إسرائيل تغتال الذاكرة.. منزلي حبيب صادق ومحمود الشريف بالنبطية

بعد ساعات قليلة على تدمير منزل الأديب الراحل حبيب صادق في الكفور غرب مدينة النبطيّة وما فيه من ذاكرة جنوبيّة ولوحات تشكيليّة وأعمال فنّيّة ومخطوطات ومكتبة، دمّرت إسرائيل بغارة مفاجئة على مدينة النبطيّة فجر السادس من أيلول (سبتمبر) الجاري بالكامل إحدى الدور التراثيّة والعريقة في وسط مدينة النبطيّة هي دارة محمود الشريف، وتكاد تبلغ 100 عام من تاريخ بنائها على نمط معماريّ تقليديّ كلاسيكيّ، كانت تحفة فنّيّة تحتوي واجهاتها كثيراً من أعمال النحت والحفر، لتنضمّ إلى عشرات البيوت التراثيّة التي هدمتها إسرائيل في عاصمة جبل عامل بين حربيّ 2024 و2026 وقبلها خلال 2006.

من ذاكرة حبيب صادق

في خضم الحزن والقهر على أرواح الجنوبيّين الأبرياء ممّن يسقطون في كلّ يوم على مذبح الوطن والانتماء، وبيوتهم التي قوّضها العدوان الإسرائيليّ المتمادي في قرى وبلدات دُمّرت بأكملها، أو في حيّز كبير منها، ومعها امّحت أدواتهم ومقنتياتهم وأملاكهم ومكتباتهم ودلائل تربطهم بذاكرتهم وتاريخهم، يأتي تدمير منزل الأديب والمناضل الوطنيّ الأستاذ حبيب صادق في بلدة الكفور غرب مدينة النبطية، ليل الرابع من أيلول (سبتمبر) الجاري.

تدمير يضيف إلى خسارات أبناء الجنوب خسارة كبيرة لما يحويه هذا البيت الجميل الذي بناه الأستاذ حبيب وعائلته، بشغاف القلب وبريق العيون وعشق الأرض، من منحوتات ولوحات تشكيليّة وكتب ومخطوطات خاصّة وعامّة، بعدما نقل إليه كثيراً من ذاكرته المخطوطة بيده، كانت متراكمة في بيروت خلال سبعة عقود، أو من أعمال فنّيّة لتشكيليّين ونحّاتين مبدعين خالدين.

بين جدران البيت الذي بدأ في تشييده منذ العام 2010 على نمط جنوبيّ غير معقّد، وكان يشكّل حلماً من أحلام صاحبه المتنشّق على الدوام رائحة تراب الجنوب، المتعلّق بأرضه وبيئته وناسه، شهدت غرفه ومقاعده على حسن ضيافة واستقبال كانا يميّزان الأديب الراحل حينما كان يحوّل البيت الرابض على رابية من روابي الجنوب إلى مربع ثقافي وأدبيّ وفنّيّ تدور بين جدرانه كثير من الجلسات والمناقشات والقرارات الثقافيّة والاجتماعيّة والأدبيّة المتعلّقة بتكريم المبدعين وإحياء النشاطات والمعارض والأمسيات، وفي صناعة الكتب وطباعتها من بينها الكتاب المعرفة “حوار الأيّام” الذي يتناول سيرة حبيب صادق أمين عام المجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ.

مدخل منزل حبيب صادق في الكفور قبل أن يصير ركاماً جرّاء غازة اسرائيلية استهدفته قبل يومين (الصورة كامل جابر)
بيت الشعر والموسيقى

في قاعته الكبيرة استقبل الأستاذ حبيب خلال الـ12 من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2014 الموسيقار مرسيل خليفة وأميمة الخليل ونقيب المصوّرين الصحافيّين في لبنان جمال السعيدي، وكان حوار مطوّل حول قصيدة “نشيد الانتفاضة” أو “انهض للثورة والثأر” مع الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى (انتفاضة الحجر) التي كتبها الأديب الراحل ولحّنها مرسيل وأنشدتها فرقته ويقول مطلعها:

انهض للثورة والثأر
إنهض كهبوب الإعصار
وارجم أعداءك بالنار
واهتف بالصوت الهدّار
الثورة.. الثورة.. الثورة.. الثورة نهج الأحرار

وكذلك قصيدة أرض الجنوب التي كتبها حبيب صادق ولحّنها مرسيل خليفة وأنشدتها أميمة الخليل فباتت تشكّل نشيد الجنوب والجنوبيّين، مطلعها:

شدّي عليكِ الجرح وانتصبي/ عبر الدجى رمحاً من اللهبِ/ يا ساحة الأنواء كَمْ عصفَت/ فيها خيول الهول والرعبِ/ فالأرض فيها وجه مذبحةٍ/ والجوّ أمطار من الشهبِ/ لم يبقَ غصنٌ غير منتهبِ/ لم يبقَ وجهٌ غير مستلبِ…

وفيه حلّت وجوه أدبيّة عربيّة وعالميّة ومحلّيّة، وشعراء ومخرجون وتشكيليّون، منهم الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي والمخرج السوريّ محمّد ملص وغيرهما، إلى وجوه جنوبيّة كانت تحمل إلى هذا البيت حفنة من تراب القرى وعبقاً من أسمائها، فتضعها بين يدي الأديب الذي تحبّ وتقدّر، فتتحوّل إلى بلسم وأدب وديوان ورواية، لا سيّما تلك الذكريات المتنقّلة بين تلال كفرشوبا وسفوح حولا وفوق هضاب ودروب القرى الجنوبيّة الحدوديّة والداخليّة وأسمائها الحسنى.

مارسيل خليفة وأميمة الخليل مع حبيب صادق في منزله في الكفور في العام 2014 (الصورة كامل جابر)
متحف اللوحات والمنحوتات

ثمّة لوحات مختلفة لفنّانين تشكيليّين عظام راحلين وأحياء مهداة له من أصدقائه أصحابها، نقلها الأستاذ حبيب من بيروت إلى الكفور، من هذه اللوحات التي كان يحبّها كثيراً لوحة “امرأة التبغ” للفنّان التشكيليّ الراحل ناظم إيراني (1930 – 2014) رسمها في العام 1975 بألوان الشمع (الباستيل) وتمثّل امرأة جنوبيّة يمتدّ جسدها فوق مساحة الأرض المزروعة تبغاً. وثمّة لوحات لبّول غراغوسيان (1926- 1993) ورفيق شرف (1932- 2003) وحسن جوني وشربل فارس وحسين ياغي ومنحوتات من أعمال المهندس سليمان سليمان.

في السنوات الأخيرة، قبل رحيل الأستاذ حبيب في الأوّل من تمّوز (يوليو) 2023، نقل إلى الديوانيّة السفلى في بيت الكفور صناديق تحتوي على مئات المخطوطات من حلقات إذاعيّة كان قد قدّمها عبر أثير إذاعة لبنان، إلى مقالات وأفكار تمثّل رصيداً ثميناً من ذاكرة “عزيزنا” السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة.

إن اغتيال إسرائيل منزل حبيب صادق قرب النبطيّة هو خسارة بيت جنوبيّ حافل بالتاريخ الأصيل والثقافة المجدية التي أعطت إلى أهله وجميع اللبنانيّين من خلال أدب صاحبه أو من خلال منبر وقاعات المجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ كلّ ما يخدم قضيّة الجنوب الذي عانى وأهله وسكّانه منذ قيام هذا الكيان الصهيونيّ على أرض فلسطين العام 1948، قتلاً وتهجيراً ودماراً وفتكاً بذاكرته ومكتباته وتاريخه على مختلف الصعد.

منزل حبيب صادق في الكفور بعد تدميره
ومنزل محمود مصطفى الشريف

بنى محمود مصطفى الشريف دارته في النبطيّة نحو العام 1930، قبله أو بعده بقليل، عند سفوح خلّة الهوا الجنوبيّة الغربيّة شمال وسط مدينة النبطيّة، قرب طلعة الحيّ المنبثقة عن الشارع الرئيس في النبطيّة، شارع حسن كامل الصبّاح، وتعرف اليوم بطلعة الراهبات، وكانت بيوت الحيّ قليلة جدّاً في ذاك الوقت، تكاد تعدّ على أصابع اليد الواحدة.

كان باني الدار متمكّناً مادّيّاً إذ كان يعدّ من كبار تجّار “الكرسته” (الكرستجي أو الكرسطجي هو لقب يُطلق على بائع جلود الأحذية والمسامير ولوازم وأدوات الإسكافي أو الكندرجي) وتعود أصولها إلى الكلمة التركية (Kunduracı.

في هذه الدار أبصر أبناؤه الستّة: مصطفى ونسيب وعدنان وحسن ونادية وفاديا النور، ومنه خرجوا كي ينهلوا من العلم والمعرفة، فكان مصطفى وعدنان وحسن أطبّاء معروفين ونسيب المعلّم والمربّي، ونادية المديرة في مدارس مقاصد النبطيّة والمربّية، ما جعلهم من وجوه المدينة والجنوب المعروفة في مجالات ثقافيّة  وعلميّة عدّة وفي الطبّ والتعليم والدراسات والبحوث المعمّقة. لم يبق من الأشقاء على قيد الحياة غير حسن وفاديا بعدما رحل الطبيب والمفكّر عدنان الشريف منذ نحو سنتين والمربّية نادية خلال 2020.

دارة للفقه العلمي

لاحقاً عرفت الدار باسم ابنه عدنان محمود الشريف طبيب الأمراض العصبيّة والعقليّة والنفسيّة وباحث إسلاميّ لبنانيّ شهير، ذاع صيته كأحد أبرز روّاد الإعجاز العلميّ في القرآن الكريم في لبنان والعالم العربيّ، وصاحب مؤلّفات شهيرة منها “من علم الطبّ القرآنيّ الثوابت العلميّة في القرآن الكريم” (1990 و2001) و”من علم النفس القرآنيّ” (2007) و”من علوم الأرض القرآنيّة: الثوابت العلميّة في القرآن الكريم” و”من علم الفلك القرآني: الثوابت العلميّة في القرآن الكريم” (1991)، و“من المعجزة الرقميّة في فاتحة القرآن الكريم وآياته” التي صدرت عن دار العلم للملايين”، وعُرف بدمج العلوم الطبّيّة والكونيّة بالدراسات القرآنيّة.

شهدت الدار جملة من اللقاءات الثقافيّة والعلميّة، فعلى الرغم من ارتباط اسمه ببيروت حيث كانت عيادته ومحاضراته، إلّا أنّ للدكتور عدنان جذوراً وارتباطاً وثيقاً بمسقط رأسه مدينة النبطيّة، فكان يعود إليها في العطل والأعياد والمناسبات المختلفة، ويطل على عديد من منابرها محاضراً في قضايا مختلفة، ولا سيما في “ندوة السبت” في النبطيّة حول مستجدّات البحث العلميّ والآيات القرآنيّة انطلاقاً من دارة أبيه التي آلت أخيراً إليه ولشقيقه نسيب الذي رحل منذ نحو 13 عاماً.

يقول ابن عمهم المربّي جمال هاني الشريف: “كان محمود شقيق والدي هاني وعلي الشريف، وجميعهم من مواليد النبطيّة وكانوا مستقرّين فيها، على عكس جيل أبنائهم ممّن ساهمت الظروف الأمنيّة المتراكمة في مدينة النبطيّة منذ العام 1974 في نزوحهم الدائم أو المتقطّع عنها”.

تُعدّ دارة آل الشريف في النبطيّة التي انتقلت لاحقاً إلى رجل الأعمال النبطانيّ عبد فوزي جابر بنحو مليون و800 ألف دولار أمريكيّ، فحوّلها في العام 2019 إلى واحة واستراحة تراثيّة تحمل تسمية “أهل الدار”، واحدة من أبرز المعالم التراثيّة في مدينة النبطيّة.

منزل محمود الشريف في النبطية قبل أن يصيبه الدمار جرّاء غارة اسرائيلية استهدفته فجر اليوم (الصورة كامل جابر)
عمارة تقليديّة تراثيّة

تنتمي الدار إلى العمارة التقليديّة اللبنانيّة وفي بلاد الشام وتحديداً نمط “البيت ذو البهو المركزيّ” أو ما يُعرف محلّيّاً ببيوت “العقد” و”القناطر” التي انتشرت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ​كان يضمّ في واجهاته فتحات وأقواس مرتفعة فوق الأبواب والنوافذ من ​العقد المدبّب المزدوج.

​إلى نوافذ نصف دائريّة أو قوسيّة تعلو الأبواب والشبابيك وتتزيّن بحشوات حديد (فورفورجيه) بتصميم يراعي تسلّل الضوء الطبيعيّ إلى الرواق والداخل. وتحميها أباجورات ومصاريع خشبيّة متحرّكة تُستخدم للحماية والخصوصيّة والتحكّم في التهوئة والإضاءة. وحماية حديديّة من مشبّكات مزخرفة هندسيّاً لحماية النوافذ السفلى.

​بنيت الجدران بالحجر الكلسيّ المنحوت، وواجهات من الحجر الطبيعيّ مع فواصل دقيقة. يتخلّلها ​”الإفريز” والتاج الزخرفيّ، وحفر زخرفيّ هندسيّ ونباتيّ فوق الإطار العلويّ للباب على نحو زهرة اللوتس/الشمس والأنماط الهندسيّة فوق الباب الرئيس وبعض الثمار والنباتات المعروفة.

​وثمّة فتحات بيضاويّة دائريّة، ونوافذ صغيرة منحوتة تتربّع في أعلى القوس للتهوئة وإضفاء طابع جماليّ. ​يجمع هذا الطراز من البناء بين المتانة الحجريّة والجماليّات المزخرفة بالحديد والخشب، وهو من العلامات الفارقة للبيوت التراثيّة في جبل لبنان وجنوبه والبلدات الشاميّة القديمة.

هباءً منثوراً

الدار والحديقة الجميلة والبستان الممتد حولها، كانت تشكل جميعها ملتقى العائلة وأبناء النبطية والأصدقاء، “بدأت تعاني من نزوح أصحابها قبل بيعها بسبب الحروب المتعاقبة على جنوب لبنان ونالت النبطيّة حصّة كبيرة منها منذ العام 1974، وقد احتلت إحدى المنظّمات الفلسطينيّة الطبقة السفلى من المبنى بين 1977 و1978 ولم تتخلّ علنها على رغم مطالبة أهل الدار، ما دفعهم إلى الرحيل نحو صيدا والعاصمة بيروت” يقول المربّي جمال الشريف.

إسرائيل لم تبقِ من البناء ما يدلّ على تراثيّته وأصالته، وأصاب البستان والحديقة ما أصاب الدار من دمار “كان بيتاً جميلاً، سكنت فيه وعائلتي مدّة ثمانية أشهر أو أكثر، بعد عدوان 2006 الذي أصاب بيتنا وبيوت المدينة. كان أهل الدّار يأتون إليها تباعاً، نحضّر الطعام ونعدّ المشاوي، وكذلك الصفيحة النبطانيّة، التبّولة. كانت العائلة تجتمع فيه وكانت ملتقى الأشقاء بعدما فرّقتهم الحرب والمسافات والأعمال، ومن أسف شديد لم يبقَ من ذكرهم شيئاً” تقول السيّدة فاطمة الصيداوي زوجة المربّي طلال الشريف.

وتتذكّر أنّ “غرف الدار كانت تضمّ بين جنباتها أثاثاً قديماً تقليديّاً ومقتنيات وتجهيزات ولوحات تشكيليّة ومكتبة كبيرة، تبدّدت كلها بعد بيع الدار، التي بقيت تحمل اسم أصحابها الأوائل، ولكنها أضحت اليوم هباءً منثوراً”.

الدمار هو ما تبقى من منزل محمود الشريف في النبطية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى