بعد طول شحّ.. أمطار كانون تحيي أمل المزارعين في البقاع

“بيّضها كانون”. بهذه العبارة استقبل مزارعو البقاع خيرات السماء التي تدفّقت في أيّامٍ قليلةٍ، لتعيد إلى الأرض البقاعيّة حيويّتها وللمزارع البقاعيّ بسمته وأمله.

فبعد حال الجفاف التي تعرّضت لها منطقة البقاع بسهولها ومياهها جرّاء الانحباس المطريّ الذي بلغ حدّه العام الماضي وأصاب مصادر المياه بغالبيّتها فيها بالجفاف التامّ، وأوقع القطاع الزراعيّ في المنطقة بخسائر هائلة، حيث إنّ المزارعين لم يحصدوا من مزروعاتهم سوى الحشائش اليابسة، جاء شهر كانون الأول (ديسّمبر) وإن في أيامه الأخيرة ليقلب الطاولة على أشهر القحط والجفاف ويفجّر خيراته دفعةً واحدة في غضون أيّامٍ معدودة.

أتت أمطار كانون لتحدث فرقًا طال انتظاره، ولتضع حدًّا لحال الموت الزراعيّ في المنطقة ولتعطي المزارع فيها أملًا بأن يعيد تمسّكه بأرضه وعطاءاتها.

أملٌ بعد يأس

يقول المزارع محمّد حميّة من بلدة طاريّا غرب بعلبك، إنّ شتوة كانون الأوّل أحيت فينا الأمل بموسم زراعيّ، قد لا يوقعنا أقلّه بالخسارة التي كانت محتّمة فيما لو بقيت الأمطار محبوسة كما حصل في التشرينيْن والقسم الأكبر من شهر كانون الأوّل.

وتابع لـ “مناطق نت” أنّه زرع في الموسم الحاليّ 60 دونمًا من أرضه قمحًا، ومساحةً أخرى مماثلة عدسًا “على أمل تعويض خسارتي السنة الماضية التي بلغت 15 ألف دولار أمريكيّ. وبما أنّ هذا النوع من الزراعة شتويّ ويعتمد على أمطار السّماء فإنّ نسبة الأمطار التي سقطت في أيّامٍ متتاليةٍ أنعشت الأرض الجافّة تقريبًا، وأسهمت في ريّ القمح والعدس بنسبةٍ عاليةٍ، ما يُبشّر بموسم وفير، لا سيّما لو حصل على شتواتٍ أخرى في الشهريْن المقبليْن.”

ويلفت حميّة، إلى أنّ ما لمسه بيده بعد الشتوة “الكانونيّة”، يؤكّد أنّ الأرض عادت إلى ما كانت عليه في السنوات الماضية، من حيث عمق نسبة الرطوبة التي حصلت نتيجة “خيرات كانون”. إذ “غرزت عصا الفحص في أرضي الزراعيّة لأجد أنّ التربة الرطبة وصلت إلى عمق 30 سنتميترًا وستصل إلى نصف متر في الشتوات اللاحقة، وهو عمق كفيل بِرَيّ ما تحتاجة المزروعات الشتويّة كي تعطي محصولًا جيّدًا في النوعيّة والكمّيّة.”

ويختم بالدعاء لديمومة خيرات السّماء “حتّى نفشّ خلقنا بمواسم وفيرة بعد قحط وخسائر خلّتنا تحت الأرض.”

أمطار كانون تعيد الحياة لحقول البقاع
“نريد شتوات كانونيّة أخرى”

من ناحيته يرى المواطن علي الحاج حسن من بلدة شعث في البقاع الشماليّ، أنّ خسارته السنة الماضية ستعوّضها “شتوة” كانون، فيما لو أتبعتها السماء “بكم شتوة من هيدا العيار في كانون الثاني وشباط. بدنا شتوات أخرى”. ويشير لـ ِ”مناطق نت” إلى أنّ زراعاته في الموسم الماضي احترقت في أرضها، ولم تنبت فوق الأرض أكثر من خمسة سنتيمتراتٍ “لأنّ الأرض كانت جافّة حتّى اليباس، في حين أنّ نسبة المياه التي شربتها منذ أيّام “عوّضت عطش ما فات، لا بل زادت عن ذلك.”

ويؤكّد الحاج حسن أنّه غامر هذا العام وزرع 100 دونم قمحًا وشعيرًا “حيث إنّ أرضنا في المنطقة تُبدع في نوعيّتهما وكنت ماسكًا قلبي بيدي مخافة أن تنحبس مياه السماء مثل السنة الماضية، إلا أنّ الخير تدفّق علينا دفعةً واحدة.”

ويلفت إلى أنّ لديه بئرًا ارتوازيّةً بعمق ٣٠٠ مترِ لم تعد تكفي ريّ أرضه “بسبب الجفاف الذي تعرّضت له السنة الماضية وادّت إلى انخفاض منسوبها إلى مستوى عجزت المضخّة عن سحب مائها إلى فوق الأرض. ولكنّ ما حدث في أواخر كانون الماضي من أمطارٍ غزيرةٍ متواصلة عدّة أيّام رفع منسوب الماء في البئر إلى مستوى جيّد يبشّر بخيرٍ قادمٍ حتّى الآن”.

ويأمل الحاج حسن أن يبقى الفرق الذي أحدثته المطرة الأخيرة في ريّ الأراضي الزراعيّة قائمًا لاستغلال الموسم المقبل من البطاطا الذي تأتي زراعته في شباط المقبل “كونه يحتاج إلى ذخيرةٍ مائيّةٍ في باطن الأرض لعلّ ذلك ينعش المزارع البقاعيّ ويُبعد عنه شبح الخسارة.”

بِشارة واعدة للمزارعين

يقول الخبير في المياه محمّد العوطة إنّ ما حصل من هطول للأمطار في أواخر شهر كانون الأوّل المنصرم فاجأنا بعد أن كنّا على وشك فقدان الأمل من حصول ريّ للأرض. ويشير لِـ “مناطق نت” إلى أنّ كمّيّات الأمطار التي تساقطت في أيّامٍ قليلةٍ أحدثت تغييرًا إيجابيًّا سريعًا في الأرض العطشى حتّى الجفاف. وغاصت المياه بسبب غزارتها المتواصلة إلى مستوياتٍ داخل الأرض من شأنها أن تعطي زخمًا قويًّا للمزروعات الشتويّة كالبطاطا والثوم والحبوب”.

ويضيف بأنّ منسوب بعض الآبار الأرتوازيّة في سهول البقاع شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في المياه كونها تتغذّى من شرايين مائيّةٍ متعدّدةٍ، ليس بالضرورة أن تكون من الجبال .مع العلم أنّ الجبليْن الشرقيّ والغربيّ في البقاع شَهِدا تراكمًا مقبولًا للثلوج، وهذا من شأنه أن يرفد مياه الآبار في المنطقة بمستويات جيّدة، ما ينعكس انتعاشًا على المزروعات والمزارعين على حدٍّ سواء.

ويرى العوطة أنّ موسمًا زراعيًّا ناجحًا في المنطقة حتّى الآن “لأنّ نسبة ما تساقط من أمطار فاق ما كان يتساقط سابقًا في مثل هذه الأيام، وهو بِشارة واعدة للمزارعين الذين بدأوا يأملون بنجاح مزروعاتهم.”

وأخيرًا يدعو خبير المياه المزارعين في المنطقة إلى إعادة تفعيل العمل في خزّاناتهم المائيّة (محاقن) كما كانوا يفعلون في السابق “لأنّنا وبحسب مؤشّرات الأحوال الجوّيّة، مقبلون على وفرةٍ من الأمطار خلال ما تبقّى من أشهر فصل الشتاء، وذلك للاستفادة منها في مزروعات فصل الصيف”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى