حبّات الصنوبر التي تركتها بطبق أمّي لأبحث عن مكاني

كنت أقصيها إلى حافّة الصّحن بحركة خفيفة ومدروسة خشية من أمّي. كنت أعرف أنّها لو رأتني ستقول لي “كيلو الصنوبر صار بـ 90 ألفًا – طبعًا قبل انهيار العملة في لبنان- ثمّ ستضيف مستغربة “حدا ما بياكل صنوبر؟” نعم، أنا. لقد كنت أنا هذا “الحدا” التي لم تحبّ نكهة الصنوبر مع الطعام. أحببته تحت الشجرة فقط، كوزًا ننفضه حين كنّا صغارًا ثمّ نتسابق كي نكسر خارجه الأسود بحجر كي نأكل قلبه الأبيض.

الصنوبر بطبق أمّي مدرسة

لم تكن أمّي تطعمني تلك الحبّات رغمًا عنّي، لكنّها كانت تشعرني وكأنّني أرتكب ذنبًا لعدم تقديري هذا الدلال الذي لم أطلبه أصلًا. هذا الشعور أثقل حبّة الصنوبر الخفيفة، فشجرتها التي كانت بالنسبة إليّ بيتًا صارت حبّاتها في طبق أمّي مدرسة. صارت هذا المكان الذي نعرف منذ يومنا الأوّل فيه، منذ الصباح الأوّل الذي تترك فيه أمّهاتنا أيدينا الصغيرة ويقفل الحارس الباب الكبير، أنّنا غادرنا أنفسنا نحو أخرى لا تشبهنا وأنّ الحارس في ذاك الصباح لم يقفل باب المدرسة وحسب، بل أقفل من حيث لا يدري أبوابًا كانت فيها أمكنتنا.

استمرّت علاقتي السيّئة مع الصنوبر في الطعام سنوات كان من الممكن أن تكون أقصر. لكنّ عنادي هذا ربّما كان موقفًا أقول فيه لأمّي إنّ أسلوبها في هذا الشأن لم يعجبني، لسبب بسيط أنّه أشعرني بأنّ ذوقي المختلف مستغرب. بعد مرور سنوات، كبرت. تذوّقت الصنوبر مع اللحم فوجدته فعلًا لذيذًا، كانت أمّي على حقّ! لكن في حينه مكاني لم يكن حيث تريد منّي أمّي أن أكون.

كانت تعجبني كثيرًا الكنادر ذات الكعب العالي والتصميم الأماميّ المثلّث. ما زلت أذكر حتّى اليوم كيف أصرّيت على شراء واحدة لونها أحمر، علمًا بأنّ أمّي نصحتني كثيرًا أنّها لا تناسبني ولا تناسب حجمي الصغير. اليوم حين أرى الكندرة في صورة قديمة أسأل نفسي: كيف استطعت أن أشتري شيئًا كهذا؟ كيف لبسته وكيف تجرّأت أن أتصوّر وأنا أنتعله أصلًا؟ مرّة أخرى، كانت أمّي على حقّ.

طاقة في حائط

المشكلة في هذا كلّه ليست في من كان منّا على حقّ، المشكلة في أنّ أهلنا توارثوا عن غير قصد أسلوبًا لا يمنحنا الوقت لنجلس في المقاعد التي نحبّها، لنتأمّل ببطء، لنتألّم بهدوء، لنفرح بهدوء ونختار. المشكلة أنّهم توارثوا طبقات من الخوف جعلتهم يصمّمون لنا طاقة في حائط يعتقدون أنّه لو نظرنا منها سنرى المنظر الأجمل، جعلتهم يستعجلون في تصميم أحذية تمشي بنا إلى الوجهة التي يختارونها لنا، لأنّهم يخشون ألّا نجد أمكنتنا في حياة كهذه في بلاد كهذه. يخشون أن نكون مثلهم، نختبر عذاباتهم وأيّامهم التي لا يزالون ينتظرون حتّى اليوم أن تكون أفضل.

ربّما يتمنّون لو نصل إلى تلك الأيّام الأحلى بشكل أسرع. يكذبون عن غير قصد كي نرى القبيح أجمل، فتكون صدماتنا بعالمٍ كهذا أقلّ أذيّة. أخبروني مثلًا أنّ المدرسة مكان لطيف، حاولت أن أصدّق كي لا أذهب في كلّ صباح بائسة، لكنّني شخصيًّا وحقيقةً لم أحبّها يومًا، ولست أنسى ثقل أيّامها وثقل الحقيبة على ظهري الصغير.

حين أشيح بنظري عن طاقة أهلي المفتوحة في الحائط، أرى أنّنا جميعنا نلبس الأحذية نفسها، لأنّ الوقت الذي نعيشه هو نفسه، والمكان الذي نعيش فيه هو نفسه. لكنّني أتمنّى من قلبي الذي حاولت أمّي وكذلك أبي صونه وحمايته، أن أكذب على ابنتي بدرجة أقلّ. أريد من قلبي أن يكون قويًّا ما يكفي لأقول لها إنّ في هذا العالم كثيرًا من القبح، كثيرًا من الظلم، من التفاهة، من الادّعاء، كثيرًا من الأنانيّة، كثيرًا من أيّ صفات بشعة يمكن أن تعرف عنها. لكن في المقابل، ما زالت في هذا العالم نفسه نفوس طيّبة، أياد مفتوحة، موائد ودودة، وقلوب لا تزال قادرة على أن تحبّ على الرغم من كلّ الإنكسارات.

لست صوتًا في صندوقة

لا مانع عندي إن أحبّت طفلتي الصنوبر أو لم تحبّه، لا مانع عندي إن اختارت ألوانًا غير متناسقة لثيابها، لا مانع إن لم تحبّ فيروز وأغانيها، فهي ليست أنا. هي نفسها. هي ليست أنا التي على الرغم من كلّ أنواع الحماية التي حصّناني بها أمّي وأبي، وعلى الرغم من كلّ الحصى التي رمياها في طريقي كي أصل إلى “بيتي”، ما زلت أحاول الوصول. ليس سهلًا أن تعيش في بلاد منقسمة لا تشعر فيها بالانتماء لأيّ مجموعة، لست صوتًا في صندوقة ولا رتبة في وظيفة.

لا مانع عندي إن أحبّت طفلتي الصنوبر أو لم تحبّه، لا مانع عندي إن اختارت ألوانًا غير متناسقة لثيابها، لا مانع إن لم تحبّ فيروز وأغانيها، فهي ليست أنا

ربّما من كانوا مثلي شعروا أنّهم لا يمكنهم إلّا أن يكونوا تذكرة في طائرة تأخذهم إلى حيث يمكن أن يكونوا. ليس سهلًا أن تسمع تصفيق الجموع للزعيم الذي يريد أن يبني وطنًا يمينًا أو لذاك الذي يريد أن يبنيه يسارًا وتشعر وكأنّك في المنتصف، وحيد مع قلّةٍ قليلة. نعيش ضمن حدود الوطن، خارج الوطن. اختلافنا يعني تارةً خيانة وتارةً أخرى بلاهة. ليس سهلًا أن تختار أسلوب عيش خارج إطار”الترند”، كأن أفضّل مثلًا أن أصنع لطفلتي في عيدها قالب حلوى بسيطًا بمقادير الحبّ بدل مبالغات كثيرة وقوالب كبيرة.

كوب شاي دافئٍ بلا سكّر

ربّما تلك هي أمكنتنا التي نخشى أن نتركها لأنّ الطريق إليها لم يكن سهلًا، لقد مشينا كثيرًا. ربّما فيها، أنا ممتنّة إلى كلّ جلسة عاديّة مع مجموعة صغيرة طيّبة، يحلو فيها دائمًا كوب شاي دافئٍ من دون سكّر. ربّما أنا ممتنّة لكلّ مساء ضحكنا فيه ولو بحذر، ولكلّ صباح بدا متعبًا ثمّ تبرّج بسؤالٍ أو طبطبةٍ أو اهتمام.

ربما تلك هي أمكنتنا التي نبحث عنها والتي نحن فقط من يراها. يؤسفنا أنّ مثلنا لا يراه كثر، لا بل يخيفنا. في مقابلة مع الطبيب النفسيّ الكنديّ غابور ماتيه سأله أنس بو خاش: “ما أكثر ما يخيفك؟” أغمض الطبيب عينيه وقال بعد تفكير عميق “ألّا يراني أحد”. جوابه هذا أشعرني وكأنني لست أراه بعينين اثنتين عبر شاشة، شعرت أنه يراني.

بعد كل تلك السنوات التي أسقياني فيها أهلي الحب أنواعًا وبطرق مختلفة، خلصت إلى أنّ المهمّ ليس أن أتّبع الحصى وليس أن أجد المكان، خلصت إلى أنّ الأهمّ أن أكون أنا بكلّ حقيقيّة حتّى لو لم يراني أحد، أجلس في ظلّ شجرة صنوبر أجمع حبّاتها، أكسر بحجر خارجها الأسود ثمّ أتلذّذ بالتهام قالبها الأبيض حتّى التّخمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى