ثلاث صخور من الليطاني ومنزل في زوطر… إلى أين يعود أبي؟

حين أخبرتني أختي أنّ بيت أهلي وبيت جدّتي وبيت عمّي وعمّي الآخر وبيوت الجيران، فجّرتها إسرائيل جميعها، وصلت أصداء التفجير إلى بلدات إقليم التفاح، لكنّها كما كلّ التفجيرات والقصف في الفترة الأخيرة، مرّت بصمت، حتّى السؤال عنها لم يعد يستحقّ المحاولة.

كان الخبر عاديّاً: “تفجير في زوطر الشرقيّة” على مجموعة الـ”واتساب”، ولم أبذل أيّ جهد لأعرف أين وكيف؟ تابعت تفاصيل يومي كالمعتاد، إلى أن ختمت أختي رسالتها قائلة: “لا تخبري أبي ولا جدّتي”. فكّرت في جدوى عدم إخبارهما، إلى أن أدركت أنّ ذلك هو الخيار الأفضل. ماذا سيتغيّر لو عرفوا؟ نستطيع أن نؤجّل الحزن قليلاً. انقضى النهار وجاء الليل، وأنا لا أشعر بشيء.

في الصباح، رأيتُ عمّاتي ينشرنَ صورَ البيتِ على وسائل التواصل الاجتماعي، مُرفَقةً بعباراتٍ يطفحُ منها الحنين. انتابني حينَها شعورٌ غريبٌ لم أستطعْ تفسيرَه؛ وكأنّني تجمّدتُ في مكاني وسطَ الغرفة، بينما كلُّ شيءٍ حولي يموجُ بالحركة. لم تتوقّفِ الحياة؛ السياراتُ تواصلُ صخبَها المعتاد، وأصواتُ الباعةِ تخترقُ أذنيّ، لكنّ عقلي كان غارقاً في شبه غيبوبة، بين واقع وحلم… في تلك اللحظةِ بالذات، أدركتُ أنّ أبي وصلَهُ الخبر.

لم أشأ أن أتّصل به، ماذا سأقول له؟ سبقني زوجي بمكالمته، ممهّداً بكلمات تواسي الفقيد بما فقد، ولم يكن أمامي مجال لأتجنّب الحديث معه.

غصّة بين العرق والدموع

أمسكت الهاتف وأنا مستمرّة بتحضير الفطور، وكأنّني أهرب من مواجهة حقيقة ما. سألني عن حالي، وهل تحسّنت صحّتي بعد أن كنت متعبة قليلاً، وأعطاني بعض النصائح كالعادة، هو الخبير الذي يشفينا من الآلام المباغتة، يكره الأطبّاء ولا يزورهم، ويعالج نفسه بنفسه، ويُلزمنا بالاستماع إلى توجيهاته حتّى نحظى بصحّة أفضل. لم يتكلّم عن البيت أبداً.

أخبرني عن تحضيره كبّة بالصينيّة للغداء، وعن خططه إلى ما بعد الظهر، وأنّ الطقس ماطر منذ أن غادرنا ألمانيا. تكلّمت معه عن الرطوبة التي تخنقنا في بيروت، وعن المكيّف الذي يسجننا في غرفة واحدة معظم ساعات اليوم، وعن تحضيرات الأطفال لبدء العام الدراسيّ، وعن ارتفاع سعر نقلة المياه. تكلّمنا عن كثير، وأنهينا الاتّصال، ولم نذكر البيت.

انتابتني بعدها رغبة مفاجئة بتنظيف وسائد الصالون البيضاء التي تحوّلت إلى رماديّة بسبب دخان الصواريخ التي انهارت على المبنى المقابل لنا. كان العرق يتصبّب من وجهي، ولم أشأ أن أضع مروحة تخفّف عني وطأة الحرّ. وبينما أنا منكبّة على فرك الوسائد بكلّ قوة، شعرت بغصّة تصل إلى قلبي. لا أستطيع البكاء، لعلّ قطرات العرق المتصبّبة تغنيني عن الدموع. شعرت بالغضب، وبالظلم.

فكّرت بأبي، وبأنّه لم يعد لديه بيت يأتي إليه كي يصلحه. كلّ زيارة له إلى لبنان كانت ورشة تنظيف: قصّ الأعشاب اليابسة، تقليم الأشجار. وفي السنة الماضية أصلح النوافذ والأبواب، وأعاد طلاء الجدران، وعزل السطح تحسّباً للشتاء، وصرف كلّ ما معه من مال على البيت. وكلما طالبناه بالخروج معاً كان جوابه: “خلّينا نخلّص البيت، وبالصيف منظهر”. عاد إلى ألمانيا بعد أن بقي 20 يوماً، قضاها كاملة بين جدران منزله، وكأنّه يودّعه، لم يشأ أن يتركه إلّا بحلّة جميلة.

أحد منازل عائلتي في زوطر الشرقية قبل أن تقتلعه الحرب
بيت يراقبه من بعيد

حين دخل الإسرائيليّون إلى زوطر وسيطروا عليها، كان أبي يرفض الاعتراف ويتجنّب الخوض في التفاصيل. وحين تأكّد من احتلال البلدة كان يلجأ إلى النكتة قائلاً: “أكيد قاعدين بالبيت، مبسوطين، كلّه مجهّز وما ناقصه شي”. وحتّى اللحظة الأخيرة كان يكبّر الصورة التي ترسلها البلديّة كلّ حين، ويقول لي: “انظري، هذه الدبّابات أمام البيت، أكيد أنّهم يختبئون فيه”.

أبي يسكن في ألمانيا، لكنّه يعيش في لبنان، والفرق واضح بين السكن وبين العيش، في شقّته في ألمانيا، ضاقت مساحة الغرف بسبب صناديق كرتونيّة مغلقة بإحكام، مكدّسة فوق بعضها، يجمع فيها التحف والمقتنيات التراثيّة من كلّ سوق شعبيّة في مدينته والمدن المجاورة، يحتفظ بها حتّى يرسلها إلى لبنان، قائلاً: “سأنتظر حتّى تنتهي الحرب”، متمنّياً ألّا يسرق الإسرائيليّون ما حفظه في البيت على مدار سنوات طوال.

كيف ننعى بيتاً؟

حتّى الآن لا أحد في العائلة يتكلّم عن البيت. من المؤكّد أنّ جميعهم حُزانى، نحزن فرادى ونكبت أوجاعنا حتّى لا نواجه الحقيقة. لا نتكلّم بعضنا مع بعض، فما نفع الحكي، وماذا سيتغيّر؟ كيف يمكن للمرء أن ينعى بيته وعمره عبر اتّصال هاتفيّ؟ أيّ سرياليّة قاسية تمنعنا من رثاء الفقيد أو وداعه. ماذا سأقول له: “الله بيعوّض”، أو “ستبني أحسن منه”؟ وأنا أعرف أنّ ابن الـ65 عاماً لن يستطيع أن يبني أحسن منه، ولن يبني حتّى لو استطاع.

أبي المتمسّك بذكرياته، يسترجعها مراراً وتكراراً ويقلّب صور الهاتف. أبي الذي جعل من حديقة المنزل مدينة ألعاب لأحفاده، حتّى باتت مقصد كلّ الأطفال والمحبّين. حمل من على نهر الليطاني ثلاث صخور كبيرة، واحدة تشبه البقرة، وواحدة تشبه الفيل، والأخرى تشبه الميزان، نقلها بشقاء لأنّ وزن كلّ واحدة يزيد على طن، وكانت ركن تصوير لضيوفنا الذين يندهشون بجمالها.

في صالون بيته وضع أشكالاً وألواناً من الحجارة المختلفة، من كلّ مكان عمل فيه أو قصده. كنت أضحك حين أرى متعته في جمع الأحجار، وفي ذوقه الفنّيّ ومخيّلته الواسعة في اكتشاف أشكال لا نراها على حقيقتها، وكنت أقول أنّ العلاقة مع الأحجار وراثيّة، فحرفة بناء الجدران التراثيّة من الصخر الطبيعيّ ورثها عن جدّي والأخير ورثها عن أهله.

بيتٌ لن ينتظر صاحبه

عندما سافر أبي إلى ألمانيا مرغماً، بعد الأزمة الاقتصاديّة وتراجع عمله في بناء الجدران، لم أعد أقصد البيت إلّا لماماً. أشعر بالضيق حين أراه خالياً من صوته وطلّته وروحه التي لا توصف. لكنّنا كنّا نعزّي أنفسنا بأنّه سيعود إليه، ونجتمع على حفلة شواء، وسهرة لا تنتهي إلّا حين نضطرّ إلى العودة نحو بيروت.

اليوم، إلى أين سيعود أبي؟ انقطع شريانه الوريديّ، لم يعد هناك بيت، ولا هدف، ولا حلم. إلى أين سيرسل كلّ تلك الأشياء التي جمعها؟ الصناديق التي ستبقى مغلقة إلى الأبد على تحف لا عنوان لها بعد اليوم.

أفكر في أبي، هل سيخفي حزنه حتّى لا يزيد على همومنا همّاً، أم سيؤجّل مشاعره إلى وقت لاحق، وينشغل كعادته في محاولة تخدير العقل عن مواجهة الحقيقة؟

بين أبي وحزنه؟

أفكّر فيه، كيف يحزن وحيداً، كيف يهرب من حزنه. ماذا يفعل خلال يومه؟ هل سيستمرّ يبحث في الأسواق الألمانيّة عمّا يزيّن به الديوان الذي بناه؟ أم أنّ الحزن سيستهلك طاقته ونشاطه المفعم بالحياة؟ هل سيخفي حزنه حتّى لا يزيد على همومنا همّاً، لأنّ غريزة الأبوّة تدفعه كي يبقى السند والجدار الذي تتّكئ إليه العائلة؟ أم سيؤجّل مشاعره إلى وقت لاحق، وينشغل كعادته في محاولة تخدير العقل عن مواجهة الحقيقة؟

هو لم يفقد بيته، إنّما فقد حلمه، ومعه فقدنا ماضياً لا حاضر له ولا مستقبل. الوجع الحقيقيّ يبقى حبيس الغرف المغلقة، في قلوب من فقدوا كلّ ما بنوه في سنوات طويلة من التعب والكفاح. أتساءل أحياناً: لماذا لا نحزن بشكل جماعيّ؟ لماذا نتقنُ عزلة الألم ونفشلُ في تشارُكِ الفجيعة؟

لعلّ السلطة تتغذّى في الأساس على تفكيك الوجع؛ بطريقة تجعل كلّ فردٍ يظنّ أنّ معاناته حالةٌ فرديّةٌ خاصّة، مجرّد حظٍّ عاثرٍ يُحتمل بالصبرِ والرضى. وحين نُسلّم أنفسنا إلى آليّة الخوف هذه، نصبح عاجزين عن الحركة الجماعيّة؛ لا نثور إلّا بإشارة من “زعيم”، ولا ترتفع أصواتنا إلّا ضمن جوقةٍ مُعدّةٍ سلفاً.

تحوّلت مطالباتنا من إرادةٍ حرّة إلى مجرّد صدىً لقراراتٍ تأتي من أعلى، وكأنّ حزننا المكبوت لم يعد ملكاً لنا. لكنّ الألم، بطبيعته، يغدو ثورةً في اللحظة التي يولدُ فيها الوعيُ في المأساة المشتركة؛ حين يكتشفُ الفردُ أنّ جاره لا يبكي حظّه المنفرد، بل يشاركه الجرح ذاته والمُسبّب ذاته.

صندوق واحد في الأقلّ

أكتب هذا لأبي كي يقرأه، وأكتبه أيضاً لكل من يعرف، في صمته، أنّ حزنه المكبوت ليس حزنه وحده. أكتبه لأنّ أبي، حين يفتح يوماً أحد تلك الصناديق بحثاً عن قطعة نحاسيّة اشتراها من سوق بعيد، لن يجد الجدار الذي كان ينوي أن يُعلّقها عليه، سيجد فراغاً بحجم بيت كامل.

لن أطلب منه أن يبني بيتاً آخر، ولن أشجّعه على ذلك. لكنّني أطلب إليه، إن استطاع، أن يفتح صندوقاً واحداً في الأقلّ، ليس ليرسله إلى لبنان، بل ليتذكّر لماذا جمعه أصلاً: لأنّه كان يحلم، لأنّه كان ينتظر حرباً تنتهي. أريد له أن يستمرّ في الحلم ولكن في مكان آخر بعيد من لوعة هذا البلد، الذي لا يتّسع لأحلامنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى