جدّة أبي بين الانتداب والاحتلال… الأرض والحرب وما تبقّى

كبرتُ وأنا أبحث عن معنى اسمي “رياسة”: اسمٌ عربيّ مشتقّ من “رأس”، ويرتبط بالعلوّ والصدارة والقيادة. لكنّ سؤالي لم يكن لغويّاً فقط؛ أردت أن أعرف: من هي رياسة؟
خلال مشاركتي في مبادرة “وثاقيّة”، وهي مبادرة تعمل على تحويل المدوّنات اليوميّة خلال الحروب والأزمات إلى وثيقة تاريخيّة، دُفعتُ إلى السؤال عن أوراق ثبوتيّة وصور لأجدادي، فوجدت بطاقات هويّة جدّة أبي وجدّه؛ الشجرة التي تفرّعنا منها جميعاً.
قبل ذلك، كنت قد احتفظت ببعض الحكايا عن رياسة، منتظرةً الوقت كي أرويها. هي جدّة أبي، التي سُمّيت عمّتي باسمها، ثم سُمّيت أنا باسم عمّتي.
في راميا… تبدأ الحكاية
على تلّة الصالحاني في راميا (بنت جبيل)، المتاخمة للحدود الفلسطينيّة، عاشت جدّة أبي، مع عائلتها الأولى. وُلدت سنة 1892 في حاريص، لعائلة آل شعبان، وسُجّلت لاحقاً على بطاقة الهويّة “رياسة مصطفى”، نسبةً إلى اسم أبيها. تزوّجت أحمد أيّوب، من مواليد راميا، وانتقلت معه إلى بيت صغير من غرفة واحدة. أنجبت أربعة أطفال هم: علي، وإبراهيم، وزينب، وعلويّة.
أحاول تصوّر جغرافيا المكان آنذاك، وكيف عاشت إحدى مراحل حياتها بين زراعة الأرض المحيطة ببيتها، وتربية أطفالها، وتدبّر الأمور اليوميّة في ظلّ المسافات البعيدة ووعورة التلال.
بعد سقوط السلطنة العثمانيّة (خلال الـ31 من تشرين الأوّل/ أكتوبر 1918؛ ورسميّاً الأوّل من تشرين الثاني/ نوفمبر 1921) وحلول ما سُمّي بالانتداب الفرنسي على المنطقة في الأوّل من أيلول (سبتمبر) 1920، عانى الشيعة من انحياز الضبّاط الفرنسيّين إلى المسيحيّين آنذاك، بخاصّة مع ما كان يدور بينهم من مناكفات تتأثّر في مشاكل عائليّة ضيّقة، وبخيارات سياسيّة واسعة.
في أحد الأيّام، جاء الفرنسيّون واقتادوا زوجها عنوةً، وقاموا بإعدامه في تهمة قيامه بقتل أحد المسيحيّين في القرى المجاورة.
برفقة القمر والبارودة
بعد مدّة، ودون الخوض في التفاصيل في الوقت الراهن، اتّضح أنّ الاتّهام كان باطلاً، مثله مثل عديد من الإعدامات التي قامت على اتّهامات لا أساس لها من الصحّة، ولعبت الطائفيّة دوراً في حدوثها.
لكنّ أحمد أيّوب مات، وبقيت رياسة مع أبنائها الأربعة في تلك الغرفة الصغيرة الملاصقة لجامع “الصالحاني”. لم أعرف ما الذي بُني أوّلاً: غرفة جدّتي أم الجامع.
أراها في الظلام، تنشد الترنيمات للرياح الخريفيّة في ليل الصالحاني الطويل، أو ربّما لنسائم الربيع الباردة. لا شيء يخترق الصمت سوى عواء بني آوى.
بعد أن غفا أطفالها، وأُطفئت نار الزيت في القنديل، سمعت أنفاساً غريبة تقترب من الباب الخشبيّ. أمسكت بارودتها (بندقيّتها)، “الخلع” (مصطلح شعبيّ وتراثيّ يُستخدم في بعض اللهجات العربيّة لوصف البندقيّة القديمة جدّاً التي يتمّ حشوها وتجهيزها يدويّاً من الفوّهة أو من خلف)، لقّمتها (لَقَّمَ البندقيّة أيّ وضع فيها رصاصة)، وأطلقت النار من خلف الباب نحو الأسفل. جاء اثنان من قطّاع الطرق لسرقتها. ظنّوا أنّها امرأة وحيدة في ناحية بعيدة، حتّى قابلتهم بطلقات ناريّة. لاذ أحدهم بالفرار، والآخر أُصيب بقدمه. لم ينتهِ الحدث هنا. ولغاية في نفسها، قامت بسوق الرجل المصاب إلى مخفر الفرنسيّين في عين إبل، حيث تمّ سجنه، وبيّنت تفاصيل الحادثة.
أراها تخرج من باب الغرفة، يسير القمر فوقها وينير دربها، حاملةً بارودتها. لم تلتفت يميناً ولا يساراً، وربّما التفتت. تعوي الذئاب وبنو آوى في الوديان؛ تمرّ بين كروم الزيتون. ربما تعثّرت خطواتها مرةً، أو استراحت فوق صخرة. تعبت قدماها؛ عطشت، استوحشت، خافت من الضابط الفرنسيّ، لكنّها وصلت، واعترفت، ونجت بنفسها، ثم ّعادت إلى أطفالها.
عند لحظة الإنزال الإسرائيلي، راحت رياسة تركض هي وبناتها، وأثناء ركضهنّ، وقعت إحدى بناتها على بطنها، وكانت حاملاً بتوأم، فأدّت الضربة إلى إجهاضهما.
إلى بيت ليف
أظن، ولعدم عثوري على أسباب أخرى، أنّ ما حصل في تلك الليلة هو ما دفعها إلى الهبوط نحو وادي بيت ليف (بنت جبيل) مع أطفالها وماشيتها. تركت خلفها الأراضي وأشجار الزيتون التي عملت فيها ذات يوم برفقة زوجها.
في بيت ليف، سرعان ما التقت بجدّ أبي، عبد الرضا إسماعيل، وتزوّجته، وأنجبت منه عائلتها الثانية: عبدالله، وسعيد، وأمينة، وأمّون، ولطيفة.
هناك، عملت في الزراعة أيضاً، وكان جدّ أبي مزارعاً وراعياً. وعلى ذمّة كلّ الذين أخبروني قصّتها، كانت تزرع نحو 21 دونماً وحدها في منطقة درب القوزح. وكانت آنذاك منطقة وعرة حرجيّة بعيدة من وسط البلدة.
لكنّ 21 دونماً لا يعني زراعتها كاملة على الشكل المعاصر؛ إذ لم تكن هناك في تلك الحقبة الآلات اللازمة لتجريف “الجلالي” (المصاطب الزراعيّة) واقتلاع الصخور، فلجأ الفلّاحون إلى الاستفادة من كلّ المساحات المتاحة، وترتيبها في أحواض صغيرة بين الصخور والأشجار، وزراعتها بما توافر لهم.
كانت جدّة أبي تزرع القمح والعدس والسمسم، وما تأكله الماشية.
هبوط مظلّي قبل الاجتياح
ككلّ الجنوبيّين والجنوبيّات ممّن عاصروا المحتلّ بمختلف أشكاله وتسمياته، لم تنتهِ الحكاية مع إعلان دولة لبنان الكبير، ولا مع جلاء آخر جنديّ فرنسيّ (خلال الـ31 من كانون الأوّل/ ديسّمبر 1946)، بل استمرّت حتّى قدوم الاحتلال الإسرائيلي وهبوطه مظلّيّاً فوق البلدة.
في سنة 1971، قام العدو الإسرائيليّ بإنزال مظلّيّ فوق مدخل بيت ليف، وكان يومها بداية موسم سلق القمح. كانت ابنتها أمّون تشارك في سلق القمح. ولحظة الإنزال الإسرائيليّ، فقدت وعيها من شدّة خوفها. لم تكن رياسة تعلم أن ابنتها فقدت الوعي، لكنّها شعرت بالخوف عليها وراحت تركض هي وبناتها ونساء القرية للاطمئنان عن الآخرين، وفي أثناء ركضهنّ، وقعت إحدى بناتها على بطنها.
كانت حاملاً بتوأم، فأدّت الضربة إلى إجهاضهما. هكذا تكون إسرائيل قاتلةً للأطفال والأجنّة منذ بداية تكوينهما.
في العام 1975، عام الحرب الأهليّة اللبنانيّة، توفيّت جدّة أبي قبل أن تعيش الاجتياح الإسرائيليّ للبنان، لكن هل سينجو أثرها لاحقاً؟
أرضٌ اندثرت ملكيّتها
الآن أمامي على الطاولة بطاقات الهويّة. أفتحها وأغلقها، أحاول العثور على أيّ شيء يجعلني ألتمس ذكرى وجودها أكثر. على الجانب الخلفيّ للهويّة أرقام متسلسلة. أسأل أبي عنها، فيخبرني أنّها أرقام استلام الإعاشات. حيث إنّ اللبنانيّين، ومنذ العهد العثمانيّ وربّما قبله، كانوا خلال المجاعات والأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة يعتمدون على نظام الإعاشة، ولم يزل هذا النظام قائماً حتّى اليوم.
نظام الإعاشة منذ أيّام العثمانيين
الآن أمامي على الطاولة بطاقات الهوية. أفتحها وأغلقها، أحاول العثور على أي شيء يجعلني ألتمس ذكرى وجودها أكثر. على الجانب الخلفي للهوية أرقام متسلسلة. أسأل أبي عنها، فيخبرني أنها أرقام استلام الإعاشات. حيث إن اللبنانيين، ومنذ العهد العثماني وربما من قبله، كانوا خلال المجاعات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية يعتمدون على نظام الإعاشة، وما زال النظام قائماً حتى اليوم.
جدّتي، وددت أن أسألك: هل كان لديكِ أمل بأن ينتهي الاحتلال يوماً؟
هل تزورني جدّة أبي؟
ذهبت كثيراً إلى الصالحاني خلال حياتي، قبل الاحتلال الأخير. كنّا نصل، ويستقبلنا الجامع والغرفة الصغيرة إلى جانبه. أقول لأصدقائي: هذه غرفة جدّتي، وكانت تزرع هذه الأرض. يوماً ما سأعيد لها حقّها. لكن جاءت إسرائيل وجرفت الجامع والغرفة واحتلّت التلّة. فقدناها منذ الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023 تاريخ بدء الحرب.
أحاول التخاطر معها. ربّما تأتي إليّ في حلم ما. ربّما الموت ليس سوى حلم نحاصر به إلى الأبد، وأنّ الحياة كابوس قصير نستيقظ منه متى أراد. لكن، وإن لم تجمعنا الحياة، وإن لن تجمعنا الآخرة، أريدها أن تأتي باكراً إلى الحلم كي أخبرها بما حصل.
رسالة إلى جدّة أبي:
جدّتي،
سُمّيت على اسمك، لكنّني لم أحمل بارودة يوماً، ولم أزرع سوى الورود وشتلة بندورة.
أضاعوا صورتك، فأنا مضطرّة لأراك كما أتيتِ أوّل مرّة إلى مخيّلتي.
عادت إسرائيل واحتلّت أرضنا، ودمّرت غرفتك التي كانت إلى جانب الجامع في الصالحاني، وما عدنا نسلق القمح.
ما زال نظام الإعاشة قائماً، واختلفت أشكاله. ما زالوا يأخذون كلّ ما نملك ويعطوننا الفتات.
ما زالت ابنتك أمّون على قيد الحياة. هي وحدها من بين أبنائك التسعة. ربّما صار عمرها 100 وعامين، نازحة في قرى صور، تنتظر ألّا تُدفن وديعة.
لم يتغيّر شيء، عدا الشبكات الرقميّة، وإن كلّ شيء يموت بسرعة.
لو أنّكن معنا وأجهضت إحداكن بسبب إنزال إسرائيليّ، لكانوا نشروا صورتها، وأجروا معها مقابلات، ولأصبحت قصّتها “ترند” لأيّام، إلى أن يجدوا قصة أخرى. ولا تعيش أيٌّ من هذه القصص ستّين عاماً.
وددت أن أسألك: هل كان لديكِ أمل بأن ينتهي الاحتلال يوماً؟
في وقت سابق، كلّ ما كنت أحلم به هو أنّني في الصالحاني، أعدّ للشمس كي تغيب، أنتظر النار كي تخمد، ويصير لون الأقحوان أزرق. ثمّ ألملم سلّتي، أطفئ النار بما تبقّى من ماء في الزجاجة، ونركب السيّارات عائدين إلى بيت ليف.
أمدّ رأسي من النافذة، لعلّي أرسم خريطة تنقّلكِ، أو أرى أثراً لكِ. وما جهلته وقتها وعرفته لاحقاً أنّكِ كلّ الأثر في داخلي.
لستِ وحدكِ. أنتِ وكلّ جدّاتي، الجنوبيّات، الفلّاحات، راعيّات البقر والماعز، مزارعات القمح، خصوبة هذه الأرض، وقصصها الخالدة.
وأنّه ربّما لم يكن لديكِ أمل بأن ينتهي الاحتلال، لكن كان لديكِ استعداد دائم لإطلاق النار.



