعد عاديًّا، ولم يعد يمرّ من دون مساءلة. كأن أشرح لنفسي كيف استطعت أن أضحك بعد كلّ ما حدث.
لا أعتقد أنّ ما أشعر به يخصّني وحدي. هنا في الجنوب، نتنقّل منذ سنوات بين مشاهد لا يفصل بينها سوى وقت قصير: تشييع في مكان، وفرح في مكان آخر؛ منزل يُسوّى بالأرض، وآخر يستقبل ضيوفًا حول مائدة؛ أمّ تنتظر خبر ابنها، وأخرى تحتفل به. فالحياة لا تتوقّف كلّما وقع الموت في مكان، لكنّها حين تستمرّ تترك في نفوس الذين نجوا سؤالًا ثقيلًا: بأيّ حقّ نمضي في يومنا بينما حُرم آخرون بالقرب منّا من أيّامهم الآتية؟
هذه هي الحياة التي بقيت لنا: حياة يواصل فيها عدّاد أعمارنا المضيّ قُدمًا، في حين توقّف عن ذلك في أعمار آخرين.
ذنب النجاة
لهذا الأمر هناك شيء في علم النفس اسمه «ذنب النجاة»، وهو شعور ربّما يظهر لدى من يخرجون أحياء من حرب أو كارثة أو حادث أودى بحياة آخرين. لا يشعر الناجي بالامتنان وحده، فيجد نفسه أمام سؤال قد لا يملك له جوابًا: لماذا نجوت أنا؟ وقد يحمّل نجاته معنى أخلاقيًّا لا قدرة له على احتماله، فيشعر بأنّ عليه أن يبرّر باستمرار بقاءه، أو أن يضائل من فرحه، أو أن يعيش حياته بحذر كي لا يبدو سعيدًا أكثر ممّا ينبغي.
لكنّ هذا الشعور لا ينتظر انتهاء الحرب كي يظهر. فنحن ما زلنا نعيش في قلب الكارثة، ننجو من غارة ثمّ نترقّب التالية. نشعر بالارتياح لأنّ الانفجار كان بعيدًا، قبل أن نفهم أن كلمة «بعيد» تعني أنّه أصاب شخصًا آخر. نجاتنا موقّتة، تتبدّل حدودها كلّ يوم، ولهذا يتبدّل معها الذنب ولا يغادرنا.
لا يحتاج المرء إلى أن يكون الناجي الوحيد من الحرب كي يعرف هذا الشعور. ربّما يكفي أن يبقى بيته قائمًا بينما بيت جاره أصابه الدمار، أو أن يعود إلى عمله بينما فقد شخص يعرفه مصدر رزقه، أو أن يجلس مع عائلته بينما أصبحت عائلة أخرى مجرّد صورة معلّقة على الجدران.
ويبقى شادي صغيرًا للأبد
منذ مجزرة أنصار، تعود إلى رأسي أغنية «شادي». تروي فيروز فيها حكاية رفيق طفولة ابتلعته الحرب. تعاقبت الشتاءات، كبرت فيروز، وبقي شادي في العمر الذي غاب فيه: «وأنا صرت أكبر وشادي بعده صغيّر، عم يلعب عالتلج». هذه هي الحياة التي بقيت لنا: حياة يواصل فيها عدّاد أعمارنا المضيّ قُدمًا، في حين توقّف عن ذلك في أعمار آخرين. نحن نكبر، نتغيّر، ونمضي، أمّا هم، فيبقون في صورهم الأخيرة. وتمضي الفصول كلّها، ويبقى جميع الذين رحلوا، عالقين في الزمن، يلعبون على الثلج إلى الأبد.



