صباح الخير يا مريم… لم يزل كلّ شيء قاتلًا هُنا

بعد رحيلك صرتُ أكتب عنك ولك باسمك، ليس بصفتك، فأنت جدّتي، والدة الرجل الذي خرجتُ من صلبه. ووصفة «أمّي» لك عندي، يحوم حولها شعور بالذنب تجاه أمّي التي خرجتُ من رحمها بوزن ستّة كيلوغرامات! كنتُ أضحك من قبل على هذه الخبريّة وأقول لهم إنّ فيها مبالغة، ولكنّني اليوم أعتذر منها للألم الذي أحدثه وزني لها، وعنادي الذي استمرّ لساعات رفضًا منّي الخروج إلى هذا العالم.

صباح الخير من هُنا، من منزلي. نعم، صار لي منزل أسكنه وحدي، لي فيه مطبخ أعاني من مسؤوليّاته. فعلاقتي بالطبخ ما دامت مرتبطة بمزاجي، وما زلتُ لا أميّز بين البقدونس والكزبرة، وكذلك أضيّع في مقادير كلّ طبخة. مثلًا: أعددتُ كيلوغرامين من الأرزّ من أجل خمسة أشخاص، خوفًا من أن تكون الكمّيّة قليلة. طفح كيل الطنجرة منّي ومن الأرزّ، لكنّني ضحكت. خطر لي أنّك هناك ترين محاولاتي الفاشلة في تحديد المقادير والناجحة في التذوّق، فتردّدين جملتك التي كنت تقولينها لي: «سوف تندمين يومًا على عدم إجادتك الطهو».

معايير لـ«أجمل الأمّهات»

أشكرك يا مريم على كلّ ما قدّمتِه وعلى تضحياتك. ولكن تلك التضحيات تثير في داخلي غضبًا من فكرة تقديس تضحيات الأمّ التي تبرّئ منظومة بأكملها من جنايتها، المتمثّلة بإلقاء المسؤوليّات على الأمّهات ثمّ تقديسها، وإلقاء اللوم عليهنّ إذا ما تعبْنَ من حمل هذه المسؤوليّات، فأرخين قليلًا حزمهنّ غير آبهات بما سيقوله المجتمع.

وأكثر، على الصعيد الشخصيّ، أغضب من كلمة الصبر التي ارتبطت بك. أكره أنّك كنتِ صبورة إلى حدّ تحمّلك الألم سنوات طويلة، لترحلي فيقول المجتمع عنك: «الله يرحمها، كانت صبورة ومنيحة وماتت هيك»، وأن يترحّموا على رحيلك متحمّلة الصبر على ألم الظلم الذي خلقوه.

حتّى توقيت رحيلك أرى أنّه كان تضحية من أجل أن أنطلق في خوض غمار الحياة وحدي، دون عبء حمل مسؤوليّة مرضك. وهو أمر يغضبني أيضًا. أفكّر: لو أنّ في بلادنا قوانين قائمة على احترام مواطنيها، لكان إحساسك بالذنب تجاهي قد خفّ. ربّما لو كان هناك قانون يرى المسنّين أفرادًا لهم قيمة في هذا المجتمع، فاستحدثوا قانونًا فعّالًا للشيخوخة، لكان الأمر أخفّ.

رحلة بحث طويلة وكلفة منهكة

أُصيبت بتليّف الرئة، وكان عمودها الفقرّي ملتويًا إلى حدّ أنّه جثم على رئتها، فباتت قارورة الأوكسجين رفيقتها في أيّامها الأخيرة مدّة. كانت تسعل باستمرار، وتردّد أنّ سعالها وتعب رئتيها هو نتيجة الطبخ لسنوات على موقد الحطب واستنشاقها الدخان.

أمّا أنا، فأعلم أنّ التواء عمودها الفقرّي جاء نتيجة سنوات من التعب والكدح في الأعمال المنزليّة، حتّى في كبر سنّها، وكلّ هذا كان دون أجر، كان فرضًا عليها لأنّها امرأة. ويوم مرضت وأنهكها التعب، بات العلاج عدوًّا مستفزًّا أيضًا، متمثّلًا بانقطاع الدواء من السوق، ورحلة بحث طويلة، وكلفة منهكة.

أظنّ أنّك استسلمتِ للرحيل كي تخفّفِي عنّي عبء القلق المستمرّ من الحيرة والبحث في صيدليّات الوطن الجلّاد.

أحببتُ يا مريم، وتذوّقت معنى الخذلان مرارًا. ولكنّني بتُّ قادرة على تخطّي هذه الأمور بمقارنة كلّ ألم بألم فراقك.

النسويّة الأولى في حياتي

كانت مريم، على الرغم من خضوعها للمجتمع، نسويّة بنظري، بل النسويّة الأولى التي عرفتها قبل أن أسمع بمصطلح نسويّة. نسويّة لأنّها أصرّت على أنّ دراستي هي المنقذ الوحيد لي، لأنّ استقلاليّتي وحرّيّتي لن تأتي من الرجل، ولا يجب أن ترتبط به.

هي لم تقرأ هذا، ولم تكن محاطة بنساء يقرأن عن النسويّة، بل كنّ يمارسنها لأنّهنّ، بكلّ بساطة، عانين من الرجل ومن المجتمع ومن السلطة. سلطة رجال الدين الذين أوصوا المرأة بالصبر على كلّ ظلم من أجل أجر ينلنه في عالم آخر، بعد أن يختمن رحلة المصاعب. سلطة دولة تضع الفرد أمام واقع الكدح المستمرّ من أجل لقمة العيش، بينما ينعم أسيادها بفحشائهم ووقاحتهم بثرواتهم.

جدّي كذلك كان ضحيّة هذه المنظومة، ولكنّه أيضًا كان مشاركًا مع السلطة في ظلم مريم، لأنّه، بكلّ بساطة، كبُر والمرأة بنظره تابعة.

لكن، وكي أكون منصفة، انتبه إلى فداحة خطئه بعد مدّة طويلة، بشكره المستمرّ لها على رعايتها له، وبات يحاول مراضاتها بـ«تقميع البامية»! رُبّما لأنّه أدرك، بعد كلّ هذا، أنّ كلّ شيء ضدّهما: غلاء الطبابة، واللحم، والكهرباء، والماء، وحلم شيخوخة فيها راحة فقط.

«الحالة تعبانة» يا مريم

لم يتغيّر الواقع كثيرًا يا أمّي، بل ازداد توحّشًا. إسرائيل التي اختبرتِ حربها في العام 2006 تمعنُ في قتلنا اليوم أيضًا. الغلاء الذي أنهك تفكيرك في ترتيب الميزانيّة مرارًا وتكرارًا، كبرتُ وما زال مستمرًّا في إحباطنا نحن الشباب الذي «لنا الغدُ». الحرب الأهليّة التي هجّرتك من سيراليون، أعيش قلقها اليوم، ولكن في لبنان. ما زالوا يتحدّثون عنها كلّ يوم، وما زالوا يسمّون تقيّؤ حقدهم على بعض بـ«مناكفات سياسيّة».

فاتورة الكهرباء ما زالت غير منطقيّة، وما زلنا هنا ندفع فاتورتين، وننتظر صهاريج المياه في الصيف، وندفع فاتورة المياه للدولة آخر السنة. نعم، كبرتُ يا أمّي، وصار عبء الفواتير يلاحقني إلى سريري. فبدل أن أحلم بحضنك الدافئ، صرت أرى كوابيس غدر يوم أصبح فيه بلا مأوى، وأنا التي أحمل شهادتين جامعيّتين.

لكنّني ما زلت أحلم

ما زلتُ أهتمّ بالقطط. أصبح لديّ أربعٌ صغيرة تموء لإطعامها والاهتمام بها، وأرفضُ التخلّي عن أيّ منها. وما زلتُ، كما عهدتني، أحلم بإنجازات أحقّقها دون عصا الزواج السحريّة.

خلعتُ الحجاب منذ سنوات يا مريم. أعلم أنّ هذا الأمر سيثير فيك غضبًا، ولكنّه لن يصل إلى حدّ أن ترَي دموعي واكتئابي فتقمعينني. لكنّني أعلم أنّك لو كنتِ هنا يوم اتّخذت هذا القرار، كان المجتمع سيغرقك بجلده لكِ وتحميلك ذنب فشل تربيتك لي. لكنّ المجتمع لم يقصّر في جميع الأحوال. عندما رأوا أنّك لستِ هنا، جلدوني وابتزّوا عاطفتي بكِ، فقالوا: «شو رح تعمل أمّك بقبرها؟». أتراكِ تبرّرين لله اليوم من عندك فعلتي هذه؟ لا، أنا على يقين أنّك تلعنين من عليائك هذا المجتمع.

أحببتُ يا مريم، وتذوّقت معنى الخذلان مرارًا. ولكنّني بتُّ قادرة على تخطّي هذه الأمور، في الحقيقة، بمقارنة كلّ ألم بألم فراقك. أشعر بشيء من الإحباط يرافق غضبي، وأنّ كلّ خذلان حمّلتك إيّاه الأوطان ما زال ممتدًّا إليّ اليوم.

صباح الخير يا أمّي…

أعتذر أنّي في يوم ذكرى رحيلك أشكو لكِ، ولكنّ هكذا هنّ الأمهات، وحدهنّ قادرات على تخفيف كلّ خيبة وألم، ووحدها الكتابة وسيلة التواصل بيننا اليوم، إضافة إلى دموعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى