مجزرة الثامن من نيسان: يوميات الفقد في حي السلم

“كلّ واحد من الشباب حامل معو كفنو عالموتسيكل”.

ستظلّ هذه العبارة ترافقني كلّما سمعت اسم حيّ السلم في الضاحية الجنوبيّة لبيروت. لم تكن جملة مجازيّة. عندما سأل زميلي المصوّر عمّا يقصده الشاب في جملته، ركن الأخير درّاجته الناريّة وأخرج منها علبة صغيرة بيضاء بداخلها كفن وسُبّحة.

يجول وأصدقاؤه في الحيّ مهيّئين للموت المتربّص بهم، بخفّة أرواحهم.

فوق ركام الأبنية المدمّرة، حيث كان يقطن جيرانه وأصدقاؤه، يجد الشاب نظّارة شمسيّة مكسورة، فيضعها على عينيه ممازحًا. تقترب منّي سيّدة من أهل الحيّ وتقول: “شفتي هالمزح؟ من حرقة قلبو عم يعمل هيك؛ هون كان بيت رفيقو”.

هو أحد أبناء الحيّ، وهو من وجد أصدقاء طفولته: فيّاض الشاب الوحيد لأمّه، وعلي وابنه جواد الطفل، بين الركام في اليوم التالي بعد الغارة. يريني صورة صديقه الشهيد علي، ثمّ صورة أخرى له وهو مكفّن. يحتفظ بالصور، وعلى وجهه، بين “الهضامة” والجدّيّة، وجعٌ مخفيّ يختصره بكلمة واحدة هي: “الصبر”.

26 جرحًا

شارك فرق الإنقاذ في البحث عن أصدقائه. هنا، يبدو الصبر أكثر من مجرّد كلمة؛ قوّة يوميّة لدى من فُجعوا، تُشعرني بالعجز أمامهم. 26 شهيدًا من بينهم أطفال قُتلوا بتاريخ الثامن من نيسان(أبريل) الجاري في هذا الحيّ وحده. 26 جرحًا في قلوب أحبابهم أصبحوا ذكريات مدثرة بالدمّ والركام.

أقف فوق الركام. من حولي، الموت شاهد على ما اقترفته وتقترفه إسرائيل بحقّنا. بين الحجارة، ألعاب أطفال: كرة، وكتاب قراءة وتعبير للصفّ الثالث. هذا يعني أنّ أطفالًا قُتلوا هنا. لعبة بلون برتقاليّ فاقع، تقاوم رماد الغبار والصمت. و”طرحة” بيضاء صغيرة ما زال بياضها يحكي عن الفرح المقتول من بين الردم.

تُخبرني السيّدة التي التقيتها وهي صاحبة دكّان صغير في الحيّ، عن اللحظات الأولى بعد الغارات. بدأتُ بالصراخ بحثًا عن ناجين بين الغبار والردم، “مين في هون”؟ جاءها جواب أحد العالقين والذي كان في سيّارة “ڤان” يحترق مستغيثًا بها. قامت السيّدة بسحبه من رجليه وأخرجته. حاولت إخراج شاب آخر يُدعى جواد، تقول: “ركضت لأنقذ جواد بسّ ما في جواد” في إشارة منها إلى أنّ جوادًا بات أشلاءً. ثمّ اشتعل الڤان…

أغادر حيّ السلّم وأنا أفكّر، هل ستعثر فرق الإنقاذ على جسد طفلة بين كلّ هذه الحجارة؟

مفقودون لا يُعرف عنهم شيء

من بين الركام انتشل أبناء الحيّ هرّة صغيرة، تقول السيّدة: “وكأنّ الهرّة تخبرنا بأنّه ما زال بين الركام أحياء”. وتشير إلى تأخرّ المساعدة في تأمين آليّات للبحث عن مفقودين.

تُكمل السيّدة حديثها فتخبرنا عن طفلة الأربع سنوات والتي كانت برفقة أمها: “كانتا نازحتين إلى صيدا منذ بداية شهر رمضان، ثمّ عادتا إلى حيّ السلّم قبل يوم من حدوث المجزرة، لأنّ الطفلة اشتاقت إلى جدتّها التي بقيت صامدة في حيّ السلّم”. تضيف “في الساعة الثانية ماتت الطفلة وأمّها وعائلتها”. انتُشل جثمان الأمّ والجدّة وبعد مضي أيّام على المجزرة، عثرت فرق الإنقاذ على جثمان الطفلة.

بكل ما أوتينا من جرح

من بين الشهداء أيضًا قارئة العزاء الحاجّة زينب التي استشهدت برفقة أولادها وحفيدها. هي التي يحلف أبناء الحيّ باسمها لحُسن خُلقها وطيب قلبها. تقول السيّدة: “ليه؟”. السؤال الذي يشعرنا بالعجز وفي الوقت نفسه يزيد من تمسّكنا بيقين أنّ إسرائيل شرّ علينا محاربته بكلّ ما أوتينا من جرح في ذاكرتنا وصدورنا، على أمثال هؤلاء الذين مضوا واختنقت أنفاسهم تحت ركام بيوتهم.

أغادر حيّ السلّم وعلى ثيابي غبار دمار ممّا خلّفته أسلحة العدّو، ومشاهد الدمار، وصورة ذاك الذي كان يبحث عن جثمان أخيه مع فرق الإنقاذ في رأسي، وأنا أفكّر هل ستعثر فرق الإنقاذ على جسد طفلة بين كلّ هذه الحجارة؟ ومذ قال الشاب جملته وأنا أفكّر كيف يعيش كلّ هذا الفقد، مزاحه يحكي عن حبّه للحياة. ولكن ما معنى هذه الحياة بالنسبة إليه؟ كيف يقاوم أيّام الحرب الثقال وهو يحمل كفنه معه طوال الوقت؟

هذا ما جنته إسرائيل زرعت فيها استعدادًا لغدرها، فتمسّكنا أكثر بعدائنا لها.

لعبة أطفال بين ركام الموقع المستهدف في حي السلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى