منشيّة وقف الهرمل.. متنفّس عطره من تاريخ المدينة وذكرياتها

في مدينة الهرمل، تتكشّف طبيعة خلّابة ومساحة خضراء، أبدع الخالق في رسمها، تحمل اسم “منشيّة الوقف”. هي واحدة من أبرز المساحات الخضراء العامّة، تمتدّ على نحو 10 آلاف متر مربّع، وتضمّ مروجًا طبيعيّة، وأشجارًا معمّرة من الدلب والحور والصفصاف والسرو. وإلى جانب ذلك، تحتوي المنشيّة على بركة مائيّة تبلغ مساحتها نحو 500 متر مربّع، وثلاث سواقي أو عيون تنساب منها المياه عبر شلّالات صغيرة، ما يمنح المكان طابعًا بيئيًّا منفردًا في المنطقة.
يعود تاريخ إنشاء المنشيّة إلى أكثر من 150 عامًا، تقع في جنوبيّ مدينة الهرمل، وهي مساحة يعرفها الكبار والصغار. هنا تشكّلت ذكريات الطفولة، ونُسجت أحاديث. هنا رافق المكان سنوات الدراسة، وتراكمت تفاصيل منه في حياة أهل المدينة. هذا الارتباط العميق جعل المنشيّة جزءًا لا يتجزّأ من تاريخ الهرمل، وركنًا من ذاكرتها الثقافيّة والوطنيّة والاجتماعيّة، وتراثًا حيًّا يجمع أبناء المدينة والجوار.
ملكيّة عامّة واستثمارات متعاقبة
تشكّل المنشيّة جزءًا أساسًا من ذاكرة مدينة الهرمل، وشهدت كمًّا هائلًا من الأحداث التاريخيّة، وكانت متنفّسًا لأهلها، ساعد في ذلك موقعها الوسطيّ في وادٍ يحدّ من تأثير الرياح، ويمنحها خصوصيّة مناخيّة مميّزة.
في حديث إلى “مناطق نت” يشير الأستاذ مخلص أمهز، مؤلّف كتاب “الهرمل: تاريخ وذاكرة” (قيد الطباعة)، إلى أنّ “المنشيّة ملك عام، تعود إلى بلديّة الهرمل، وتشمل العقارين رقم 2241 ورقم 2254. وتتميّز باحتضانها ثلاث عيون مياه تنبع من أطرافها، ما أسهم في تكوين بيئة خضراء غنيّة بالأشجار التاريخيّة المعمّرة. كذلك تضمّ بركة ماء، إلى جانب مبنى بسيط لا تتجاوز مساحته 150 مترًا مربّعًا، يُرجّح أنّ الفرنسيّين شيّدوه إبّان فترة الانتداب، واستخدموه كمطعم ومقهى بين عاميّ 1920 و1943”.
ويوضح أمهز أنّ “أرض المنشيّة جرى تضمينها للجنة الأوقاف في المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى مدّة 99 عامًا. أمّا استثمارها، فتولّاه في فترات مختلفة عدد من أبناء المدينة، من بينهم المرحوم أبو يحيى محمّد دندش في ستينيّات القرن الماضي، وأبو علي أديب شاهين في سبعينيّاته، بينما يتولّى اليوم حيدر عواد استثمار منشيّة الوقف منذ العام 1985، إذ جرى استثمار بركة الوقف في تربية الأسماك، مع إنشاء فقّاسات خاصّة إلى جانبها”.

إلى ذلك، استخدم جزء من المنشيّة مدّة محدودة لم تتجاوز السنتين، ملعبًا لصالح أوّل مدرسة للبنات في الهرمل، وذلك بسبب ضيق المساحة أمام مبنى المدرسة الواقعة بمحاذاة المنشيّة.
منشيّة بقلب التاريخ السياسيّ للهرمل
لـ “منشيّة الوقف” تاريخ يتجاوز بعدها الطبيعيّ، إذ شكّلت على امتداد عقود مسرحًا لأحداث وطنيّة وسياسيّة وحزبيّة وثقافيّة واجتماعيّة. في هذا السياق يؤكّد أمهز أنّ “عددًا من الشخصيّات البارزة ارتادت المنشيّة، ومن بينها، كما يُروى، أحد الأمراء الشهابيّين الذي أقام فيها ليلة واحدة قبل انتقاله إلى منطقة عكّار”.
ويرتبط اسم المنشيّة أيضًا بمحطّات مفصليّة من تاريخ المنطقة، أبرزها ما جرى خلال محاولة الجيش الفرنسيّ اقتحام جرود الهرمل. ففي العام 1926، اندلعت معركة وادي فيسان، حيث تمكّن الثوّار من كسر الهجوم الفرنسيّ وإيقاع قتلى وجرحى في صفوفه. وبحسب أمهز، جُمِع الجنود الفرنسيّون المصابون في منشيّة الوقف قبل تسليمهم لاحقًا.
ويضيف أمهز “المنشيّة استقبلت لاحقًا شخصيّات رسميّة، من بينها أوّل رئيس للجمهوريّة اللبنانيّة زمن الانتداب الفرنسيّ شارل دبّاس. كذلك شهدت في أواخر خمسينيّات القرن الماضي مهرجان إنطلاق الحزب التقدّمي الاشتراكيّ في المنطقة، بحضور مؤسّسه كمال جنبلاط، إلى جانب نحو ثلاثين من مناصري الحزب في الهرمل”.
أمّا في سبعينيّات القرن الماضي، فقد احتضنت المنشيّة مهرجانًا نظّمه وزير الصحّة آنذاك نزيه البزري. غير أنّ المهرجان انتهى بإشكال، ما اضطرّ الوزير إلى مغادرة الهرمل على متن طائرة عسكريّة.
منصة سياسية وفضاء اجتماعي
شكّلت منشيّة الوقف، عبر مراحل زمنيّة مختلفة، مركزًا للأنشطة والمهرجانات السياسيّة. أقامت الأحزاب الوطنيّة بين عامي 1975 و1980 مهرجانات سياسيّة في مناسبات وطنيّة عدّة.
وبحسب ما أفاد عضو بلديّة الهرمل حبيب الحسيني، في حديث إلى لـ “مناطق نت”: “استخدمت الأحزاب السياسيّة الناشطة حاليًّا المنشيّة لإقامة مهرجاناتها واحتفالات تخريج طلّابها، وقد زارها عدد من القادة السياسيّين. ويُعزى هذا إلى مساحتها الواسعة، وقدرتها على استيعاب أعداد كبيرة من المشاركين، إضافة إلى موقعها الجغرافيّ وملاءمتها لإقامة النشاطات في مختلف فصول السنة”.
“رايحين عالوقف، جايين من الوقف”، عبارة تختصر حضور المنشيّة اليوميّ في حياة الناس، وأيّامًا بقيت حيّة في ذاكرة أهالي الهرمل
في العام 1972، في عهد القائمقام بديع أبو مراد، خصّص رئيس الجمهوريّة آنذاك، سليمان فرنجية مبلغ 15 مليون ليرة لمدينة الهرمل، نُفّذت من خلاله نشاطات ومسابقات متنوّعة، شملت مسابقة أجمل حديقة، مباريات رياضيّة، إضافة إلى ألعاب الشطرنج والقوى وطاولة الزهر، ومسابقة إصابة الأهداف بالرصاص الحيّ، على أن تُختتم الفعاليات وتوزّع الجوائز في منشيّة الوقف.
شكّلت المنشيّة أيضًا موقعًا للمهرجانات السياحيّة، حيث نظّم وزير السياحة نقولا فتّوش في تسعينيّات القرن الماضي عددًا من النشاطات فيها. وشهدت، بحسب أمهز، “إحياء ذكرى شخصيّات بارزة من الهرمل، إضافة إلى مناسبات تأبينيّة لعدد من الشهداء”.
المنشيّة متنفّس “الهرملانيّين”
في زمنٍ غابت فيه المقاهي والمطاعم والملاهي، كانت منشيّة الوقف تؤدّي كلّ هذه الأدوار في آنٍ واحد. هكذا يصفها رياض قانصوه، أحد أبناء الهرمل، البالغ من العمر نحو 80 عامًا، في حديثه إلى لـ “مناطق نت”. ويشير إلى أنّ “التجّار والبائعين كانوا يقصدونها لتصريف بضائعهم، فيما كانت مقصدًا لأهالي أحياء الحارة والسبيل وبديتا والمنصورة والدورة والمرح وسائر أحياء الهرمل، إذ كانوا يجلسون على المقاعد الخشبيّة، يضعون طرابيشهم إلى جانبهم، فيما تمرّ قربهم المياه العذبة الصالحة للشرب”.
يقول قانصوه: “المنشيّة لم يكن لها مثيل في المنطقة. نهر العاصي لم يكن متاحًا كما هو اليوم، وكان الوصول إليه يحتاج إلى وسائل نقل لم تكن متوافرة آنذاك. ومع غياب المقاهي، تحوّلت المنشيّة إلى بديل وحيد. في بركتها تعلّم جيلي السباحة، وكان التلامذة يقصدونها للدراسة، تحت الأشجار وعلى المروج”.
يروي قانصوه أنّ “المنشيّة كانت مساحة للتسلية والتفاعل الثقافيّ، حيث كان الشبّان يتبارون في إلقاء الشعر، يبدأ أحدهم ببيت ويكمله الآخر على القافية نفسها. كما يستعيد لعبة ‘السبركة‘، وهي لعبة جماعيّة تعتمد على حفرة وفريقين، يفوز فيها من ينجح في وضع قدمه داخل الحفرة”.
وإلى جانب دورها الترفيهيّ، يتحدّث قانصوه عن أنّ “المنشيّة كانت أيضًا مركزًا للصلح، إذ كانت العائلات والعشائر المتخاصمة تجتمع فيها باعتبارها مكانًا عامًّا محايدًا، وكانت تُحلّ فيها معظم الخلافات”.
“رايحين عالوقف، جايين من الوقف”، عبارة تختصر حضور المنشيّة اليوميّ في حياة الناس، وأيّامًا بقيت حيّة في ذاكرة أهالي الهرمل، الذين يرونها اليوم أقلّ جمالًا ممّا كانت عليه سابقًا.
يختم قانصوه: “إنّ إعادة إحياء المنشيّة كما كانت في الماضي تبقى مسؤوليّة البلديّة، على أمل أن تستعيد دورها ومكانتها”.



