نزوح وشتات.. كيف فكّكت الحرب يوميات بليدا؟

“أخاف أحياناً أن تنطفئ سيرتنا وتُنسى قرانا”. بهذه الجملة، تختصر إيمان العبد، الصحافيّة من بليدا في قضاء مرجعيون، جانباً من حكاية بلدة يفتقد أهلها فيها إلى تفاصيل حياة كانت تبدو عاديّة: بيت يُشرّع بابه، حارة تُقطع مشياً، دكّان مقصد الأطفال، ساحات تعجّ بسهرات أهلها، وحقل يمكن الوصول إليه بأمان.

في القرى الحدوديّة، كانت الحياة تبدو مختلفة عن صورتها من بعيد. القرب من الحدود لا يعني بالضرورة أنّ الناس كانوا يعيشون يومهم وهم يفكّرون بموقعهم الجغرافيّ. فكرة أنّهم قريبون إلى هذا الحدّ من الأراضي المحتلّة، كانت غالباً تغيب عن أذهانهم، فلا تقلقهم أو تؤرّقهم أو تمنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعيّة، هذا كلّه كان قبل الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023، طبعاً.

وبالنسبة إلى أبناء بليدا، كانت القرية بيتاً وذاكرةً وأرضاً ومصدر رزق، كما حال جميع قرى الشريط الممتدّة على طول الحدود الجنوبيّة، وكانت تفاصيل حياتهم اليوميّة تتقدم على كلّ ما عداها.

يذهب الأطفال إلى الدكاكين، يلعبون في الساحة، تجتمع العائلات، يعمل المزارعون في أراضيهم، يفتح أصحاب المصالح متاجرهم، ويعود أبناء القرى ممّن يعيشون في بيروت أو مناطق أخرى إليها في عطلاتهم وأشهر الصيف. طقوسٌ، بقدر ما كانت عاديّة، أصبحت اليوم جلَّ ما يتمنّونه.

50 شهيداً من ضيعتنا

كانت الحدود الجغرافيّة مع الاحتلال جزءاً من واقع البلدة، ليس لها تعريف معيّن. أمّا اليوم، فتغيّر معنى المكان. تقول العبد، في حديثها لـ”مناطق نت”: “مشتاقة شوف الضيعة معمّرة، مش مدمّرة”.

ففي قرية بليدا، لم تقتصر الحرب على تدمير الأبنية، إذ انقطعت معها حياة أهلها الذين نزحوا، إلى قرى مثل شقرا والسلطانيّة والشهابيّة وشحور والغازيّة (بين أقضية بنت جبيل وصور وصيدا)، وصولاً إلى خلدة ومحيطها وضاحية بيروت الجنوبيّة والجناح والعاصمة بمجملها، وفق رئيس البلديّة حسان حجازي.

في حديثه لـ”مناطق نت”، يقدّر حجازي، عدد شهداء البلدة بنحو 50 شهيداً، مشيراً إلى أنّ الدمار طال البلدة بشكل كامل، وأنّ البلديّة لا تملك صوراً لها باستثناء الصور الجوّيّة. وبحسب ما قاله، “فإنّ المساعدات الرسميّة، اقتصرت على ما قدّمته وزارة الشؤون الاجتماعيّة عبر برنامج “أمان”، إلى جانب مساعدات عينيّة من مجلس الجنوب ومساهمات من جمعيّات أخرى”.

لكن حين تتوزّع عائلات قرية واحدة على مناطق مختلفة، لا يكون النزوح مجرّد انتقال من منزل إلى آخر، بل تفكيكاً للحياة التي كانت قائمة حول المكان إلى سنواتٍ وسنوات.

صورة تظهر الدمار في بليدا قبل توسّع الحرب في الثاني من آذار الماضي
“لسنا أطرافاً جنوبيّة”

بالنسبة إلى أبناء القرى الحدوديّة، لا تختصر القرى بالعنوان الجغرافيّ. هي المكان الذي يعرف فيه الناس بعضهم بعضاً، والأرض التي ورثوها، والبيت الذي اعتادوا العودة إليه، والطرقات التي حفظوها منذ الطفولة.

لهذا تقول العبد: “نحن لسنا طرفاً من أطراف جنوبيّة، نحن قرى… حملت حياة أهلها”. فقبل أن تصبح البلدة خبراً من بوّابة القصف والدمار والنزوح، كانت هناك حياة كاملة تجري فيها.

كانت بليدا بالنسبة إلى إيمان كما بالنسبة إلى كثيرين من أبنائها، مساحة تتقاطع فيها حياة الجنوب وبيروت. فلطالما عاش عدد من أبناء القرى الجنوبيّة بين أكثر من مكان. العمل أو الدراسة ربّما يكونان في بيروت، لكن تبقى الضيعة مساحة للعودة والاستراحة واللقاءات العائليّة. هذه العلاقة جعلت منها جزءاً من حياة وروتين حتّى ممّن لا يقطنون فيها طوال العام.

حين يصبح البيت حلماً

تتحدّث العبد عن نفسها بوصفها واحدة من هؤلاء الذين اقتُلعوا من تفاصيل حياتهم اليوميّة. فهي تحبّ بيروت وتعيش فيها، لكنّها كانت تجد في بليدا مساحة مختلفة، مكاناً تبتعد فيه من إيقاع المدينة، وتعود فيه إلى بيتها وأرضها وعائلتها. وقد قطعت الحرب هذا التوازن، حتّى بات قضاء ليلة واحدة في بيت الضيعة حلماً.

تقول: “عبالي نام ببليدا”، مستحضرةً حنيناً إلى أبسط ما كان يبدو من البديهيّات: أن يعود الإنسان إلى بيته وأرضه ومستقرّه، وأن ينام في منزله من دون أن تتحوّل هذه الرغبة إلى أمنية صعبة المنال. وتتابع: “أحنّ إلى كلّ شيء، إلى أشياء كنت أعدّها من المسلّمات، أن أدخل إلى أرضي، إلى بيتي”.

من جهته، يوضح حجازي أنّ الأولويّات الأساسيّة لأهالي بليدا النازحين اليوم تتمثّل في تأمين السكن والإيواء، إلى جانب التعليم والرعاية الصحّيّة والاستشفاء، فضلاً عن توفير فرص عمل تضمن دخلاً مستداماً.

لكن الحاجة لا تتوقّف عند تأمين سقف بديل. فالمطلوب، بالنسبة إلى كثر من أبناء الجنوب، ليس مجرّد مكان آخر للسكن، بل استعادة الحقّ في البيت الذي يعرفه الإنسان باسمه وتفاصيله وذكرياته، وفي الأرض التي شكّلت جزءاً من حياته ومصدر عيشه.

جامع بليدا الأثري بعد تدميره في الجولة الأولى من الحرب وقبل توسّعها ونزوح الأهالي الذي لا يزال مستمراً
عن الأرض والحرب

في القرى الجنوبيّة، لا تنفصل الحياة عن الأرض. والزراعة بالنسبة إلى عائلات كثيرة ليست نشاطاً موسميّاً فقط، بل جزء من الاقتصاد المحلّيّ ومن العلاقة بالمكان. في بليدا، كان الزيتون والزراعة يحضران في حياة أهلها. ومع الحرب، لم تتوقّف حركة الزراعة وحسب، بل تعطّلت مصادر رزق مرتبطة بها.

“كانت كثير من النساء مزارعات، مثل عمّاتي، وقد تضرّرت أعمالهنّ وفقدن مصادر رزقهنّ”، تقول العبد. وتضيف أنّ خسائر الأهالي متراكمة: منزل، ومصلحة، وأرض، ومصدر دخل. بعض أصحاب المصالح اضطرّوا إلى محاولة بدء حياتهم المهنيّة من جديد في بيروت أو مناطق أخرى، لكنّ ذلك لا يعوّض بالضرورة المكان الذي كانت فيه المصلحة جزءاً من دورة الحياة اليوميّة.

فالمصلحة التي كانت تفتح أبوابها في بليدا لم تعد مجرّد مكان للعمل، كانت جزءاً من حركة القرية. والمزارع الذي كان يتوجّه إلى أرضه لم يكن يذهب فقط إلى مصدر دخله، بل إلى جزء من حياته. الحرب جعلت الطبيعيّ استثناءً، حتّى مشاكل الضيعة العاديّة باتت موضع حنين، لأنّ وجود هذه المشاكل كان يعني ببساطة أنّ الحياة كانت مستمرّة. أمّا اليوم، فالواقع أكبر من خلاف بين عائلتين أو نقاش بلديّ أو حزبيّ.

تنقل العبد عن محيطها أنّ هناك أملاً في العودة، إلى جانب الغضب والحسرة على ما خسره الناس. لكن العودة، كما يبيّن الواقع اليوم، تحتاج إلى أكثر من الرغبة. وتختم مؤكدةً: “من حقّنا أن نعود إلى آخر شبر من بليدا”.

أبعد من الدمار

في الحقيقة، نحن اليوم لا نتحدّث فقط عن الدمار، بل عن الحياة التي كانت قبل الدمار، وعن الحياة التي تريد أن تعود بعدها. في النهاية، أهل الجنوب الذين حملوا قراهم معهم إلى أماكن نزوحهم، حاولوا أن يجدوا عملاً ومدرسة وبيتاً موقّتاً، فيما بقيت ذاكرتهم معلّقة بمكان لم يستطيعوا العودة إليه.

هم المزارعون الذين فقدوا أرضهم أو تعطّلت مصادر رزقهم، والنساء اللواتي كانت الزراعة جزءاً من حياتهنّ، وأصحاب المصالح الذين اضطروا إلى البحث عن مكان آخر للعمل. وهم أيضاً الأطفال الذين كبروا في قرية لم تعد كما عرفوها، وأبناء الجنوب الذين أصبحت العودة إلى بيوتهم حلماً بعد أن كانت أمراً بديهيّاً.

“مشتاقة شوف العالم مرتاحة بالضيعة”، تقول العبد. ربّما تتضمّن هذه الجملة كل ما يحتاجه الجنوبيّون اليوم: ليس فقط أن يعودوا إلى المكان، بل أن يعود المكان نفسه إلى الحياة. وفي قرى تنتظر أن تعود إليها الحياة وأهلها الحقيقيّون، يبقى السؤال مفتوحاً، السؤال الذي يقلقنا جميعاً: اليوم وإن عاد أهل القرى الحدوديّة، هل تعود الحياة التي كانت قبل الحرب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى