بيوت الحجر في الجنوب تاريخٌ كُتب بالإزميل ومحاه التدمير


في جبل عامل، حين يسقط البيت “الحجريّ”، يسقط معه جزء من الذاكرة العامليّة: عتبة عبرت من تحتها أجيال، قنطرة حفظت ظلّ العائلة، شبّاك عميق عرف الضوء كما يعرف الفلّاح مواسمه، وحجر حمل أسماء الذين مرّوا من هنا وتركوا دفءَ أيديهم محفورًا على الجدران. القصف الإسرائيليّ الذي أصاب بنت جبيل وصور والنبطيّة وقرى جبل عامل طاول عمرانًا يتجاوز معنى السكن، إذ إنّ البيت الحجريّ في الجنوب وثيقة مكانيّة واجتماعيّة، وامتداد حيّ لعلاقة الإنسان بالأرض والصخر والموسم والنسب.

عناصر لهويّة واحدة

في النبطيّة، كما في القرى العامليّة القديمة، تتّخذ الخسارة شكلًا مضاعفًا: خسارة بشر وبيوت، وخسارة ذاكرة عمرانيّة تراكمت عبر قرون من العمل اليدويّ والمعرفة المحلّيّة. السوق القديمة، الدكاكين الحجريّة، البيوت ذات العقود، المداخل المنحوتة، الحارات الضيّقة، الساحات الصغيرة، كلّها عناصر من هويّة واحدة. وحين يتعرّض هذا النسيج للتدمير، تُصاب المدينة في لغتها العميقة، في طريقتها الخاصّة بترتيب الضوء والظلّ، في هندستها الاجتماعيّة التي جعلت البيت قريبًا من الدار، والدار قريبة من الطريق، والطريق قريبة من الحقل.

يتعامل القانون الدوليّ الإنسانيّ مع الممتلكات الثقافيّة بوصفها جزءًا من ذاكرة الشعوب، ويضع حماية خاصّة للمعالم والمباني والمواقع ذات القيمة التاريخيّة والفنّيّة والمعماريّة. واتّفاقيّة “لاهاي” الخاصّة بحماية الممتلكات الثقافيّة زمن النزاع المسلّح جعلت صون التراث مسؤوليّة تتجاوز الحدود العسكريّة، لأنّ تدمير الأثر يعني تدمير طبقة من ذاكرة الجماعة. هنا تبرز أهمّيّة البيوت الحجريّة في جبل عامل: فهي ليست آثارًا جامدة، بل هي بيوت حيّة، بعضها مأهول، وبعضها مهجور، ومنها ما هو قائم في الذاكرة كآخر أثر يدلّ على عائلة رحلت أو قرية تبدّلت.

إنّ محو التراث يحدث على مستويين: الأوّل ظاهر، حين تتحوّل القنطرة إلى ركام، والواجهة إلى غبار، والحوش (الفناء) إلى حفرة. والثاني أعمق، حين تضيع المهنة التي صنعت ذلك كلّه: يد الحجّار، عين المعلّم، معرفة الحجر، أسماء الأدوات، طرائق القصّ، أسرار العقد، وحكمة توزيع الفتحات. لذلك فإنّ حماية بيت حجريّ في جبل عامل تعني حماية بنية عمرانيّة ومعرفة مهنيّة وهويّة مكانيّة دفعة واحدة.

الحجر جسد الهويّة

في جبل عامل، لم يأتِ البيت الحجريّ من خيال معماريّ منفصل عن الأرض. جاء من الصخرة القريبة، من المنحدر، من المقلع الأهليّ، من حافّة القرية، من الجبل الذي أعطى مادّته كي يصير جدارًا ومصطبة وقنطرة ودارًا. لذلك تبدو البيوت الحجريّة القديمة كأنّها جزء من المشهد الطبيعيّ، لونها قريب من التراب، خشونتها دانية من الحقول، ووقارها مقتبس من صمت التلال.

الحجر هنا مادّة وهويّة. البيت الجنوبيّ القديم يعرّف نفسه عبر عتبته، عقده، سماكة جداره، برودة قبوه، سطحه العالي، مصطبته، ونافذته الغائرة. في هذه التفاصيل تسكن طريقة حياة كاملة: طعام يُخزَّن في القبو، قمح يجفّف فوق السطح، زيت يستقرّ في خابية، عائلة تلتمّ في الدار، نساء يصنعن المؤونة، رجال يعودون من الحقل، وأطفال يتعلّمون أسماء الأشياء من ملمس الحجر.

هويّة المكان في جبل عامل ليست شعارًا عامًّا، بل هندسة يوميّة. شكل البيت يحدّد حركة العائلة، وطريقة جلوس الناس، ومكان المؤونة، ومسار الهواء، ونوعيّة الضوء. الحجر يصير لغة، وكلّ بيت قديم جملة طويلة كتبها المعلّم الحجّار بالإزميل والمطرقة والصبر.

خسرت النبطية جزءًا كبيرًا من عماراتها التراثية في الحرب الأخيرة (تصوير علي عميص)
من الصخرة إلى الإزميل

كانت مهنة الحجر في جبل عامل تقوم على معرفة دقيقة بالصخر قبل أن تقوم على قوّة الجسد. الحجّار يعرف الحجر من صوته، من عروقه، من قساوته، من قابليّته للانقسام أو التفتّت. هناك حجر يصلح للزوايا، وحجر للواجهات، وحجر للدبش، وحجر للعتبات، وحجر للعقود، وحجر للزخرفة حول الباب أو الشبّاك. اختيار الحجر كان قرارًا هندسيًّا وجماليًّا في الوقت نفسه.

المعلّم الحجّار لم يكن عامل بناء عاديًّا. كان قارئًا للمادّة، يعرف كيف يضع الحجر الكبير في موضع الثقل، وكيف يملأ الفراغ بالحجارة الصغيرة، وكيف يربط الجدارين، وكيف يترك للحائط قدرة على التنفّس. كان يدرك أنّ البيت الحجريّ يعيش طويلًا حين تتفاهم حجارته في ما بينها: مدماك فوق مدماك، زاوية تشدّ زاوية، قنطرة تحمل سقفًا، وفتحة تضبط أنفاس الهواء.

تبدأ الحرفة من اقتلاع الحجر، ثم تشذيبه، ثمّ ترتيبه، ثمّ رفعه إلى مكانه. كانت الأدوات بسيطة: إزميل، مطرقة، مسطرة، خيط، ميزان، وحسّ عميق بالتوازن. خلف هذه البساطة تقيم معرفة هندسيّة كبيرة. فكلّ ضربة على الحجر تحمل قرارًا هو الجواب على السؤال: كم يُنحت؟ أين تُترك الخشونة؟ أين تُصقل الحافّة؟ كيف تُقاس الزاوية؟ كيف يُصنع العقد كي يحمل ثقله بثبات؟

اليوم صارت هذه المهنة نادرة. الخرسانة السريعة أخذت مكان الجدار الحامل، و”البلوك” أخذ مكان الدبش، والواجهات الجاهزة أخذت مكان الحرفة. صار الحجر في كثير من البيوت الحديثة كسوة خارجيّة، بينما البيت القديم كان حجرًا في بنيته ووظيفته وروحه. الفرق كبير بين بيت يلبس الحجر وبيت يولد منه.

العقد والقنطرة هندسة الثقل الأنيق

العقد والقنطرة من أبهى علامات البيت الحجريّ في جبل عامل. القنطرة ليست زينة معلقة فوق الفراغ، بل هندسة عميقة تجعل الثقل يمشي إلى الجانبين. الحجر قويّ تحت الضغط، والقوس يمنحه طريقًا مناسبًا كي يحمل السقف والجدار والطبقة العليا. كلّ حجر في العقد يعتمد على الحجر المجاور، وكلّ قطعة تأخذ معناها من موضعها في الكلّ.

في البيوت العامليّة القديمة، تظهر القناطر عند المداخل، في الأقبية، في الإيوانات، في المخازن، في الطوابق الأرضيّة، وفي ممرّات البيوت الكبيرة. القنطرة تمنح البيت رحابة، وتفتح فراغًا داخليًّا أوسع ممّا تسمح به الجدران المستقيمة وحدها. وهي في الوقت نفسه تصنع جمالًا هادئًا، لأنّ الانحناء الحجريّ يخفّف قسوة المادّة ويحوّل الثقل إلى شكل أنيق.

أمّا العقد فوق الباب أو الشبّاك، فهو توقيع المعلّم. حوله تظهر مهارة النحت، دقّة القصّ، انسجام الحجارة، وقدرة اليد على جعل المدخل إعلانًا عن البيت ومكانته. الباب المعقود يقول إنّ خلفه دارًا راسخة، عائلة، مؤونة، حكاية، وليلًا طويلًا من السهرات والأصوات.

بيت يعرف الفصول

البيت الحجريّ في جبل عامل صنع علاقة حكيمة مع الطقس. الجدار السميك يعزل الداخل عن حرارة الصيف، ويخزّن برودة الليل في جسده الكثيف. في الشتاء، يحتفظ بدفء الموقد والناس والحركة اليوميّة. هذه الخاصيّة تجعل البيت الحجريّ بيتًا مناخيًّا بالفطرة، قبل المكيّفات، قبل العزل الصناعيّ، وقبل لغة الهندسة الحديثة.

فتحات الإنارة والتهوية كانت محسوبة بتجربة طويلة. الشبّاك الغائر يمرّر الضوء عبر سماكة الجدار، فيدخل النور ناعمًا متدرّجًا. الفتحة الصغيرة في جهة معيّنة تضبط الريح، والباب العالي يوسّع حركة الهواء، والسقف المرتفع يسمح بتجمّع الهواء الساخن في الأعلى. هكذا يتحوّل البيت إلى نظام طبيعيّ للظلّ والحرارة والضوء.

منزل لآل ضاهر في النبطية (تصوير كامل جابر)

السطح كان جزءًا من وظيفة البيت المناخيّة والاقتصاديّة. عليه يجفّ التين والعنب والقمح والبرغل، وعليه تمتدّ المؤونة تحت شمس الجنوب. القبو كان خزان برودة، يصلح للحبوب والزيت والخوابي. المصطبة كانت غرفة خارجيّة للمساء، بين البيت والطريق، بين العائلة والقرية. كلّ عنصر في البيت يؤدّي وظيفته: الحجر يعزل، القنطرة تحمل، الشبّاك يضيء، السطح ينتج، القبو يحفظ، والعتبة تصل الداخل بالخارج.

أنواع الحجر “العامليّ” ومعانيه

في جبل عامل، تنوّعت طبائع الحجر بحسب الموضع والمقلع والقرية. الحجر الكلسيّ الفاتح منح البيوت لونًا قريبًا من الضوء الجنوبيّ. الحجر الصلب استُخدم في القواعد والزوايا والأماكن التي تحتاج إلى ثبات أكبر. الدبش دخل في الحشوات والجدران الداخليّة. الحجر المشذّب ظهر في الواجهات المنظّمة. الحجر المنحوت حضر حول الأبواب والشبابيك والعقود.

لكلّ نوع وظيفة ومعنى. الحجر الخشن يمنح الجدار قوّته الريفيّة. الحجر المصقول يمنح الواجهة وقارها. الحجر المنحوت يرفع الباب من مجرّد فتحة إلى علامة جمال. الزاوية المبنيّة بحجر متين تعطي البيت إحساسًا بالرسوخ. العتبة الحجريّة تحفظ أثر العبور اليوميّ. كلّ حجر في البيت القديم يقوم بدوره، حتّى الحجارة المخفيّة داخل الجدار تحمل قيمتها، لأنّها تحفظ التوازن الداخليّ للبناء.

إنقاذ الحرفة قبل الحجر

يحتاج ترميم بيوت الحجر في جبل عامل إلى أكثر من نيّة حسنة. يحتاج إلى معرفة بالحجر الأصليّ، بالملاط، بالرطوبة، بطريقة ترتيب المداميك، وبالأحمال التي تحملها القناطر والجدران. استخدام موادّ حديثة عشوائيّة ربّما يؤذي البيت القديم، لأنّ الحجر يحتاج إلى موادّ تشبهه في السلوك، وفي المسام، وفي التنفّس، وفي طريقة الشيخوخة.

المطلوب اليوم مشروع إنقاذ متكامل: مسح شامل للبيوت الحجريّة المتضرّرة والمتبقّية، تصوير الواجهات والعقود والقناطر، قياس الأبواب والشبابيك، توثيق أسماء المعلّمين القدامى، جمع حكايات العائلات، تدريب جيل جديد على نحت الحجر، وإطلاق ورش ترميم محلّيّة بإشراف معماريّين ومهندسين وحرفيّين. إنقاذ البيت يبدأ من إنقاذ اليد التي تعرف كيف تبنيه.

صور الغلاف: كامل جابر

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى