طقوس الفرار.. ثلاث حروب وبيتٌ في أكياس سوداء

إنّه التهجير الثالث الذي أعيشه في خلال ثلاثة عقود من عمري. ثلاثة اقتلاعات متتالية من الجذور ذاتها، من الشرفة ذاتها، من الحيّ ذاته الذي تعلّمت فيه أن أميّز بين صوت الرعد وصوت الغارة.

الأوّل كان في حرب تمّوز (يوليو) 2006، كنت في الحادية عشرة، أراقب وجوه الكبار لأفهم إن كان الخوف يستحقّ كلّ هذا الارتباك. الثاني في ما سُمّي بـ “حرب الإسناد” وقد صرت أكثر وعيًا، وأشدّ قدرة على تخيّل الأسوأ. الثالث لا نعلم اسمه بعد، لم تُمنح له تسمية رسميّة، لكنّه يحمل المذاق ذاته: طعم الحديد في الفم، ورائحة البارود العالقة في الهواء، وصوت الحقائب وهي تُسحب على عجل فوق أرضٍ لا نعرف إن كنّا سنطأها مجدّدًا.

لكن هذه المرة، شيء ما كان مختلفًا. لم يكن الخوف هو السيّد المطلق، بل البرودة. برودة مفاجئة تسلّلت إلى أطرافي وكأنّني أعلنت الاستسلام بصمت، أو ربّما ضجرت من طقس الرحيل المتكرّر، من جرّ وتعبئة أغراضي بأكياس القمامة السوداء ذاتها. كأنّ حياتي تُختصر في أكياس بلاستيكيّة، تُفتح وتُغلق بحسب جدول الغارات.

أستأذن الخزانة وأعتذر منها

هذه المرّة حملت كلّ شيء تقريبًا، لأنّني تعلّمت من المرّة السابقة معنى أن تهرب بثياب النوم، أن تكتشف بعد ساعات أنّك بلا معطف في بردٍ قارس، وبلا دواء لصداعٍ سببه التوّتر، وبلا أوراق تثبت أنّك كنت هنا يومًا. وضعت جاكيت شتويّة فوق المقعد، تردّدت أكثر من مرّة قبل أن أقرّر أنّني سأهرّبها معي، كأنّني أستأذن الخزانة وأعتذر منها.

اخترت حذاءً مريحًا، لأنّني أدركت أنّ طرقات النزوح طويلة، وممتلئة بالحفر والانتظار. وضعت الأدوية في حقيبة صغيرة، وشهاداتي الجامعيّة في ملف بلاستيكيّ شفّاف، حدّقت بها لثوانٍ، وتساءلت إن كان لها أيّ نفع في بلد نعيش فيه على فوّهة بركان، حيث تُقاس القيمة بمدى القدرة على النجاة لا بعدد السنوات التي قضيناها في الدراسة؟

المشهد بدا مكرّرًا حدّ التطابق، كأنّني أعيش إعادة رديئة لفيلم شاهدته مرّتين من قبل. حرصت هذه المرّة أن أوثّق كلّ اللحظات، لا بدافع البطولة، بل بدافع الخوف من النسيان. التقطت مقطع فيديو أخيرًا لغرفة نومي التي أعتبرها بيتي المصغّر: السرير المرتّب على عجل، الكتب المكدّسة على الطاولة، الستارة التي تتحرّك بخفّة مع هواء ثقيل.

المشهد بدا مكرّرًا حدّ التطابق، كأنّني أعيش إعادة رديئة لفيلم شاهدته مرّتين من قبل. حرصت هذه المرّة أن أوثّق كلّ اللحظات، لا بدافع البطولة، بل بدافع الخوف من النسيان.

أدرت الكاميرا ببطء، كأنّني أودّع المكان قطعة قطعة. وللسخرية، حملت ماكينة القهوة خلسة كي لا أسمع تأنيب شقيقي. قد تبدو تفصيلًا تافهًا وسط مشهد حرب، لكنّها بالنسبة إليّ طقس يوميّ، دليل على أنّ الحياة يمكن أن تُستعاد ولو بفنجان صغير في صباحٍ آمن.

الحرب مرّت من هنا

المفارقة القاسية أنّه لا يمكنني أن أضع البيت كلّه داخل صندوقة ورقيّة. لا يمكنني أن أختصر الضحكات، والصور المعلّقة، ورائحة الوسائد، في حقيبة سفر. بقيت الذكريات في مكانها، مصطفّة على الرفوف، تنتظر مصيرًا لا أعرفه. غدًا ربّما يغطّيها غبار القصف والدمار، كما حدث في المرّة السابقة، حين عدنا لنجد طبقة رماديّة كثيفة فوق كلّ شيء، كأنّ الحرب مرّت من هنا وكتبت باسمها على الجدران.

نزلت إلى سيّارتي الحمراء. هذه المرّة قلت لنفسي بصرامة: لن أعبث بالهاتف وأنا خلف المقود. في النزوح السابق ارتطمت ببلوك إسمنتيّ شلّ حركة السيّارة، بعد أن أوصلتني، بصعوبة أقرب إلى المعجزة، إلى منطقة الحمرا. يومها ظننت أنّ النجاة اكتملت، قبل أن يذكّرني الاصطدام بأنّ حتّى طرق الهروب ليست آمنة تمامًا.

حفظت طرقات “الفرار” عن ظهر قلب. من الليلكيّ إلى الحدث التي أقفلت بلديّتها بوّاباتها في وجه الموج البشريّ النازح من قلب الضاحية. إلى بعبدا، الحازميّة، ثمّ بيروت. أسماء مناطق صارت محطّات على خريطة الخوف. معظم من حولي كانوا بملابس النوم، مزّقت سباتهم أصوات الغارات الإسرائيليّة، فهبّوا إلى الطرقات، إلى السيّارات، إلى الدرّاجات الناريّة، وبعضهم سيرًا على الأقدام. رأيت امرأة تجرّ حقيبة بعجلات مكسورة، رجلًا يحمل طفلًا بيد، وكيسًا باليد الأخرى، شابًّا يتحدّث بعصبيّة في الهاتف محاولًا إيجاد مأوى.

كلّنا نجرّ الخيبة خلفنا

القاسم المشترك بيننا لم يكن الوجهة، بل الشعور. كلّنا كنّا نجرّ الخيبة خلفنا، والخوف من المجهول يسبقنا بخطوة. أين نذهب؟ متى نعود؟ هل فعلًا سنعود؟ أم إنّ العودة صارت كلمة للاستهلاك العاطفيّ فقط؟ كم ستمتدّ هذه الحرب؟ وهل ستترك لنا ما نعود إليه؟

أسئلة كثيرة تجول في خاطري، تتزاحم كازدحام السيّارات على الطريق الساحليّة. يقطع سروحي صوت الرصاص الذي ينذر بتهديدات جديدة، وبكاء الأطفال في السيّارات المجاورة. أنظر إليهم عبر الزجاج، وأتساءل إن كان هذا تهجيرهم الأوّل. أتمنّى، من كلّ قلبي، أن يكون الأخير. أتمنّى ألّا يحفظوا الطرقات عن ظهر قلب كما حفظتها، وألّا يتقنوا طقس توضيب حياتهم في أكياس سوداء، وألّا يتعلّموا باكرًا أنّ البيت في بلادنا احتمال موقّت، وأنّ الأمان قد يكون مجرّد هدنة قصيرة بين حربين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى