رائحة الغاردينا تعاند قسوة الحرب وفراشة أمي عادت (فيديو)

كان هذا الأسبوع قاسيًا.

كنت قد وصلت إلى خلدة مُغادرةً بيروت بعد يوم من قدومي إليها، عندما أرسل لي أخي رسالة يخبرني عن غارة شُنّت على “السكسكيّة” (الزهراني- صيدا) أيّ على الضيعة الملاصقة لضيعتنا.

أكملت طريقي، وإذ به يتّصل مجدّدًا ليخبرني عن غارة شُنّت على أوتوستراد “السعديّات”. لم أكن قد وصلت بعد إلى هناك، ولكنّني علقت في زحمة تبيّن لاحقًا أنّها نتيجة إبعاد السيّارة التي استهدفت بالغارة. وفي أثناء وقوفي في تلك الزحمة، سمعت مع من حولي دويًّا قويًّا، نظر كلّ من في سيّارته إلى السيارات القريبة منه للتأكّد من أنّنا كلّنا سمعنا الصوت نفسه، عندها نزلنا من سيّاراتنا وشاهدنا دخانًا خلفنا، فهمنا لاحقًا أنّ غارة من مسيّرة استهدفت سيارة من جديد على طريق السعديات.

طمأنت أخي… لكنّ أخبارًا تصلني على الـ”واتس آب”: “البيت اللي انضرب بالسكسكيّة فيه أخوة زوجيّ وداد وميّاسة”.

… “في 11 شخصًا بالبيت”.

… “في كتير شهدا”.

ميّاسة هي ابنة الحاجّة زينة الملاصق بيتها لبيتنا، ووداد هي بنت أبو وديع الذي يبعد بيته وفرنه نحو 20 مترًا عن بيتنا، هما أصلًا ابنتا عمّ، متزوجتان من شقيقين من جبشيت، وتعيشان هناك مع أخوة آخرين توزّعوا خلال الحرب على بيوت في اللوبية والسكسكيّة.

ثلاثة أخوة لهذين الشابّين كانوا متواجدين مع عائلاتهم ووالدتهم في البيت الذي أغارت عليه الطائرات.

سمعت إحداهنّ تقول: “راحو كلّن. ما بقي إلّا علي وابنو”.

بكاء حدّ الأنين

وصلت إلى الضيعة، وتوجّهت نحو بيت الحاجّة زينة. كانت بعض نسوة من نساء البيت والجارات جالسات على الشرفة وحافّة حوض الزرّيعة. فانضممت لهنّ.

سمعت إحداهنّ تقول: “راحو كلّن. ما بقي إلّا علي وابنو”.

لم أكن أعرف أسماءهم ولكنّني وأنا أسمع ما قالته النسوة فهمت أنّ عليًّا هو أحد الأخوة الثلاثة، نجا هو وابنه.

وابنه متزوج من ابنة عمّه. استشهدت مع ابنتهما ووالدها وعمّها وزوجة وأولاد عمّها، وجدّتها. 9 أشخاص سقطوا في غارة السكسكيّة.

كنت أرتدي فستانًا أحمر. لم أبدّله مباشرة، إذ كنت على عجلة.

لاحقًا نبّهني أخي إلى ضرورة تبديل هذا اللون، فلبست أبيض وأسود.

بكاء كثير في الحيّ، يكاد يكون أنينًا.

اليوم التالي لم يشغّل أبو وديع فرنه. ذهب مع الجميع إلى صيدا للمشاركة في الوداع الأخير، قبل إرسال جثامين الضحايا إلى جبشيت لمواراتها. رافقها فقط الأخ الأكبر كي يشرف على دفنها.

صور “حالات” الواتس آب الخاصّ بأهالي الحيّ كلّها كانت للشهداء التسعة.

غارات وحماقة مع سامي

ازدادت وتيرة الغارات هذا الأسبوع، وكلّ يوم ينذر المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أهالي أكثر من قرية بالمغادرة. قطعوا نهر الليطاني ووصلوا إلى حدود زوطر الشرقيّة.

إنذار جديد يأمر بإخلاء المنازل في قرى: لبّايا، سحمر، تفّاحتا، كفرملكي، يحمر (البقاع)، عين التينة (البقاع)، حومين الفوقا، مزرعة سيناي.

مررت بسامي في ضيعته وذهبنا إلى مركز التعاونيّة في الغازية، عرفنا أنّنا نقوم بعملٍ أحمق في ظلّ أخبار الغارات التي نسمعها. ثمّ ضحكنا ضحكة من لا حول ولا قوّة له، علمًا أنّ أمور الشراء لم تكن ملحّة ولا طارئة، ولكن على الأرجح أردنا أن نستعيد عيش يوميّاتنا بشكل عاديّ… “زمطنا” (نجونا).

أمي فراشة بيضاء وعطرها

كتبت، ورسمت، ورسمت على إحدى تيشرتاتي البيضاء.

صوّرت شريط فيديو لمتجر الفول وأرسلته إلى صاحبه ففرح به.

أكلت سمكًا من نوع “بزري” ومتبّل باذنجان مع أخي، و”عرايس” كفتة ولبن مع سامي.

حضّرت “كيك” على موز مرّتين. المرّة الأولى فشلت لأنّ النار كانت عالية جدًّا، والمرة الثانية كان أنجح نسبيًّا، لكن يجب أن أغير مكان القالب في الفرن ليصبح أبعد قليلًا عن حدّة النار.

قطفت توتًا وأكلت. البعض يشتري التوت، أنا أسرقه من شجرة أبو وديع.

ثمّة إنذار جديد يأمر بإخلاء المنازل في قرى: عين بعال، الخرايب، الزرارية، عرب صاليم، عرب الجلّ.

زهّرت شجرة الغاريدينا، وحامت حولها فراشة بيضاء.

كلّما تطير هذه الفراشة أمامي أعتبرها روح أمّي تطلّ عليّ وتطمئنّ عنّي، فزرتها في مكان أعرف أنّها ليست فيه.

مكان أمّي في بيتها، قرب شجرة الغاردينيا وفي عبقها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى