في حفلات الجنون والقصف: “وطن الحروب أنا هنا”

كم كان الشاعر اللبنانيّ إيليا أبو ماضي متفائلًا عندما أنشد “وطن النجوم أنا هنا…” وصولًا إلى قوله – بشكل خاص – جذلان يمرح في حقولك كالنسيم مدندنا.
لم تسعف الحيلة شاعرنا الكبير لأن يتخيّل دندنات من نمط آخر كدندنات المسيّرات مثلًا، أو دندنات الصواريخ وجدار الصوت وما شاكل من دندنات، لطالما رسمتْ المشهد اللبنانيّ منذ العقد الأوّل من استقلاله، وأتكلّم تحديدًا عن ميني حرب 1958 ثمّ الممارسات العرفاتيّة ومنظّمته لتحرير فلسطين عبر اتّفاق القاهرة سنة 1969، فالحرب الأهليّة اللبنانيّة بدءًا من العام 1975 وصولًا أخيرًا إلى حروب إسناد جماعة “ملالي” إيران في لبنان.
وتراني في هذا السياق “الحربجيّ” الطويل والنتن أبدّل عنوان هذه المادّة من “وطن الحروب أنا هنا…” إلى “وطن الجنون أنا هنا….” وفي البال ذلك التواشج الهائل الذي لطالما داخل ذهني بين إعلان الجنرال غورو لدولة لبنان الكبير في العام 1920 وإعلان المبشّر السويسري فلدماير عن تأسيس أوّل مستشفى للمجانين في لبنان وذلك سنة 1900 والتي عُرفتْ بـ “العصفوريّة”.
لطالما أرّقني ذلك التداخل بين كلّ من التاريخين، فإذا بي وعطفًا على طقوس الحروب التي لا تني تتكرّر أقرب إلى الاقتناع بأنّ التاريخ الحقيقيّ لإعلان قيام دولة لبنان هو إعلان المبشّر السويسري وليس إعلان الجنرال الفرنسي على الإطلاق. فلبنان، بلد جنون الحروب، يجعل خطبة الجنرال غورو لدى إعلانه قيام لبنان الكبير مجرّد خطبة هامشيّة في حياة هذا البلد، بينما إعلان فلدماير عن تأسيس مستشفى المجانين يجب أن يكون مشهدنا الأبرز منذ بداياتنا الأولى.
بين الحرب وجنون الجماعات
كثيرة هي الكتب التي تحفل بتلك النظريّات التي تربط بين الحرب وجنون الجماعات البشريّة، بصرف النظر عن أسباب نشوب هذه الحرب أو تلك، وبصرف النظر عن مآلاتها الأخيرة وبشكل خاص، بصرف النظر عن المنتصر صاحب شارات النصر المرفوعة والمنهزم الذي لحظة إعلان الهزيمة يشرع بالتحضير للحرب المقبلة.
إن الحروب في لبنان هي بالفعل أقرب إلى طقوس دينيّة لا تنفكّ تتكرّر بكلّ أبّهة وعنفوان وفخار. وما يزيد من كارثيّة هذه الطقوس الموجعة، هو إسباغ القداسة عليها، ورفع بعض قتلى الحروب ومجرميها إلى أعلى مراتب التقديس والملائكيّة وصولًا إلى التأليه – بالنسبة إليّ – الكاريكاتوريّ والهزليّ والفضفاض.
الحروب في لبنان هي بالفعل أقرب إلى طقوس دينيّة لا تنفكّ تتكرّر بكلّ أبّهة وعنفوان وفخار. وما يزيد من كارثيّة هذه الطقوس الموجعة، هو إسباغ القداسة عليها
من النافل أنّ أسباب نشوب الحروب لا تتسلّل على غفلة من ناسها، إذ ترى هذه الأسباب تُحضّر داخل الرؤوس على نار هادئة، إلّا أنّ اندلاعها الجهنّمي تراه أقرب إلى فَوْرَة تستقطب الجماعات، وكأنّ كلًّا من هذه الجماعات هي في فورة عيد كما شرّح هذا الأمر عديد من علماء الاجتماع والمؤرّخين، وفي البال بشكل خاص العالم الفرنسيّ الخبير في الأديان والحروب روجيه كايوا ولا سيّما كتابه “الإنسان والمقدّس” والذي نقلته إلى العربية سميرة ريشا وصدر عن المنظّمة العربيّة للترجمة.
نعم، إنّ الحروب في لبنان هي في بعض تجلّياتها أقرب إلى الأعياد الدوريّة حيث يصار إلى اقتلاع الفرد من خصوصيّته ودمجه، بل و”دحشه” (إيلاجه)، في متون الجماعة، إنّ الحرب عبر كثير من تمظهراتها التهليليّة هي بالفعل مثل العيد الذي يكرّس خصوصيّات الجماعات أثناء حفلة جنونها الفاجر.
“بتحبّ لبنان، حبّ صناعتو”
عندما كان وزيرًا للصناعة رفع الراحل بيار جميّل (الحفيد) شعارًا يقول: “بتحبّ لبنان، حبّ صناعتو”. إلّا أنّ تاريخ هذا البلد منذ بداياته الأولى تستوجب تغيير هذا الشعار إلى “بتحبّ لبنان، حبّ حروبو” وإلّا المكوث فيه يقع من ثمّ في باب المستحيل أو فلنقل في باب الجنون.
إنّ لبنان ما انفكّ يبثّنا أنّ اندلاع الحروب فيه ليس بالواقعة العرضيّة، وأكثر من هذا، أنّ الحروب هنا هي جزء من الهويّة اللبنانيّة. أمّا فترات السلم فهي في أحسن حالاتها بمثابة لحظات مطواعة لتهيئة ظروف الحرب المقبلة.
ففي وطن الحروب هذا يحسب المرء أنّه إزاء انزلاق متدرّج للذّة من نمط آخر، لذّة غريبة عجيبة تقوم على انصهار الجماعات بكلّ حيويّة وحبور وتهيّج في بوتقات حروبها وربّما حربَي الإسناد ولا سيّما هذه التي نعيش كوارثها اليوم هي مثال هائل للانخراط في هذه اللذّة الداشرة السائبة، لذّة أن “يرتقي” المرء إلى أن يكون “شهيدًا” وصولًا لتلك اللذّة الأخرى لأن يدوّن فوق هذا الذي قد قُتل (والذي سرعان ما سوف يطويه النسيان) عبارة “الشهيد السعيد”! إنّ الحرب مع هؤلاء بالأخصّ هي ذلك العيد (بالمعنى البدائيّ لكلمة عيد) الذي يشرّع الأبواب على عوالم الملائكة وعلى عوالم الزمن الأعظم… وهنا الطامّة الكبرى.
وطن الحروب ووطن الجنون
إنّ “وطن النجوم…” هو فرحة في غير محلّها أو سذاجة بريئة وربّما هو تفاهة غير مقصودة إذ إنّنا وبحضرة حرب الثأر للخامنئيّ بشكل خاصّ إزاء مزج فريد من نوعه لوطن الحروب ووطن الجنون في توليفة واحدة وهائلة.
بالعودة إلى إيليا أبو ماضي وقصيدته الجميلة تراني متشبّثًا بصورة ولد هذه القصيدة الذي يمرح في الحقول مدندنًا. تراني أجمع شتات نظراتي بغية التحديق في ذلك الولد – ولا سيّما إذا كان من الجنوب – وترى مسامعي تنصت بحبّ إلى روعة دندناته الجميلة (والتي لا علاقة للثأر للخمينيّ بها).
إلّا أنّ تلك النظرات وذلك الإنصات بهذه اللحظات التي أكتب فيها هذه المادّة محلّ تطاير وأشلاء وتبعثر لا ربّ له، وذلك على وقع صوت انفجار هائل رجّ أركان بيتي في بلدة الشويفات القريبة من الضاحية، وها أنا أترقّب المحطّات التلفزيونيّة المحلّيّة كي أعرف أين سقط ذلك الصاروخ الطازج. حسنًا، تبثّني إحدى المحطّات أنّ الطيران الحربيّ الإسرائيليّ يخرق في هذه اللحظات جدار الصوت في بيروت ومحيطها… سحقًا للحروب، وسحقًا لمنتصريها ومهزوميها.



