وأنا أبحث عن منزل للإيجار يحضر بيتنا الجميل في مركبا

ألف دولار، مع عمولة وأشهر سلف. كأنّ تاجرًا حطّ في مدينته الموت فرفع أسعار التوابيت.
بعد مرور نحو شهرٍ من اندلاع الحرب، لا زلتُ أبحثُ عن منزل أستطيع أن أشعر فيه بالاستقرار. أدخلُ إلى بيوت مؤلّفة من غرفتين، رائحة الرطوبة فيهما تزعجان جهازي التنفسيّ، صوبا وحطب رائحتهما كريهة، ثمّ أقول لا بأس بالعيش فيه ما دام الموضوع موقّتًا. لكنّ المشكلة تكمن في المبلغ المطلوب، ألف دولار شهريًّا، وهو نفسه الذي يؤجّر في أيّام السلم بـ 500 دولار شهريًّا وربّما بأقلّ.
إلى مركبا تأخذني ذاكرتي
تأخذني ذاكرتي وترافقني مخيّلتي في رحلةٍ إلى بيت جدّي الواقع عند الحدود مع فلسطين المحتلّة، في بلدة مركبا، واحدة من قرى الحافّة الأماميّة، هناك حيث للبيت أربعة مداخل، مطبخٌ كبير وغرفة خاصّة لغسيل الثياب، ثلاث غرف نوم كبيرة تتّسع لكلّ العائلة، وصالون يسبقه مدخلٌ فيه غرفة جلوس لاستقبال الضيوف، أمّا المداخل فلكلّ مدخلٍ خصوصيّة وتقسيم، الأوّل الذي يطلّ على البوابّة الأساسيّة تحوطه أحواض الورد، الغاردينيا والياسمين والجوريّ والأضاليا وورود أخرى لا أعرفُ اسمها.
أمّا الأرض المطلّة على الدرج الطويل الذي يوصلنا إلى قاعة استقبال الضيوف فخصّصه جدّي مع جدّتي لزراعة البندورة والنعناع والبقدونس، ففي كلّ مرّة كنّا نشتهي فيها التبّولة، لم نكن نضطرّ للذهاب إلى البقّال، أمّا مدخل المطبخ فكان مليئًا بشجر الجوز والتين والاكّادينيا، وكثير من الشجر..
رمي الحجارة قبالة التلال
اتّسع البيت بعد العام 2000 إلى سبعة أبناء، ومعهم أولادهم وبناتهم، بعد أن استكمل جدّي الحاج سليمان بناءه بعد التحرير.
ما زلتُ أذكر المرّة الأولى التي وصلنا إلى مركبا عندما كنتُ طفلة صغيرة، لم أكن على دراية بشيء ممّا حصل، لا أعرف ما هو التحرير وممّن تحرّر الجنوب، لأنّني ولدتُ في بيروت ولم أرَ الجنوب إلّا مع التحرير، عرفتُ قليلًا من الحكايا عند معاينة أولاد خالتي يمارسون عادات يمارسها الفلسطينيّون برمي الحجارة قبالة التلال. فهمتُ يومها إلى أين وصلت، ولماذا وصلتُ الآن بالذات.
كان للبيت مأوى صغير عبارة عن غرفة كبيرة مع مطبخ صغير ومرحاض، والبيت الكبير لم يكن مكتملًا بعد، عمّال يأتون يوميًّا لتشطيبه.
البيت الجديد
خلال هذه المرحلة عمل جدّي وجدّتي في مصلحتهم تجارة “الزجاج” في بيروت حتّى يتمكّنوا من تشطيبه، وبعد العام 2006 كانت الزيارة الأولى للعائلة إلى البيت الجديد، أذكرُ أجواء التهنئة، والحيرة التي كانت تعتري خالتي فاطمة باختيار المكان الأنسب للسهرة يوميًّا، من تحت العريشة، أو مقابل مطلّ غرفة النوم، مطل الأراضي التي سيتقاسمونها هي وأخواتها البنات، بعد أن يكون البيت من حصّة الأخوة الذكور.
لا أذكرُ أنّني خفتُ يومًا من النوم على مقربة من المستوطنات، ولا عندما تمرّ الطائرات الحربيّة خلال المناورات، ولا أذكرُ أنّني شعرتُ بالأمان مثلما شعرتُ بذاك البيت البارد شتاءً وصيفًا.
تربطني بالبيت ذكريات جميلة، تركته في إحدى الصباحات صيفًا كي أتوجّه إلى كلّيّة الإعلام لأقدّم طلبًا، بعد أن تبلّغتُ بأنّني نجحتُ في امتحانات البكالوريا، فيه كتبتُ كثيرًا، ولعبتُ حتّى التعب، واسمرّت كتفاي في الصيف من حرقة شمس الظهيرة.
ذكريات وتعب وشقاء
خلال ما يعرف بحرب الإسناد، وقع صاروخ من مسيّرة في وسط البيت، وظلَّ الطريق إلى هناك غير آمن، وبعد الحرب الشاملة العام 2024 بقيَّ البيت، لكن قبيل الانسحاب فجّر جيش الاحتلال الاسرائيليّ ذكريات عائلة بحالها، تعب عمر، وشقاء رجل كبير كان يحبّ بلدته، وكانت آخر وصاياه أن يدفن أمام بيته، لتصل به الحال وبجميع الجنوبيّين الذين قضوا حياتهم في الأرض حتّى إعمار بيوتهم أن يبحثوا عن بيت للإيجار بشروط تعجيزيّة. ويخطر ببالي سؤال: عندما يسلم جبل عامل كما تقول إحدى النبوءات، هل سيعرض جدّي غرفةً في بيته بألف دولار شهريًّا مع ثلاثة أشهر سلف وعمولة؟
ولعلّ هذه الفكرة هي أكثر ما يُبكيني.




