عن سلاحف شاطئ المنصوري وروحي العالقة هناك

على شواطئ لبنان، وفي هذا الوقت من كلّ عام، وتحديدًا شهر أيّار (مايو) تبدأ السلاحف البحريّة رحلتها التي لا تشبه الزمن، وكأنّها ذاكرة الأرض تمشي على أربع زعانف.

منذ ملايين السنين، تحفظ الطريق وتدركه أكثر ممّا نعرفه نحن، وتثق به أكثر ممّا نثق نحن بأيّ غد، تصعد ببطءٍ مهيب مع حلول الظلام نحو رمال الشواطئ، ككائنٍ يختزن سرّ الحياة في جسده، تحفر بصمت وهدوء، تودِع بيضها في حضن الشاطئ، وتغطّيه بحيلتها القديمة كالبداية في كلّ مرّة، تقودها فطرتها إلى الاستمرار، ثمّ تعود نحو البحر، تاركةً خلفها وعدًا صغيرًا بالحياة، وعدًا لا يخون رسالة جدّاتها العتيقات اللواتي سبقنها في هذه الأرض.

هناك، على شواطئ الجنوب، وتحديدًا في المنصوري حيث الشاطئ البكر والأهمّ لتعشيش السلاحف البحريّة من النوعين ضخمة الرأس والخضراء، كانت الأمانات تُحفَظ بين الرمل والموج. كنّا نراقبها على امتداد أعوام طويلة، نحرسها كأنّنا نحرس معنى الحياة نفسه، نحاول أن نحافظ على ما تبقّى من نقاء في هذا العالم.

أمّا نحن، العالقون بين ترّهات العالم وقسوة الحياة اليوميّة فلم نكن يومًا نعيش الأمان. أمّا اليوم ومع الحرب الطاحنة، فلم نعد نعيش الأمان أبدًا، أصبحنا نحاول النجاة كما تنتظر السلحفاة الفجر، نحمل حنينًا يجرّنا كلّ يوم نحو أماكن لم يعد يُسمح لنا الوصول اليها ولا أن نكون فيها.

حلم وحكاية

لا أعرف متى سنعود ولا بأيّ شكل. أعرف فقط أنّهم اقتلعوا بيوتنا، حاراتنا، مدننا، بأبشع الطرق. أعرف أنّها أصبحت رمادًا ونحن كأنّنا لم نكن، كأنّنا مجرّد أرقام في سجلٍّ بارد، يُمّحى وتُعاد كتابته بلا ذاكرة، أعرف أيضًا أنّني حاولت الوصول إلى الشاطئ بعد وقف إطلاق النار المزعوم، ولكن عبثًا حاولت.

منذ العام 2016، اخترت أن أكون جزءًا من هذه الحكاية، تطوّعت لحماية السلاحف البحريّة مع من كرّست حياتها 20 عامًا لحماية الشاطئ وتلك الكائنات الساحرة “منى خليل”، لم أكن ناشطة بيئيّة وحسب، بل كنت كمن تبحث عن نفسها في مرآة الكائنات البسيطة، أنجو مع كلّ صغيرة فقست وانطلقت نحو البحر، خمسة أشهر من كلّ عام، كنت أقضي منها معظم أوقاتي على الشاطئ، لدرجة أنّني حفظته عن ظهر ماء كما حفظني في قلب اليمّ، كنت أتنفّس مع الموج، وأعدّ الأيّام على وقع خطى السلاحف، كان ذلك الجزء الأكثر صدقًا في حياتي، والأكثر اكتمالًا.

لكن في موسمي 2024 و2025، لم يكن البحر وحده هناك، كانت الحرب أيضًا ولكن بأقلّ وطأة من اليوم، كانت المسيّرات تحوم فوق رؤوسنا كشياطين سوداء، وكانت الطرق إلى الشاطئ مفخّخة بالخوف، محفوفة بالمخاطر، ومع ذلك كنّا نصل مع إصرارنا على أن نحمي ما يمكن حمايته، كأنّنا نحمي أنفسنا من الانكسار، كنا نقاوم وصمدنا على طريق حبّ الحياة وحمايتها.

الناشطة البيئية فاديا جمعة تحمي أعشاش السلاحف البحرية على شاطئ المنصوري
عن اليوم والأمس

أمّا اليوم، اختلف الأمر. احتلال جديد أكثر تعقيدًا من أيّ وقت مضى، تصعيد عسكريّ، وتهجير قسريّ وإبادة مدروسة.

الشاطئ الذي كان بيتًا صار منطقة محظورة، الطريق التي كنّا نسلكها كلّ مساء، صارت حدًّا فاصلًا بين الحياة والموت، لم يعد مسموحًا لنا بأيّ شكل من الأشكال أن نصل، وحدها السلاحف هناك تعرف طريقها إلى وطنها.

حاول الإنسان أن يعبث بذاكرتها، أن يحتلّ شواطئها، أن يربك بوصلتها، لكنّها مع كلّ المحاولات كانت تعود، دائمًا تعود، في داخلها خريطة لا تُرى، لا تُمّحى، ولا تُحتلّ.

أمّا نحن… فنعرف الطريق، لكنّنا ممنوعون من العبور.

أشلائي الموزعة هنا وهناك

خلال تغطية صحافيّة، وصلت إلى تلك النقطة المستحدثة للجيش اللبنانيّ عند “عين مدفنة” المدخل الرئيس للحمى، كانت تلك آخر نقطة يُسمح لي بها في خريطة الوطن، من هناك، كانت البيّاضة قريبة بما يكفي لتؤلم قلبي، بعد أن صارت حلمًا معلّقًا عند طرف العين، حاولت التقدّم، خطوة واحدة فقط نحو الشاطئ، لكنّ الجيش منعني، قالوا: “حفاظًا على حياتك”.

أيّ حياة هذه، حين يُمنع عنك المكان الذي يمنحك معنى الحياة؟

حتما هم لا يعلمون أنّ جزءًا من روحي خبّأته هناك بين الرمال، ما زال ينتظرني ليلتئم مع أشلائه الموزّعة هنا وهناك وفي كلّ أرض أحببتها من الجنوب.

السلاحف تعود إلى وطنها دون أن يسألها أحد عن هويّتها، غريزتها تقودها لتضع بيضها حيث ولدت، أمّا نحن، فنُسأل، ونُمنع، ونُؤجَّل، ونُقصى حتّى نصبح غرباء عن بلداتنا وأماكن حفظناها عن ظهر قلب.

السلاحف تجوب المحيطات وتعاود طريقها نحو الوطن، أمّا نحن فالوطن يضيع منّا، ونحن فيه.

روحي العالقة هناك

مع ذلك، لديّ خطّة صغيرة، فكرة هشّة، بحجم نجاة شخصيّة، لكنّها بالنسبة إليّ أكبر من حرب، سأحاول أن أنفّذها، ربّما أنقذ شيئًا من روحي العالقة هناك، بين الرمل والموج، بين أثر زحف سلحفاة وذكرى خطوات قديمة لي.

لن أسمح لعدوٍّ همجيّ أن يقضي على أحلامي. لن أسمح للموت، مهما اقترب، أن يُطفئ هذا الإيمان العنيد بالحياة.

نحن نعيش نكبة مفتوحة على كلّ الاحتمالات: على الجغرافيا والتاريخ، على الماضي والحاضر والمستقبل، موتٌ يلاحقنا، وخرابٌ يتكاثر، وإبادة لا تكتفي بالأجساد، بل تمتدّ لتطال المعنى نفسه، الذاكرة والذكريات، لم يكتفوا بسرقة بيوتنا، بل حاولوا سرقة الأشياء التي نحبّها، الأشياء التي تجعلنا نحن.

أيّار هنا، قد حلّ، بداية موسم تعشيش السلاحف البحريّة.

في مكانٍ ما، الآن، بدأت سلحفاة تصعد الشاطئ، تحفر، وتخبّئ بيضها، وتؤمن على رغم كلّ شيء أنّ الحياة تستحقّ أن تُعاد.

وأنا أومن مثلها على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة ويستحقّ أن نحاول وأن نكمل رسالتنا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى