سحورٌ بطعم النزوح حينما سبق الإنذارُ الصلاةَ

في هذه الأثناء، وبينما كان الصمت يغلّف أزقّة بلدة “دورس” وبوّابة بعلبك الجنوبيّة، عقب موعد الإمساك في أحد أيّام شهر رمضان المبارك، لم يأتِ النداء من المآذن كما اعتادت الناس، وإنّما انبعث عبر شاشات الهواتف وإنذارات الإخلاء العسكريّة. ففي تلك اللحظات الساكنة التي تلي السحور، حيث يتهيّأ الصائمون لبدء يومهم بالسكينة، اخترق القلق فضاء البقاع مع صدور أوّل إنذار يستهدف هذه المنطقة الحيويّة، محوّلًا ساعات الفجر الأولى إلى سباق محموم مع الوقت.

تحدّي فقدان المكان

مشهد النزوح الراهن، الذي يفيض عن قدرة الكلمات على الوصف، يمثّل فصلًا تراجيديًّا جديدًا في كتاب المعاناة اللبنانيّة، وهو فصلٌ يتجاوز هدم البيوت ليصل إلى العبث بالنسيج العاطفيّ، والذاكرة الحيّة لآلاف العائلات التي وجدت نفسها، في غمضة عين، خارج إطار حياتها المألوفة.

تبدأ مأساة النزوح من لحظة الاقتلاع الأولى، وهي اللحظة التي يضطرّ فيها الفرد للمفاضلة بين مقتنياته الشخصيّة في ظرف دقائق معدودات. وبناءً على ذلك، لم تعد الحقيبة الممتلئة تعبّر عن رغبة في السفر، وإنّما أضحت وعاءً لما تبقّى من عمرٍ مهدّد بالضياع. ومن هذا المنطلق، يبرز التحدّي الإنسانيّ الأوّل في “فقدان المكان”، حيث يتحوّل البيت من كونه حصنًا يمنح الخصوصيّة والكرامة إلى ذكرى بعيدة تُركت خلف سحب الدخان. وعوضًا عن السكينة، التي توفرها الجدران الأربعة، يواجه النازح عراء الطرقات وبرودة الأرصفة، ممّا يولّد شعورًا مزمنًا بالانكشاف الوجوديّ.

صمت ثقيل

الرحلة من الجنوب أو الضاحية أو البقاع نحو مناطق “الأمان” النسبيّ ليست مجرّد انتقال جغرافيّ، وإنّما هي مسيرة مضنية عبر طرقات تضيق بصمت العابرين وخوفهم وقلقهم على كلّ شيء ومن المجهول. ففي حين تكتظّ السيّارات بالبشر والمتاع، يسود صمتٌ ثقيل يقطعه أحيانًا بكاء طفل يجهل سرّ تبدّل السرير الوثير فجأة بمقعد سيّارة جامد. ومن هنا، تتبدّى قسوة المشهد في تحوّل الشوارع الدوليّة إلى مواقف قسريّة للانتظار، إذ تغيب أدنى مقوّمات الرعاية، وتصبح الحاجات الأساسيّة من ماء وغذاء ومأوى متطلبات بعيدة المنال في ظلّ التدفّق البشريّ الهائل الذي فاق التوقّعات والخطط الاستباقيّة.

ومن ناحية أخرى، تبرز إشكاليّة “الخصوصيّة المفقودة” كواحدة من أشدّ الضغوط النفسيّة وطأة على كاهل العائلات. إذ يجد الأب نفسه عاجزًا عن توفير الحماية المعنويّة لأسرته في قاعات مفتوحة على الجميع. كذلك تجد الأمّ نفسها في صراع دائم لتأمين النظافة والصحّة لأطفالها في بيئة غير مجهّزة لاستيعاب هذا الكمّ من الأجساد والأنفس. ونتيجة لذلك، تنشأ حال من التوتّر النفسيّ الجمعيّ، فيتصادم القلق من المستقبل مع مرارة الحاضر، ما يجعل من كلّ ساعة تمرّ في مركز الإيواء دهرًا من الصبر المرهق، في انتظار خبرٍ ربّما يشي بأوان العودة.

الرحلة من الجنوب أو الضاحية أو البقاع نحو مناطق “الأمان” النسبيّ ليست مجرّد انتقال جغرافيّ، وإنّما هي مسيرة مضنية عبر طرقات تضيق بصمت العابرين وخوفهم وقلقهم على كلّ شيء ومن المجهول

لكن أخطر ما في الوضع الراهن يكمن في “تكرار النزوح”. فبالنسبة إلى جيلٍ من اللبنانيّين، يمثّل هذا التهجير تجربة مكرّرة مرّوا بها سابقًا، وهو ما يرسّخ حالًا من عدم الاستقرار البنيويّ في الشخصيّة اللبنانيّة. فبدل التركيز على بناء المستقبل، يقضي الفرد حياته في محاولات مستمرّة للنجاة من الحاضر. وإضافة إلى ذلك، فإنّ الأطفال الذين يعيشون هذه التجربة اليوم، سيرثون ذاكرة محمّلة بصور الهروب ودويّ القصف، ما ينذر بتشويه رؤيتهم للوطن والمكان.

جرح “البيوت المهجورة”

وفي السياق ذاته، يبرز جرح “البيوت المهجورة” التي تظلّ شاخصة في مخيّلة أصحابها. فالبيت في الوجدان اللبنانيّ يتجاوز كونه حجارة وطبقات إسمنت، فهو شجر الزيتون، وذكريات الجدّات، وتفاصيل الأعياد. ومن ثمّ، فإنّ تدمير هذه البيوت أو اضطرار الناس لتركها يمثّل قطيعة عاطفيّة يصعب ترميمها. إنّ النازح اليوم يفرّ من خطر الموت، وفي الوقت ذاته يحمل في قلبه رعبًا من ألّا يجد مكانًا يعود إليه، أو أن يجد مكانه قد فقد روحه التي كان يعرفها.

وما يزيد الطين بلّة، هو أنّ النازحين، الباحثين عن مأوى، سوف يصطدمون بما قرأناه وسمعناه من أنّ أسعار الشقق المفروشة، المعروضة للإيجار في غير منطقة لبنانيّة، بلغت حدودًا فلكيّة. أسعار لا تتناسب مع إمكانات أعداد كبيرة من هؤلاء النازحين. هذا الأمر، إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على جشع، وعلى انتهازيّة بغيضة، تتناقض بشكل صارخ مع المواطنيّة الصالحة والشعور بمآسي أهل البلد، وذلك في سبيل ربح مادّيّ أقرب إلى الاحتيال، من خلال استغلال ظروف غير عاديّة يمرّ بها الوطن، وسكّان مناطق لبنان الجنوبيّة بشكل أساس.

أعمق من شقوق الجدران

في ختام هذا العرض الإنسانيّ، يبقى الإنسان اللبنانيّ هو الثابت الوحيد وسط كلّ هذه المتغيّرات العاصفة. إنّ الغارات المتواصلة، على رغم قساوتها، فشلت في تحويل اللبنانيّين إلى مجرّد أرقام صمّاء، فقد ظلوا قصصًا نابضة بالإرادة بعيدًا من الانكسار.

إنّ النزوح الحاليّ، بكلّ ما يحمله من مآسٍ، هو اختبار لمدى قدرة المجتمع على حفاظ تماسكه الأخلاقيّ والإنسانيّ في وجه آلة الحرب. استنادًا إلى ما تقدّم، فإنّ المطلوب اليوم يتجاوز مجرّد وقف إطلاق النار، ليمتدّ إلى البدء في عمليّة ترميم واسعة للإنسان، حين تسنح الفرصة لذلك، فالجراح النفسيّة التي يخلّفها النزوح أعمق بكثير من شقوق الجدران. ولعلّ الأمل الوحيد يكمن في تلك اللحظة التي سيعود فيها هؤلاء الناس إلى قراهم ومدنهم، بغرض إعادة بناء ما تهدّم مرّة أخرى، بعدما صار عدد هذه المرّات يفيض عن قدرات البشر على التحمّل.

شوارع خالية في دورس (بعلبك) من الناس جرّاء الحرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى