“الموسيقى تجمعنا” في صور.. الفن بمواجهة الحرب

عادت السيّدة ضحى جعفر إلى الجنوب بعد عقود من الاغتراب، واختارت مدينة صور، “مسقط روحها” كما تصفها، لتكون بيتها الدائم. لكنّ توسّع الحرب في العام 2024 لم تترك لها فرصة الاستقرار الهادئ الذي حلمت به: نزحت مثل غيرها، وحين عادت بعد مرارة النزوح، لم تجد المدينة التي غادرتها قبل أشهر مثلما تركتها. ثمّة بيوت خالية من أهلها، وشوارع لم تعد تعرفها، وكثير من “حيطان النسيان” – تلك التي غنّتها فيروز يومًا – تتكرّر الآن على جدران صور نفسها.

من هذه العبثيّة، لا مشروع ثقافيّ جاهز ولا قاعة رسميّة، بدأت الفكرة. من بيتها الذي يحتضن الفنّ، في المدينة التي أقسمت ألّا تغادرها مرّة أخرى، حوّلت ضحى رغبتها الشخصيّة بالحضور الفعليّ إلى مساحة تجمع أشخاصًا من خلفيّات مختلفة حول تجارب الفنّانين العرب، ومسيراتهم، وتأثير أغانيهم في الذاكرة الفرديّة والجماعيّة. هكذا وُلد نادي “الموسيقى تجمعنا”، من حاجة إلى ملء الفراغ الذي خلّفته الحرب، واستعادة الحقّ في العيش.

تقول ضحى لـ “مناطق نت”: “بعد عودتي من النزوح إلى الجنوب، واجهت الصمت الذي خلّفته الأماكن بعد أن خلت من أهلها. كان هناك فراغ كبير يجب أن يمتلئ، وشعرت بأنّ الجنوب في حاجة إلى أن نستمرّ فيه بفعل الحياة”.

الموسيقى كتاب النادي المفتوح

جاءت فكرة النادي الموسيقيّ قريبة من نموذج نوادي القراءة التي اعتادت ضحى على المشاركة في لقاءاتها. في تلك النوادي، يجتمع القرّاء حول كتاب وكاتب وتجربة أدبيّة. أمّا في هذه المساحة، فقد أرادت أن تستبدل عناوين الكتب بأسماء الفنّانين والملحّنين، وأن تصبح المدارس الموسيقيّة موضوعًا للبحث والنقاش.

اختيار الموسيقى لم يكن عشوائيًّا. فهي تحبّها، ولديها أصدقاء يعزفون على آلة العود، كذلك فهي تنتمي إلى مجموعة جنوبيّة تضمّ أفرادًا يمتلكون ثقافة واهتمامًا موسيقيًّا. لذلك بدا تأسيس نادٍ للموسيقى امتدادًا طبيعيًّا لهذه العلاقات والاهتمامات.

تقول ضحى: “أحببت أن أستبدل، في هذه المساحة، مناقشة الكتب بمناقشة المدارس الموسيقيّة، وعناوين الكتب بأسماء الفنّانين والملحّنين ممّن قدّموا إضافة حقيقيّة إلى الموسيقى العربيّة”.

لا تقوم جلسات النادي على تشغيل الأغاني والاستماع إليها فقط. ولكلّ لقاء تحضير يسبقه، وبحث يقوم به الأعضاء حول الفنّان المختار، ومسيرته، وأعماله، والمدرسة التي ينتمي إليها، وما أضافه إلى الموسيقى العربيّة.

صورة تجمع ضحى جعفر والمشاركين في إحدى جلسات نادي “الموسيقى تجمعنا” في منزلها في صور
الزمن الجميل” وتجارب معاصرة

في نهاية كلّ جلسة، يقترح الأعضاء أسماء فنّانين، ثمّ تُجرى قرعة لاختيار الفنّان الذي سيكون محور اللقاء التالي. ومع ذلك، تفرض بعض الأحداث موضوعها على النادي. عندما رحل زياد الرحباني، خُصّصت له جلسة حملت عنوان “شكرًا زياد”. وعندما استأنف النادي نشاطه بعد الحرب الأخيرة العام الحالي، كانت الجلسة الأولى بعنوان “لأجلك يا جنوب”، وغنّى الحاضرون فيها للوطن والجنوب.

وكانت الجلسة الأولى للنادي مخصّصة للأخوين رحباني والسيدة فيروز. فبقيت هذه الجلسة الأجزل تأثيرًا بالنسبة إلى ضحى، لأنّها كانت اللحظة التي خرجت فيها الفكرة من رأسها وصارت واقعًا.

تقول ضحى: “في تلك الجلسة شعرت فعلًا بأنّ الموسيقى تجمعنا، وأنّ الفكرة تحوّلت إلى مساحة حقيقيّة اجتمع فيها أشخاص مختلفون حول الفنّ والجمال”.

مع ذلك، لا يحصر النادي نفسه بفنّانين من جيل “الزمن الجميل”. الفكرة مفتوحة على تجارب معاصرة ومدارس موسيقيّة مختلفة، شرط أن تكون التجربة قد قدّمت قيمة فنّيّة وإضافة تستحقّ المناقشة.

من دفء البيت جلسات الموسيقى

اختارت منزلها مكانًا للقاءات. لم يكن الاختيار ناتجًا عن غياب البدائل فقط، إذ أرادت منذ البداية أن يكون للنادي طابع حميميّ، بعيدًا من قاعات الندوات والاجتماعات الرسميّة.

تشير ضحى إلى أنّ “للبيت دفئًا خاصًّا، وبيتي بالتحديد يحتضن الفنّ. أحببت أن يشعر كلّ من يدخله بأنّه في مساحة قريبة وحميمة، وليس في لقاء رسميّ”.

داخل هذا البيت، يجتمع موسيقيّون وكتّاب وشعراء وفنّانون وقرّاء وأساتذة جامعات. يأتي كلّ واحد منهم إلى تجربة الفنّان من زاوية مختلفة، وفق اختصاصه وثقافته وذاكرته الشخصيّة. وهذا التنوّع، بحسب المُؤسِّسة، يمنح الجلسات عمقها، لأنّ الفنان لا يُقرأ فيها من منظور موسيقيّ صرف.

تبدأ الجلسة بكلمة ترحيبيّة، ثمّ يقدم العضو الذي اقترح اسم الفنّان نبذة عن حياته وتجربته. بعد ذلك، يتحدّث الحاضرون بالتوالي عمّا توصّلوا إليه خلال البحث، وعن القيمة الفنّيّة التي أضافها الفنّان، وعن علاقتهم الشخصيّة بأعماله. وفي ختام اللقاء، يحضر العزف والغناء بما تيسّر.

ربّما يرتبط صوت فنّان ببيت قديم، أو بطفولة باتت من ماضٍ بعيد، أو بسفر، أو بفقد، أو بأمسية عائليّة.

نقاش وتحليل

الهدف، كما تشرح، هو تحليل التجربة الموسيقيّة، ومناقشة مسيرة الفنّان، والبحث في تأثير موسيقاه في الوعي والذاكرة الجمعيّة. وربّما لا تتغيّر نظرة الأعضاء إلى أهمّيّة الفنّان صاحب النقاش، خصوصًا وأنّ معظم الأسماء المختارة تحظى باتّفاق عامّ على قيمتها الفنّيّة، إلّا أنّ البحث يكشف لهم تفاصيل جديدة، ويجعل علاقتهم بالتجربة أكثر عمقًا.

توضح ضحى “أنّنا خلال البحث، نكتشف دائمًا فصولًا جديدة من تجربة الفنّان، ونرى أعماله من زوايا لم نتنبّه إليها سابقًا”.

مع مرور النقاش، تبدأ الذكريات الشخصيّة في الظهور من تلقاء نفسها. فالعلاقة بالأغنية لا تنفصل غالبًا عن مكان أو شخص أو مرحلة من العمر. ربّما يرتبط صوت فنّان ببيت قديم، أو بطفولة باتت من ماضٍ بعيد، أو بسفر، أو بفقد، أو بأمسية عائليّة. وحين يتحدّث المشاركون عن الأغنية، يجد بعضهم نفسه يتحدّث عن حياته من دون أن يقصد.

تتابع ضحى “قد يحدث أن تتحدّث عن نفسك من خلال أغنية، من دون أن تقصد ذلك. وهذا ما يجعل جلساتنا إنسانيّة أكثر من كونها جلسات نقد موسيقيّ وحسب”.

مهما طال الليل…

لا شكّ في أنّ ليل الجنوب طال، وما زال جرحه ينزف. لكنّه، مذ أن صار في مدينة صور بيتٌ يُفتح بابه في كلّ شهر لفنّان وأغنية، لم يعد ليلًا أسود طويلًا. وصوت العود الذي يخرج من نافذة ذلك البيت لا يمحو الحرب، لكنّه يذكّرنا بأنّ الحياة، مهما ضاقت، تصنع لنفسها موعدًا شهريًّا مع الجمال. وفي مدينة تعلّمت أن تدفن وتُشيَّد من جديد، يبقى هذا الموعد بمثابة عهد صغير: أن يبقى في هذه المدينة صوت، مهما طال ليل حالك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى