بين صحبة الموت والحياة.. أريد بيتًا أشتري له مزهريّة

ألبس فستانًا فضفاضًا أحمر، كالذي كانت ترتديه جدّاتي في الماضي القريب. لا عجب أنهّنّ لم يشتكين من حرٍّ ولا من برد؛ فالدم يسري في عروقهنّ بأريحيّةٍ مطلقة. أعبر الطريق نحو متحف “بيت بيروت”، حيث يقام معرض “احكيلي يا جنوب”. هذه هي المرّة الثانية التي أزوره فيها، وفي كلّ مرّة أشعر بأنّ الجنوب يخبرني قصصًا جديدة.

أتنقّل بين الغرف التي تحتوي قصصًا وأشياء حقيقيّة، كمن ينتقل من حقبةٍ زمنيّة إلى أُخرى تروي مأساة بدأت دون وضع خططٍ لنهايتها. تراكمت الحروب والجثامين والحقائب فوق بعضها البعض، فشكّلت الجبال التي نعرفها اليوم ونرثيها بما تيسّر لنا من لغة وحزن. وبين المقاطع المصوّرة والتسجيلات الصوتيّة، تدهشني رجفة الأصوات تارةً وعنفوانها طورًا.

أقف في منتصف الصالة الكبيرة، بسقفها العالي، ومن حولي غرف مفتوحة. يدور بي المكان، وأفكّر: ما الخطّ الفاصل بين الحياة والموت؟ انتشر في الآونة الأخيرة مصطلحان: محبّو الحياة، ومحبّو الموت والدمار.

تساءلت مرّات عديدة: كيف لأحدٍ أن يتّهم الآخر بأنّه يحبّ الموت؟ ومن الذي يملك معنى نهائيًّا للحياة كي يحدّد على أساسه خيارات الآخرين؟

حياة كاملة وموت كامل

من يأتي إلى هذا المعرض يعرفْ أنّ لنا في الجنوب حياة كاملة؛ وموتًا كاملًا، لا تشوبهما شائبة. أدخل المطبخ، وأضيع بين تفاصيله، محاولةً اكتشافها كلّها في الوقت نفسه. ستائر صغيرة ملوّنة تغطّي خزائن المجلى، وصابونة غار معلّقة عند الحنفيّة، ووعاء الصابون الذي غالبًا ما يكون مكسورًا من طرفه، لأنّنا لا نرمي شيئًا مكسورًا. والنمليّة التي مهما بلغ عمرها، ما زالت معظم البيوت تحتفظ بها بوصفها جزءًا من الذاكرة.

أمام القطعة الخشبيّة ذات الجوارير والزجاج السميك الذي يهتزّ كلّما فُتحت درفتها أو أُغلقت، تصطفّ شتّى أنواع المونة البلديّة والمعلّبات، وطقم كؤوس للمناسبات الخاصّة، وفناجين قهوة “الشفّة” التقليديّة. وعلى ظهر النمليّة تستقرّ طناجر وصوانٍ من الألمنيوم أو النحاس، تحوّلت، مع مرور الوقت واستبدالها بأواني التيفال، إلى جزء من ديكور المطبخ.

يقف الإنسان هناك كما لو أنّه يقف على عتبة سينما متنقّلة داخل رأسه. يعبر عتبات البيوت التي أحبّها، يرى البخار يتصاعد من طنجرة الملوخيّة، ويشتمّ رائحة الأرزّ، ويشعر بيديه تقطفان الحامض من الحاكورة، ويتلمّس الزيت الذي يغطّي القشر، ويفرك عينيه من رذاذ الحامض المتطاير عند قطفه، ثمّ يبتلع ريقه ليتذوّق الطعم الذي أيقظته ذاكرة اللسان فجأة.

كنت أنتظر بداية الصيف كي أترك الضاحية الجنوبيّة وأعود إلى قريتي، كي أمشي حافيةً على بلاط البيت الذي ما زال يحتفظ ببرودة الشتاء.

شراشف بيضاء وبدرٌ بعيد

في غرفة النوم، شعرت بالدم يغلي في عينيّ ويشوّه الذكريات، ثمّ خرج الماء المالح بكسلٍ مخيف.

كيف تصف للآخرين ملمس شراشف السرير الخفيفة في ليلة شديدة الحرّ من شهر تمّوز (يوليو)، وهي تنفث البرودة من بين خيوطها على جلدك؟ والنسيم يندفع ببطء عابرًا الستائر نحو وجهك على وسادة بيضاء ذات الأطراف المزركشة؟

كنت أنتظر بداية الصيف كي أترك الضاحية الجنوبيّة وأعود إلى قريتي، كي أمشي حافيةً على بلاط البيت الذي ما زال يحتفظ ببرودة الشتاء، أقوم بتغيير ملاءات السرير والوسائد، بتلك البيضاء ذات الورود الزهريّة المتفرّقة، ابدّل الستارة الشتويّة بأخرى بيضاء “دانتيل”، وأرتمي فوق سريري أشاهد القمر وهو يصير بدرًا عند عواء الذئاب.

رمّانة وبندقيّة وما بينهما

أقف أمام لوحة الرمّان والبندقيّة. ولأوّل مرّة أعرف لماذا يقف الإنسان صامتًا أمام لوحة، واضعًا يديه خلف ظهره، لوقت طويل دون ملل أو كلل. أفتح هاتفي وأتلو بضع أبيات من شعر محمّد علي شمس الدين:

“يا صبايا قرية الرمّان
شيّعن القتيل
وانتشلن الماء من آباره
حتّى السماء
وتخضّبن
تخضّبن له عند الأصيل
جرحه كان لنا خبزًا وماءً…
**
يا فتى الرمّان قد طال الرحيل
فلماذا أيها السرّ الجنوبيّ الجميل
بدّدتك الطلقات
أبدعتك الطلقات”.
لماذا الرمّان؟
لأنّ الحنين يطوّقنا عند رؤية الأكواز.
هل السرّ باللون الأحمر؟
من ينعش هذه الأرض أكثر؟ الرمّان أم دماؤنا؟

ودّ الكوز أن يحدّثني: أنا بقيت جالسًا فوق البرّاد عندما رحلتِ أنتِ، أنا بقيت تقبّلني الشمس من شقوقي قبيل غروبها، ومن برأيك روى عطش صاحب البندقيّة، أنت أم أنا؟

تأمّلتُ كلّ حبّة رمّان، والبندقيّة، والقشور أسفل الشجرة، وأغصانها العارية.

أردت في تلك اللحظة أن أغمض عينيّ وأجد نفسي جالسةً عصرًا، تحت شجرة الرمّان في دارنا، أتلو عليها سورة “يس”، أشاهد زيزًا ينقلب على ظهره، وتغيب الشمس في حضن مجدل زون، على وقع تمتمات جارتنا الحاجّة زهرة وهي تطلب زوال همّها مع زوال الحمرة.

من مع الموت؟ من مع الحياة؟ من مع الاحتلال الإسرائيليّ؟ ومن سيحمل بندقيّة؟

بين “بيت بيروت” والقرية… طريق مقطوع

ألتقط صورًا لكلّ شيء، وأخرج أدندن: “ردّني إلى بلادي، مع نسائم غوادِ”. لكن أيُّ نسمةٍ ستحملني، مع كلّ هذا الثقل من اللوم والعتب، إلى الجانب الآخر من العالم؟ هناك، حيث قطعوا مداخل القرى بما وجدوه من ركام: حاويات نفايات كبيرة، وقطعًا من حديد، وفرشة سرير، وقطعةً من سور منزل، وصخورًا متناثرة.

مدخل صربّين – بيت ليف، عند حاجز كفرا، هو آخر ما نستطيع الوصول إليه. نقف أمام طريقٍ مقطوع بأشياء يستطيع طفلٌ تجاوزها، لكنّنا نراها سورًا عملاقًا يقف بيننا وبين الضيعة، وبيننا وبين معنى الحياة.

حياتنا التي حاولوا تجريدها من أيّ معنى يخصّنا، يحاولون الآن تحديدها بخطّ أصفر، ومنطقة آمنة للشمال، ومنطقة تجريبيّة تخضع لسلطة الجميع باستثناء الأهالي، وعمل ضخم بالنسبة للجرّافات.

نتساءل، وقد أعيانا اليأس: متى يأتي دور قرانا في أضحوكة “المناطق التجريبيّة”؟ أم ستتمّ تسويتنا بصفقة أُخرى في الدقائق الأخيرة؟ ثمّ تزيد معارضنا غرفًا جديدة. ونظلّ واقفين أمام عتبات القرى نحصي بيوتها وأشجارها، ونراكم بعضنا البعض في ضواحٍ، ثمّ يأتي من يقوم باستفتاء شعبيّ: من مع الموت؟ من مع الحياة؟ من مع الاحتلال الإسرائيليّ؟ ومن سيحمل بندقيّة؟

نردّ السؤال بالسؤال: من سيشتري؟ ومن سيبيع؟ وإلى متى ستظلّ دماؤنا مدار عرض وطلب؟

حين يصبح الموت إجابةً

منذ مدّة، وبسبب اضطراري إلى القيام بعملٍ آخر إلى جانب عملي الأساس، شاركت في استطلاعٍ للرأي عبر الهاتف. كان مطلوبًا مني الاتّصال بأفراد من قرى قضاء صور، وتزامن ذلك مع اشتداد الغارات على المدينة.

بدأت بإدخال الأرقام، وأنا أعرف الإجابات مسبقًا. بصوتٍ يعتريه الخجل، سألتها: ما رأيك في اتّفاقيّة سلام دائمة مع إسرائيل؟ فأجابت: أنا الآن في صور، حبيبتي. في مغسل الأموات، أغسّل شهيدات، ولا أستطيع التحدّث الآن.

أغلقت الهاتف وأنا أحاول رسم صورة لها وللشهيدات بأكفانهنّ في رأسي، ونفضت حماقة مخيّلتي كي أستطيع مواصلة يومي. هل سأكمل؟ نعم، سأكمل. لأنّ عالمًا كهذا لا يهمّه ما يحدث حقًّا في صور؛ ما يهمّه هو نتيجة الإحصاء التي ستظهر على شاشة التلفاز، ثم تُحرَّك البيادق على أساسها.

أدخلت الرقم الثاني: مرحبًا، أعتذر عن اتّصالي في هذا الوقت، لكنّه استطلاع رأي عن الأوضاع الراهنة في لبنان، وأود أن أسألك، فقاطعني: لو بتعرفي أنا هلّق وين، ما كنتِ بتتّصلي! قلت: أعتذر، أعرف أنّك في صور. فأجاب: أنا في مقبرة الودائع في صور، أدفن شهداء.

توقفت عن العمل

توقّفت عن العمل. وتوقّفت عن التنفّس جيّدًا. وعن الطعام.

أردت أن أصرخ في الآخرين جميعهم: هل تودّون حقًّا معرفة رأينا في السلام مع إسرائيل؟ اذهبوا إلى مقبرة الودائع في صور. واذهبوا إلى حارة صيدا. هناك حيث يقف الموت إلى جانبنا مواسيًا، يحاول تبرئة نفسه من فظاعة المشهد.

وبعد انتهائنا من المناحة والعتابا، نخرج إلى العالم ونستردّ فرصتنا من الحياة، لأنّ لا حياة دون صحبة الموت، وما بينهما سأظلّ أحلم ببيتٍ أشتري له مزهريّة، وأولّد من حزني نصًّا كي لا يموت في متاهة الأرقام.

“احكيلي يا جنوب” في بيت بيروت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى