حرفيُّو الجنوب والضاحية: مشاغل مهجورة وأرواح عالقة بين الجدران

لم يكن نزوح الحرفيّين من جنوب لبنان مجرّد ابتعادٍ عن بيوتٍ وطرقات، بل كان أشبه بالتخلّي عن أجزاءٍ من الذاكرة معلّقة في الهواء، مشاغل وورشٌ أُغلقت على عجل، وأدواتٌ بقيت شاهدة على أيدٍ اعتادت أن تصنع الحياة من التفاصيل الصغيرة، قبل أن تبتلعها الحرب بصمتها الثقيل.

حين بدأت كتابة هذه المقالة، لم أكُن أبحث فقط عن قصص حرفيّين نزحوا من بيوتهم وقراهم، بل كنت أبحث كذلك كما في كلّ مرة عن تلك التفاصيل الصغيرة في قصص الناس التي تجعل الحكايات أكثر حقيقيّة وأجزل تأثيرًا.

النزوح لا يقتصر على الابتعاد من مكان جغرافيّ، بل يمتدّ إلى تفاصيل صغيرة كنّا نظنّها عابرة: الطريق الذي نسلكه كلّ صباح، وجوه الجيران، رائحة الحقول، والأماكن التي اعتدنا أن نمارس فيها أعمالنا وهواياتنا وأحلامنا وضحكاتنا.

وفي خضمّ الحديث اليوميّ عن البيوت المهدّمة والخسائر المادّيّة، بدا لي أنّ هناك وجعًا آخر أقلّ ظهورًا، يعيشه الحرفيّون ممّن لم يتركوا خلفهم منازلهم فقط، بل تركوا أيضًا مشاغل وورشًا بنوها على مدى سنوات، وأدوات ارتبطت بأيديهم كما يرتبط العازف بآلته الموسيقيّة، وأعمالًا تختزن ساعات طويلة من التعب والشغف والصبر.

جهد سنين وسهر ليال

تقول الحرفيّة “الجبيليّة” النازحة من الضاحية هند حيدر أحمد (كروشّيه، مكرميّة، دريم كاتشر، مندالا) إنّ أوّل ما شعرت به عند النزوح كان أنّها تترك خلفها ذكرياتها وكلّ ما هو جميل، وكذلك تترك أعمالًا صنعتها بجهد السنين وسهر الليالي.

لم تكن تنظر إلى ما أنجزته بوصفه مجرّد منتجات أو مقتنيات، بل بوصفه جزءًا من عمرها وصحّتها وروحها. وعلى رغم القصف والدمار، بقي الأمل بالنسبة إليها حاضرًا، وبقي الإيمان بالعودة أقوى من الخسارة. ترى هند أنّ فقدان الوطن والأحبّة يبقى الخسارة الحقيقيّة، بينما يمكن الإنسان أن يعوّض ما خسره مادّيًّا طالما لم يزل يمتلك صحّته وعافيته وقدرته على العمل.

وتؤكّد هند أنّ الحرب لم تُضعف ارتباطها بحرفتها، بل زادتها تمسّكًا بها. فالحرفة بالنسبة إليها مصدر قوّة وأمل، ووسيلة لمساعدة الآخرين وتعليمهم مهارات قد تفتح لهم بابًا للحياة في الأوقات الصعبة.

الحرفيّة هند أحمد
وداع حياة كاملة

أمّا مريم عاصي (تدوير زجاج) النازحة من بلدتها أنصار الجنوبيّة، فتروي النزوح بوصفه وداعًا لحياة كاملة وليس انتقالًا قسريًّا بين مكانين منفصلين. كانت ورشتها متّصلة ببيتها وحديقتها، وفيها تداخلت الحياة اليوميّة بالعمل والذكريات. هناك كانت الأفكار تولد، والمواد المهملة تستعيد حياتها بين يديها، والأحلام تتّخذ شكلًا ملموسًا. لذلك شعرت، حين أغلقت باب الورشة خلفها، وكأنّ جزءًا من روحها بقي عالقًا بين جدرانها.

لا تتحدّث مريم عن أداة محدّدة تركتها خلفها، بل عن جميع الأدوات والماكينات التي جمعتها على مدى سنوات طوال، لكلّ منها قصّة، ولكلّ منها أثر في ذاكرتها ويديها. فهذه الأدوات لم تكن بالنسبة إليها مجرّد معدّات عمل، بل شواهد حيّة على سنوات من الشغف والتعلّم والكفاح. وعلى الرغم من أنّ الحرب دفعتها في البداية إلى التساؤل عن جدوى ما تصنعه، فإنّها سرعان ما اكتشفت أنّ حرفتها كانت إحدى الوسائل القليلة التي ساعدتها في مقاومة الانكسار. فكلّ قطعة مهملة كانت تعيد إليها الحياة، كانت بمثابة محاولة لترميم شيء مكسور في داخلها وفي وطنها على حدّ سواء.

الحرفيّة مريم عاصي
خسرت البيت والورشة

تختصر جمال بيطار (عيثرون- بنت جبيل) تجربة كثير من الحرفيّين وهي التي تمتهن حرفة طرق النحاس، ونازحة من ضاحية بيروت الجنوبيّة، حين تقول إنّها خسرت البيت والورشة معًا، لأنّ فقدان أحدهما يعني فقدان الآخر. وترى أن كلّ قطعة تصنعها بيديها هي جزء منها لأنّها وُلدت من الحب والشغف. لذلك تؤمن بأنّ الحرفة الحقيقيّة لا تستطيع الحروب ولا النزوح انتزاعها من وجدان صاحبها، مهما اشتدّت الظروف.

الحرفيّة جمال بيطار

خسارة المعنى

أمّا النقيب السابق للحرفيّين الفنّيّين، حرفيّ النحاس حسن وهبه (م جباع- النبطيّة) النازح من الضاحية الجنوبيّة، فيضيء على جانب آخر من التجربة، يتجاوز المكان والأدوات إلى ما يسمّيه “خسارة المعنى”.

هو يرى أنّ الورشة تمثّل الهويّة المهنيّة والإنتاجيّة التي تتشكّل عبر عقود من العمل، وأنّ خسارتها تعني فقدان مساحة الاستقلاليّة والقدرة على العطاء. ويتحدّث عن أدواته القديمة، ولا سيّما المطرقة والإزميل، باعتبارها امتدادًا بيولوجيًّا ونفسيًّا للحرفيّ، تحمل آثار سنوات طويلة من التعب والخبرة.

ويشير وهبي إلى أنّ المجتمع يركّز غالبًا على خسارة المنزل، لكنّه لا يرى خسائر أخرى لا تقل أهمّيّة، مثل فقدان شبكة العلاقات المهنيّة التي بُنيت على مدى عقود، وضياع “زبائن العمر”، وخسارة المخطّطات والنماذج والمواد التي تمثّل خلاصة تراكم معرفيّ طويل. ويلفت كذلك إلى أنّ النزوح ربّما يحوّل الحرفيّ من شخص منتج ومكتفٍ ذاتيًّا إلى شخص ينتظر المساعدة، وهو تحوّل يترك أثرًا عميقًا في الشعور بالكرامة والاستقلال.

النقيب السابق للحرفيّين الفنّيّين، حرفيّ النحاس، حسن وهبه

خزائن للذاكرة

ما يجمع هذه الشهادات أنّ أصحابها لم يتحدّثوا عن الأدوات بوصفها أشياء جامدة. كانت الأدوات بالنسبة إليهم خزّانات بل خزائن للذاكرة، تحمل آثار الأيدي التي استخدمتها، وتختزن سنوات من الخبرة والتجارب والنجاحات والإخفاقات. لذلك بدا فقدانها أقرب إلى فقدان جزء من الذات منه إلى خسارة ممتلكات مادّيّة.

في شهادات الحرفيّين النازحين تتشابه الكلمات وإن اختلفت الحكايات. لا أحد منهم تحدّث عن الورشة باعتبارها مجرّد مكان للعمل، ولا عن الأدوات باعتبارها مجرّد وسائل إنتاج. كانت الورشة بيتًا آخر، وكانت الأدوات أجزاءً من الذاكرة، وكانت الحرفة جزءًا من هويّة الإنسان وتعريفه لنفسه قبل أن تكون وسيلة ارتزاق.

إنّها خسارة لا تُقاس بعدد البيوت المهدّمة فقط، بل أيضًا بعدد الأحلام المؤجّلة، والورش المقفلة والمشاغل الشاغرة من العمل، والأدوات التي ما زالت تنتظر أصحابها، والمهارات التي تبحث عن فرصة جديدة للحياة.

وعلى رغم كلّ ما حملته هذه الشهادات من وجع وحنين، يبقى فيها ما يشبه الإصرار الخفيّ على الاستمرار. كأنّ الحرفة، بما هي امتداد لليد والذاكرة معًا، لا تُقتلع تمامًا، بل تُعلّق إلى حين، إلى أن تعود اليد إلى مكانها، ويعود المكان من شغوره الموجع إلى انشغاله الأوّل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى